سورة
اية:

قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم: { ما جئتنا ببينة} أي بحجة وبرهان على ما تدعيه، { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك} أي بمجرد قولك اتركوهم نتركهم { وما نحن لك بمؤمنين} بمصدقين، { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} يقولون ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك، بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها، { قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه} ، يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام، { فكيدوني جميعا} أي أنتم وآلهتكم إن كانت حقاً { ثم لا تنظرون} أي طرفة عين. وقوله: { إني توكلت على اللّه ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} أي تحت قهره وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه، فإنه على صراط مستقيم، وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة، ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام، التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر، ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة اللّه وحده، الذي ما من شيء إلا تحت قهره وسلطانه، فلا إله إلا هو ولا رب سواه.

تفسير الجلالين

{ قالوا يا هود ما جئتنا ببيِّنة } برهان على قولك { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك } أي لقولك { وما نحن لك بمؤمنين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتنَا عَنْ قَوْلك وَمَا نَحْنُ لَك بِمُؤْمِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ قَوْم هُود لِهُودٍ : يَا هُود مَا أَتَيْتنَا بِبَيَانٍ وَلَا بُرْهَان عَلَى مَا تَقُول , فَنُسْلِم لَك , وَنُقِرّ بِأَنَّك صَادِق فِيمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَالْإِقْرَار بِنُبُوَّتِك . { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتنَا } يَقُول : وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتنَا يَعْنِي لِقَوْلِك : أَوْ مِنْ أَجْل قَوْلك . { مَا نَحْنُ لَك بِمُؤْمِنِينَ } يَقُول : قَالُوا : وَمَا نَحْنُ لَك بِمَا تَدَّعِي مِنْ النُّبُوَّة وَالرِّسَالَة مِنْ اللَّه إِلَيْنَا بِمُصَدِّقِينَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتنَا عَنْ قَوْلك وَمَا نَحْنُ لَك بِمُؤْمِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ قَوْم هُود لِهُودٍ : يَا هُود مَا أَتَيْتنَا بِبَيَانٍ وَلَا بُرْهَان عَلَى مَا تَقُول , فَنُسْلِم لَك , وَنُقِرّ بِأَنَّك صَادِق فِيمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَالْإِقْرَار بِنُبُوَّتِك . { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتنَا } يَقُول : وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتنَا يَعْنِي لِقَوْلِك : أَوْ مِنْ أَجْل قَوْلك . { مَا نَحْنُ لَك بِمُؤْمِنِينَ } يَقُول : قَالُوا : وَمَا نَحْنُ لَك بِمَا تَدَّعِي مِنْ النُّبُوَّة وَالرِّسَالَة مِنْ اللَّه إِلَيْنَا بِمُصَدِّقِينَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: ‏ { ‏وإلى عاد أخاهم هودا‏} ‏ أي وأرسلنا، فهو معطوف على { ‏أرسلنا نوحا‏} ‏‏.‏ وقيل له أخوهم لأنه منهم، وكانت القبيلة تجمعهم؛ كما تقول‏:‏ يا أخا تميم‏.‏ وقيل‏:‏ إنما قيل له أخوهم لأنه من بني آدم كما أنهم من بني آدم؛ وقد تقدم هذا في ‏ { ‏الأعراف‏} ‏ وكانوا عبدة الأوثان‏.‏ وقيل‏:‏ هم عادان، عاد الأولى وعاد الأخرى، فهؤلاء هم الأولى؛ وأما الأخرى فهو شداد ولقمان المذكوران في قوله تعالى: ‏ { ‏إرم ذات العماد‏} ‏ [الفجر‏:‏ 7‏]‏‏.‏ وعاد اسم رجل ثم استمر على قوم انتسبوا إليه‏.‏ ‏ { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره‏} ‏ بالخفض على اللفظ، و‏ { ‏غيره‏} ‏ بالرفع على الموضع، و‏ { ‏غيره‏} ‏ بالنصب على الاستثناء‏.‏ ‏ { ‏إن أنتم إلا مفترون‏} ‏ أي ما أنتم في اتخاذكم إلها غيره إلا كاذبون عليه جل وعز‏.‏ قوله تعالى‏: { ‏يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني‏} ‏ أي على التبليغ، والدعاء إلى الله، والإيمان به فيثقل عليكم، أي ثوابي في تبليغ الرسالة‏.‏ والفطرة ابتداء الخلق‏.‏ ‏ { ‏أفلا تعقلون‏} ‏ ما جرى على قوم نوح لما كذبوا الرسل‏.‏ قوله تعالى‏: { ‏ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه‏} ‏ تقدم في أول السورة‏.‏ ‏ { ‏يرسل السماء‏} ‏ جزم لأنه جواب وفيه معنى المجازاة‏.‏ ‏ { ‏عليكم مدرارا‏} ‏ نصب على الحال، وفيه معنى التكثير؛ أي يرسل السماء بالمطر متتابعا يتلو بعضه بعضا؛ والعرب تحذف الهاء في مفعال على النسب؛ وأكثر ما يأتي مفعال من أفعل، وقد جاء ههنا من فعل؛ لأنه من درت السماء تدِر وتدُر فهي مدرار‏.‏ وكان قوم هود - أعني عادا - أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن كما تقدم في ‏ { الأعراف‏} ‏‏.‏ { ‏ويزدكم‏} ‏ عطف على يرسل‏.‏ ‏ { ‏قوة إلى قوتكم‏} ‏ قال مجاهد‏:‏ شدة على شدتكم‏.‏ الضحاك‏.‏ خصبا إلى خصبكم‏.‏ علي بن عيسى‏:‏ عزا على عزكم‏.‏ عكرمة‏:‏ ولدا إلى ولدكم‏.‏ وقيل‏:‏ إن الله حبس عنهم المطر وأعقم الأرحام ثلاث سنين فلم يولد لهم ولد؛ فقال لهم هود‏:‏ إن آمنتم أحيا الله بلادكم ورزقكم المال والولد؛ فتلك القوة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المعنى يزدكم قوة في النعم‏.‏ ‏ { ‏ولا تتولوا مجرمين‏} ‏ أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، وتقيموا على الكفر قوله تعالى: ‏ { ‏قالوا يا هود ما جئتنا ببينة‏} ‏ أي حجة واضحة‏.‏ ‏ { وما نحن لك بمؤمنين‏} ‏ إصرارا منهم على الكفر‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏إن نقول إلا اعتراك‏} ‏ أي أصابك‏.‏ ‏ { ‏بعض آلهتنا‏} ‏ أي أصنامنا‏.‏ ‏ { ‏بسوء‏} ‏ أي بجنون لسبك إياها، عن ابن عباس وغيره‏.‏ يقال‏:‏ عراه الأمر واعتراه إذا ألم به‏.‏ ومنه ‏ { ‏وأطعموا القانع والمعتر‏} [‏الحج‏:‏ 36‏]‏‏.‏ ‏ { ‏قال إني أشهد الله‏} ‏ أي على نفسي‏.‏ ‏ { واشهدوا‏} ‏ أي وأشهدكم؛ لا أنهم كانوا أهل شهادة، ولكنه نهاية للتقرير؛ أي لتعرفوا ‏ { ‏أني بريء مما تشركون‏} ‏ أي من عبادة الأصنام التي تعبدونها‏.‏ ‏ { ‏فكيدوني جميعا‏} ‏ أي أنتم وأوثانكم في عداوتي وضري‏.‏ ‏ { ‏ثم لا تنظرون‏} ‏ أي لا تؤخرون‏.‏ وهذا القول مع كثرة الأعداء يدل على كمال الثقة بنصر الله تعالى‏.‏ وهو من أعلام النبوة، أن يكون الرسول وحده يقول لقومه ‏ { ‏فكيدوني جميعا‏} ‏‏.‏ وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش‏.‏ وقال نوح صلى الله عليه وسلم ‏ { ‏فاجمعوا أمركم وشركاءكم‏} [‏يونس‏:‏ 71‏]‏ الآية‏.‏ قوله تعالى‏: { ‏إني توكلت على الله ربي وربكم‏} ‏ أي رضيت بحكمه، ووثقت بنصره‏.‏ ‏ { ‏ما من دابة‏} ‏ أي نفس تدب على الأرض؛ وهو في موضع رفع بالابتداء‏.‏ ‏ { ‏إلا هو آخذ بناصيتها‏} ‏ أي يصرفها كيف يشاء، ويمنعها مما يشاء؛ أي فلا تصلون إلى ضري‏.‏ وكل ما فيه روح يقال له داب ودابة؛ والهاء للمبالغة‏.‏ وقال الفراء‏:‏ مالكها، والقادر عليها‏.‏ وقال القتبي‏:‏ قاهرها؛ لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ يحييها ثم يميتها؛ والمعنى متقارب‏.‏ والناصية قصاص الشعر في مقدم الرأس‏.‏ ونصوت الرجل أنصوه نصوا أي مددت ناصيته‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ إنما خص الناصية؛ لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة والخضوع؛ فيقولون‏.‏ ما ناصية فلان إلا بيد فلان؛ أي إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء‏.‏ وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخرا عليه؛ فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم‏.‏ وقال، الترمذي الحكيم في ‏ { ‏نوادر الأصول‏} ‏ ‏ { ‏ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها‏} ‏ وجهه عندنا أن الله تعالى قدر مقادير أعمال العباد، ثم نظر إليها، ثم خلق خلقه، وقد نفذ بصره في جميع ما هم فيه عاملون من قبل أن يخلقهم، فلما خلقهم وضع نور تلك النظرة في نواصيهم فذلك النور أخذ بنواصيهم، يجريهم إلى أعمالهم المقدرة عليهم يوم المقادير‏.‏ وخلق الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة‏)‏‏.‏ ولهذا قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي، وأيقنوا أن جميع خلقه منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من الأعمال، فأوفرهم حظا من الملاحظة أقواهم في العزم، ولذلك ما قوي هود النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال‏: { ‏فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون‏.‏ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها‏} ‏ وإنما سميت ناصية لأن الأعمال قد نصت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير، قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة، ثم وضعت حركات كل من دب على الأرض حيا في جبهته بين عينيه، فسمي ذلك الموضع منه ناصية؛ لأنها تنص حركات العباد بما قدر؛ فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها ووصف ناصية أبي جهل فقال‏: { ‏ناصية كاذبة خاطئة‏} ‏ [العلق‏:‏ 16‏]‏ يخبر أن النواصي فيها كاذبة خاطئة؛ فعلى سبيل ما تأولوه يستحيل أن تكون الناصية منسوبة إلى الكذب والخطأ‏.‏ والله أعلم‏.‏ ‏ { ‏إن ربي على صراط مستقيم‏} ‏ قال النحاس‏:‏ الصراط في اللغة المنهاج الواضح؛ والمعنى أن الله جل ثناؤه وإن كان يقدر على كل شيء فإنه لا يأخذهم إلا بالحق‏.‏ وقيل‏:‏ معناه لا خلل في تدبيره، ولا تفاوت في خلقه سبحانه‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏فإن تولوا‏} ‏ في موضع جزم؛ فلذلك حذفت منه النون، والأصل تتولوا، فحذفت التاء لاجتماع تاءين‏.‏ ‏ { فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم‏} ‏ بمعنى قد بينت لكم‏.‏ ‏ { ‏ويستخلف ربي قوما غيركم‏} ‏ أي يهلككم ويخلق من هو أطوع له منكم يوحدونه ويعبدونه‏.‏ ‏ { ‏ويستخلف‏} ‏ مقطوع مما قبله فلذلك ارتفع؛ أو معطوف على ما يجب فيما بعد الفاء من قوله: ‏ { ‏فقد أبلغتكم‏} ‏‏.‏ وروي عن حفص عن عاصم ‏ { ‏ويستخلف‏} ‏ بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها؛ مثل‏ { ‏ويذرهم في طغيانهم يعمهون‏} [‏الأعراف‏:‏ 186‏]‏‏.‏ ‏} ‏ولا تضرونه شيئا‏} ‏ أي بتوليكم وإعراضكم‏.‏ ‏ { إن ربى على كل شيء حفيظ‏} ‏ أي لكل شيء حافظ‏.‏ ‏ { على‏} ‏ بمعنى اللام؛ فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏ولما جاء أمرنا‏} ‏ أي عذابنا بهلاك عاد‏.‏ ‏ { نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا‏} ‏ لأن أحدا لا ينجو إلا برحمة الله تعالى، وإن كانت له أعمال صالحة‏.‏ وفي صحيح مسلم والبخاري وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏لن ينجي أحدا منكم عمله‏.‏ قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول الله‏؟‏ ‏!‏ قال‏:‏ ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏ { ‏برحمة منا‏} ‏ بأن بينا لهم الهدى الذي هو رحمة‏.‏ وكانوا أربعة آلاف‏.‏ وقيل‏:‏ ثلاثة آلاف‏.‏ ‏ { ونجيناهم من عذاب غليظ‏} ‏ أي عذاب يوم القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ هو الريح العقيم كما ذكر الله في ‏ { ‏الذاريات‏} ‏ وغيرها وسيأتي‏.‏ قال القشيري أبو نصر‏:‏ والعذاب الذي يتوعد به النبي أمته إذا حضر ينجي الله منه النبي والمؤمنين معه؛ نعم‏!‏ لا يبعد أن يبتلي الله نبيا وقومه فيعمهم ببلاء فيكون ذلك عقوبة للكافرين، وتمحيصا للمؤمنين إذا لم يكن مما توعدهم النبي به‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏وتلك عاد‏} ‏ ابتداء وخبر‏.‏ وحكى الكسائي أن من العرب من لا يصرف ‏ { عادا‏} ‏ فيجعله اسما للقبيلة‏.‏ ‏ { ‏جحدوا بآيات ربهم‏} ‏ أي كذبوا بالمعجزات وأنكروها‏.‏ ‏} ‏وعصوا رسله‏} ‏ يعني هودا وحده؛ لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه‏.‏ ونظيره قوله تعالى‏: { ‏يا أيها الرسل كلوا من الطيبات‏} [‏المؤمنون‏:‏ 51‏]‏ يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده؛ لأنه لم يكن في عصره رسول سواه؛ وإنما جمع ههنا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل‏.‏ وقيل‏:‏ عصوا هودا والرسل قبله، وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف رسول لجحدوا الكل‏.‏ ‏ { ‏واتبعوا أمر كل جبار عنيد‏} ‏ أي اتبع سقاطهم رؤساءهم‏.‏ والجبار المتكبر‏.‏ والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ العنيد والعنود والعاند والمعاند المعارض بالخلاف، ومنه قيل للعرق الذي ينفجر بالدم عاند‏.‏ وقال الراجز‏:‏ إني كبير لا أطيق العُنَّدا ** قوله تعالى: ‏ { ‏وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة‏} ‏ أي ألحقوها‏.‏ ‏ { ويوم القيامة‏} ‏ أي واتبعوا يوم القيامة مثل ذلك؛ فالتمام على قوله: ‏ { ‏ويوم القيامة‏} ‏‏.‏ ‏ { ألا إن عادا كفروا ربهم‏} ‏ قال: الفراء‏:‏ أي كفروا نعمة ربهم؛ قال‏:‏ ويقال كفرته وكفرت به، مثل شكرته وشكرت له‏.‏ ‏ { ألا بعدا لعاد قوم هود‏} ‏ أي لا زالوا مبعدين عن رحمة الله‏.‏ والبعد الهلاك والبعد التباعد من الخير‏.‏ يقال‏:‏ بعد يبعد بعدا إذا تأخر وتباعد‏.‏ وبعد يبعد بعدا إذا هلك؛ قال‏:‏ لا يبعدن قومي الذين هم ** سم العداة وآفة الجزر وقال النابغة‏:‏ فلا تبعدن إن المنية منهل ** وكل امرئ يوما به الحال زائل

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 52 - 59

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهم هنا ينكرون أن هوداً قد أتاهم بِبَيِّنة أو مُعجزةٍ.

والبيِّنة ـ كما نعلم ـ هي الأمارة الدالة على صدق الرسول.

وصحيح أن هوداً هنا لم يذكر معجزته؛ وتناسوا أن جوهر أي معجزة هو التحدي؛ فمعجزة نوح عليه السلام هي الطوفان، ومعجزة إبراهيم عليه السلام أن النار صارت برداً وسلاماً عليه حين ألقوه فيها.

ونحن نلحظ أن المعجزة العامة لكل رسول يمثلها قول نوح عليه السلام:


{  يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ }
[يونس: 71].

أي: إن كنتم أهلاً للتحدي، فها أنا ذا أمامكم أحارب الفساد، وأنتم أهل سيطرة وقوة وجبروت وطغيان.

وأحْكِموا كيدكم؛ لكنكم لن تستطيعوا قتل المنهج الرباني؛ لأن أحداً لن يستطيعَ إطفاء نور الله في يد رسول من رسله؛ أو أن يخلِّصوا الدنيا منه بقتله.. ما حدث هذا أبداً.

إذن: فالبيِّنة التي جاء بها هود عليه السلام أنه وقف أمامهم ودعاهم إلى ترك الكفر؛ وهو تحدي القادرين عليه؛ لأنهم أهل طغيان؛ وأهل بطش؛ ومع ذلك لم يقدروا عليه؛ مثلما لم يقدر كفار قريش على رسولنا صلى الله عليه وسلم.

ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه المعجزة الجامعة الشاملة وهي القرآن الكريم؛ وسيظل القرآن معجزة إلى أن تقوم الساعة.

ونعلم أن غالبية الرسل ـ عليهم جميعاً السلام ـ قد جاءوا بمعجزات حسية كونية؛ انتهى أمدها بوقوعها، ولولا أن القرآن يخبرنا بها ما صدَّقناها، مثلها مثل عود الثقاب يشتعل مرة ثم ينطفىء.

فمثلاً شفى عيسى ـ عليه السلام ـ الأكمه والأبرص ـ بإذن ربه ـ فمَنْ رآه آمن به، ومَنْ لم يَرَه قد لا يؤمن، وكذلك موسى ـ عليه السلام ـ ضرب البحر بالعصا فانفلق أمامه؛ ومن رآه آمن به، وانتهت تلك المعجزات؛ لكن القرآن الكريم باقٍ إلى أن تقوم الساعة.

ويستطيع أي واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قبل قيام الساعة أن يقول: محمد رسول الله ومعجزته القرآن؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء رسولاً عامّا؛ ولا رسول من بعده؛ لذلك كان لا بد أن تكون معجزته من الجنس الباقي؛ ومع ذلك قالوا له:


{  وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً }
[الإسراء: 90ـ 92].

وكل ما طلبوه مسائل حسية؛ لذلك يأتي الرد:


{  أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ }
[العنكبوت: 51].

ومع ذلك كذَّبوا.

وأضاف قوم عاد:

{ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } [هود: 53].

هم ـ إذن ـ قد خدعوا أنفسهم بتسميتهم لتلك الأصنام " آلهة "؛ لأن الإله مَنْ يُنزل منهجاً يحدِّد من خلاله كيف يُعْبَد؛ ولم تَقُل الأصنام لهم شيئاً؛ ولم تُبلغهم منهجاً.

إذن: فالقياس المنطقي يُلغي تَصوُّر تلك الأصنام كآلهة؛ فلماذا عبدوها؟

لقد عبدوها؛ لأن الفطرة تنادي كل إنسان بأن تكون له قوة مألوه لها؛ والقوة المألوه لها إن كان لها أوامر تحدُّ من شهوات النفس، فهذه الأوامر قد تكون صعبة على النفس، أما إن كانت تلك الآلهة بلا أوامر أو نواهي فهذه آلهة مريحة لمن يخدع نفسه بها، ويعبدها مظنة أنها تنفع أو تضر.

وهذه هي حُجَّة كل ادِّعاء نبوة أو ادِّعاء مَهديَّة في هذا العصر، فيدَّعي النبيُّ الكاذب النبوَّة، ويدعو للاختلاط مع النساء، وشرب الخمر، وارتكاب الموبقات، ويسمِّى ذلك ديناً.

وتجد مثل هذه الدَّعاوَي في البهائية والقاديانية؛ وغيرها من المعتقدات الزائفة.

وقولهم:

{ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ } [هود: 53].

يعني: وما نحن بتاركي آلهتنا بسبب قولك.

وقولهم: { وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } [هود: 53].

أي: وما نحن لك بمصدِّقين، لأن (آمن) تأتي بمعاني متعددة.

فإنْ عدَّيتها بنفسها مثل قول الحق سبحانه:


{  وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }
[قريش: 4].

وإنْ عدَّيتها بحرف " الباء " مثل قول الحق سبحانه:


{  مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ }
[البقرة: 62].

فالمعنى يتعلّق باعتقاد الألوهية.

وإن عدَّيتها بحرف " اللام "؛ مثل قول الحق سبحانه:


{  فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ }
[يونس: 83].

تكون بمعنى التصديق.

يقول الحق سبحانه بعد ذلك: { إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ }


www.alro7.net