سورة
اية:

قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ

تفسير بن كثير

هذه هي النفخة الثالثة وهي نفخة البعث والنشور للقيام من الأجداث والقبور، ولهذا قال تعالى: { فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} والنَسَلَان هو المشي السريع، كما قال تعالى: { يوم يخرجون من الأجداث سراعاً} الآية، { قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟} يعنون قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها، فلما عاينوا ما كذبوا به في محشرهم { قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} ؟ وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد، قال أبي بن كعب ومجاهد والحسن: ينامون نومة قبل البعث، قال قتادة: وذلك بين النفختين، فلذلك يقولون: { من بعثنا من مرقدنا} فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون: { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} وقال الحسن: إنما يجيبهم بذلك الملائكة قال ابن كثير: ولا منافاة بين القولين إذ الجمع ممكن والقول الأول قاله غير واحد من السلف واللّه أعلم ؛ وقال عبد الرحمن بن زيد: الجميع من قول الكفار { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} نقله ابن جرير، واختار الأول وهو أصح، وذلك كقوله تبارك وتعالى في الصافات: { قالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} وقوله تعالى: { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} ، كقوله عزَّ وجلَّ: { فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} ، وقال جلَّت عظمته: { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} ، وقال جل جلاله { يوم يدعوكم فتسجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً أي إنما نأمرهم أمراً واحداً فإذا الجميع محضرون، { فاليوم لا تظلم نفس شيئاً} أي من عملها { ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} .

تفسير الجلالين

{ قالوا } أي الكفار منهم { يا } للتنبيه { ويلنا } هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه { من بعثنا من مرقدنا } لأنهم كانوا بين النفختين نائمين لم يعذبوا { هذا } أي البعث { ما } أي الذي { وعد } به { الرحمن وصدق } فيه { المرسلون } أقروا حين لا ينفعهم الإقرار، وقيل: يقال لهم ذلك.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { قَالُوا يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لَمَّا نُفِخَ فِي الصُّور نَفْخَة الْبَعْث لِمَوْقِفِ الْقِيَامَة فَرُدَّتْ أَرْوَاحهمْ إِلَى أَجْسَامهمْ , وَذَلِكَ بَعْد نَوْمَة نَامُوهَا : { يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ نَوْمَة بَيْن النَّفْخَتَيْنِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22342 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ خَيْثَمَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , فِي قَوْله : { يَا وَيْلنَا مِنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } قَالَ : نَامُوا نَوْمَة قَبْل الْبَعْث 22343 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمِّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ رَجُل يُقَال لَهُ خَيْثَمَة فِي قَوْله : { يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } قَالَ : يَنَامُونَ نَوْمَة قَبْل الْبَعْث 22344 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { قَالُوا يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } هَذَا قَوْل أَهْل الضَّلَالَة . وَالرَّقْدَة : مَا بَيْن النَّفْخَتَيْنِ 22345 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا } قَالَ : الْكَافِرُونَ يَقُولُونَهُ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا } مَنْ أَيْقَظَنَا مِنْ مَنَامنَا , وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ : بَعَثَ فُلَان نَاقَته فَانْبَعَثَتْ , إِذَا أَثَارَهَا فَثَارَتْ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود : " مَنْ أَهَبَّنَا مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا " . وَفِي قَوْله : { هَذَا } وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنْ تَكُون إِشَارَة إِلَى " مَا " , وَيَكُون ذَلِكَ كَلَامًا مُبْتَدَأ بَعْد تَنَاهِي الْخَبَر الْأَوَّل بِقَوْلِهِ : { مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } فَتَكُون " مَا " حِينَئِذٍ مَرْفُوعَة بِهَذَا , وَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : هَذَا وَعْد الرَّحْمَن وَصِدْق الْمُرْسَلُونَ . وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ تَكُون مِنْ صِفَة الْمَرْقَد , وَتَكُون خَفْضًا وَرَدًّا عَلَى الْمَرْقَد , وَعِنْد تَمَام الْخَبَر عَنْ الْأَوَّل , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا , ثُمَّ يَبْتَدِئ الْكَلَام فَيُقَال : مَا وَعَدَ الرَّحْمَن , بِمَعْنَى : بَعَثَكُمْ وَعْد الرَّحْمَن , فَتَكُون " مَا " حِينَئِذٍ رَفْعًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِي يَقُول حِينَئِذٍ : هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن , فَقَالَ بَعْضهمْ : يَقُول ذَلِكَ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22346 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن } مِمَّا سَرَّ الْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ هَذَا حِين الْبَعْث 22347 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } قَالَ : قَالَ أَهْل الْهُدَى : هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الَمُرْسَلُونَ وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كِلَا الْقَوْلَيْنِ , أَعْنِي { يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } مِنْ قَوْل الْكُفَّار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22348 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } ثُمَّ قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } كَانُوا أَخْبَرُونَا أَنَّا نُبْعَث بَعْد الْمَوْت , وَنُحَاسَب وَنُجَازَى وَالْقَوْل الْأَوَّل أَشْبَه بِظَاهِرِ التَّنْزِيل , وَهُوَ أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام الْمُؤْمِنِينَ , لِأَنَّ الْكُفَّار فِي قِيلهمْ : { مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا بِمَنْ بَعَثَهُمْ مِنْ مَرْقَدهمْ جُهَّالًا , وَلِذَلِكَ مِنْ جَهْلهمْ اِسْتَثْبَتُوا , وَمُحَال أَنْ يَكُونُوا اِسْتَثْبَتُوا ذَلِكَ إِلَّا مِنْ غَيْرهمْ , مِمَّنْ خَالَفَتْ صِفَته صِفَتهمْ فِي ذَلِكَ . وَقَوْله : { قَالُوا يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لَمَّا نُفِخَ فِي الصُّور نَفْخَة الْبَعْث لِمَوْقِفِ الْقِيَامَة فَرُدَّتْ أَرْوَاحهمْ إِلَى أَجْسَامهمْ , وَذَلِكَ بَعْد نَوْمَة نَامُوهَا : { يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ نَوْمَة بَيْن النَّفْخَتَيْنِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22342 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ خَيْثَمَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , فِي قَوْله : { يَا وَيْلنَا مِنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } قَالَ : نَامُوا نَوْمَة قَبْل الْبَعْث 22343 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمِّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ رَجُل يُقَال لَهُ خَيْثَمَة فِي قَوْله : { يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } قَالَ : يَنَامُونَ نَوْمَة قَبْل الْبَعْث 22344 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { قَالُوا يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } هَذَا قَوْل أَهْل الضَّلَالَة . وَالرَّقْدَة : مَا بَيْن النَّفْخَتَيْنِ 22345 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا } قَالَ : الْكَافِرُونَ يَقُولُونَهُ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا } مَنْ أَيْقَظَنَا مِنْ مَنَامنَا , وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ : بَعَثَ فُلَان نَاقَته فَانْبَعَثَتْ , إِذَا أَثَارَهَا فَثَارَتْ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود : " مَنْ أَهَبَّنَا مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا " . وَفِي قَوْله : { هَذَا } وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنْ تَكُون إِشَارَة إِلَى " مَا " , وَيَكُون ذَلِكَ كَلَامًا مُبْتَدَأ بَعْد تَنَاهِي الْخَبَر الْأَوَّل بِقَوْلِهِ : { مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } فَتَكُون " مَا " حِينَئِذٍ مَرْفُوعَة بِهَذَا , وَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : هَذَا وَعْد الرَّحْمَن وَصِدْق الْمُرْسَلُونَ . وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ تَكُون مِنْ صِفَة الْمَرْقَد , وَتَكُون خَفْضًا وَرَدًّا عَلَى الْمَرْقَد , وَعِنْد تَمَام الْخَبَر عَنْ الْأَوَّل , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا , ثُمَّ يَبْتَدِئ الْكَلَام فَيُقَال : مَا وَعَدَ الرَّحْمَن , بِمَعْنَى : بَعَثَكُمْ وَعْد الرَّحْمَن , فَتَكُون " مَا " حِينَئِذٍ رَفْعًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِي يَقُول حِينَئِذٍ : هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن , فَقَالَ بَعْضهمْ : يَقُول ذَلِكَ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22346 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن } مِمَّا سَرَّ الْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ هَذَا حِين الْبَعْث 22347 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } قَالَ : قَالَ أَهْل الْهُدَى : هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الَمُرْسَلُونَ وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كِلَا الْقَوْلَيْنِ , أَعْنِي { يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } مِنْ قَوْل الْكُفَّار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22348 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { يَا وَيْلنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } ثُمَّ قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } كَانُوا أَخْبَرُونَا أَنَّا نُبْعَث بَعْد الْمَوْت , وَنُحَاسَب وَنُجَازَى وَالْقَوْل الْأَوَّل أَشْبَه بِظَاهِرِ التَّنْزِيل , وَهُوَ أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام الْمُؤْمِنِينَ , لِأَنَّ الْكُفَّار فِي قِيلهمْ : { مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا } دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا بِمَنْ بَعَثَهُمْ مِنْ مَرْقَدهمْ جُهَّالًا , وَلِذَلِكَ مِنْ جَهْلهمْ اِسْتَثْبَتُوا , وَمُحَال أَنْ يَكُونُوا اِسْتَثْبَتُوا ذَلِكَ إِلَّا مِنْ غَيْرهمْ , مِمَّنْ خَالَفَتْ صِفَته صِفَتهمْ فِي ذَلِكَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ونفخ في الصور} هذه النفخة الثانية للنشأة. وقد بينا في سورة (النمل) أنهما نفختان لا ثلاث. وهذه الآية دالة على ذلك. وروى المبارك بن فضالة عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بين النفختين أربعون سنة : الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله بها كل ميت). وقال قتادة : الصور جمع صورة؛ أي نفخ في الصور والأرواح. وصورة وصور مثل سورة البناء وسور؛ قال العجاج : ورب ذي سرادق محجور ** سرتُ إليه في أعالي السور وقد روي عن أبي هريرة أنه قرأ: { ونفخ في الصور} . النحاس : والصحيح أن { الصور} بإسكان الواو : القرن؛ جاء بذلك التوقيف عن رسول الله، وذلك معروف في كلام العرب. أنشد أهل اللغة : نحن نطحناهم غداة الغورين ** بالضابحات في غبار النقعين نطحا شديدا لا كنطح الصورين وقد مضى هذا في { الأنعام} مستوفى. { فإذا هم من الأجداث} أي القبور. وقرئ بالفاء { من الأجداف} ذكره الزمخشري. يقال : جدث وجدف. واللغة الفصيحة الجدث (بالثاء) والجمع أجدث وأجداث؛ قال المتنخل الهذلي : عرفت بأجدث فنعاف عرق ** علامات كتحبير النماط واجتدث : أي اتخذ جدثا. { إلى ربهم ينسلون} أي يخرجون؛ قال ابن عباس وقتادة ومنه قول امرئ القيس : فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي ومنه قيل للولد نسل؛ لأنه يخرج من بطن أمه. وقيل : يسرعون. والنسلان والعسلان : الإسراع في السير، ومنه مشية الذئب؛ قال : عسلان الذئب أمسى قاربا ** برد الليل عليه فنسل يقال : عسل الذئب ونسل، يعسل وينسل، من باب ضرب يضرب. ويقال : ينسل بالضم أيضا. وهو الإسراع في المشي؛ فالمعنى يخرجون مسرعين. وفي التنزيل: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة { لقمان : 28]، وقال { يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر} [القمر : 7]، وفي { سأل سائل} [المعارج : 1] { يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون} [المعارج : 43] أي يسرعون. وفي الخبر : شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الضعف فقال : (عليكم بالنسل) أي بالإسراع في المشي فإنه ينشط. قوله تعالى: { قالوا ياويلنا} قال ابن الأنباري { يا ويلنا} وقف حسن ثم تبتدئ { من بعثنا} وروي عن بعض القراء { يا ويلنا مِن بعثِنا} بكسر من والثاء من البعث. روي ذلك عن علي رضي الله عنه؛ فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على قوله: { يا ويلنا} حتى يقول: { من مرقدنا} . وفي قراءة أبي بن كعب { من هبّنا} بالوصل { من مرقدنا} فهذا دليل على صحة مذهب العامة. قال المهدوي : قرأ ابن أبي ليلى: { قالوا يا ويلتنا} بزيادة تاء وهو تأنيث الوصل، ومثله: { يا ويلتا أألد وأنا عجوز} [هود : 72]. وقرأ علي رضي الله عنه { يا ويلتا من بعثنا} فـ { من} متعلقة بالويل أو حال من { ويلتا} فتتعلق بمحذوف؛ كأنه قال : يا ويلتا كائنا من بعثنا؛ وكما يجوز أن يكون خبرا عنه كذلك يجوز أن يكون حالا منه. و { من} من قوله: { من مرقدنا} متعلقة بنفس البعث. ثم قيل : كيف قالوا هذا وهم من المعذبين في قبورهم؟ فالجواب أن أبي بن كعب قال : ينامون نومة. وفي رواية فيقولون : يا ويلتا من أهبنا من مرقدنا. قال أبو بكر الأنباري : لا يحمل هذا الحديث على أن { أهبنا} من لفظ القرآن كما قال من طعن في القرآن، ولكنه تفسير { بعثنا} أو معبر عن بعض معانيه. قال أبو بكر : وكذا حفظته { من هبنا} بغير ألف في أهبنا مع تسكين نون من. والصواب فيه على طريق اللغة { من أهبنا} بفتح النون على أن فتحة همزة أهب ألقيت على نون { من} وأسقطت الهمزة؛ كما قالت العرب : من أخبرك من أعلمك؟ وهم يريدون من أخبرك. ويقال : أهببت النائم فهب النائم. أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي : وعاذلة هبت بليل تلومني ** ولم يعتمرني قبل ذاك عذول وقال أبو صالح : إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة؛ فذلك قولهم: { من بعثنا من مرقدنا} وقال ابن عباس وقتادة. وقال أهل المعاني : إن الكفار إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب صار ما عذبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم. قال مجاهد : فقال لهم المؤمنون: { هذا ما وعد الرحمن} . قال قتادة : فقال لهم من هدى الله { هذا ما وعد الرحمن} . وقال الفراء : فقالت لهم الملائكة: { هذا ما وعد الرحمن} . النحاس : وهذه الأقوال متفقة؛ لأن الملائكة من المؤمنين وممن هدى الله عز وجل. وعلى هذا يتأول قول الله عز وجل: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} [البينة : 7] وكذا الحديث : (المؤمن عند الله خير من كل ما خلق). ويجوز أن تكون الملائكة وغيرهم من المؤمنين قالوا لهم: { هذا ما وعد الرحمن} . وقيل : إن الكفار لما قال بعضهم لبعض: { من بعثنا من مرقدنا} صدقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به، ثم قالوا: { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} فكذبنا به؛ أقروا حين لم ينفعهم الإقرار. وكان حفص يقف على { من مرقدنا} ثم يبتدئ فيقول: { هذا} . قال أبو بكر بن الأنباري: { من بعثنا من مرقدنا} وقف حسن؛ ثم تبتدئ { هذا ما وعد الرحمن} ويجوز أن تقف على { مرقدنا هذا} فتخفض هذا على الإتباع للمرقد، وتبتدئ { ما وعد الرحمن} على معنى بعثكم ما وعد الرحمن؛ أي بعثكم وعد الرحمن. النحاس : التمام على { من مرقدنا} و { هذا} في موضع رفع بالابتداء وخبره { ما وعد الرحمن} . ويجوز أن يكون في موضع خفض على النعت لـ { مرقدنا} فيكون التمام { من مرقدنا هذا} . { ما وعد الرحمن} في موضع رفع من ثلاث جهات. ذكر أبو إسحاق منها اثنتين قال : يكون بإضمار هذا. والجهة الثانية أن يكون بمعنى حق ما وعد الرحمن بعثكم. والجهة الثالثة أن يكون بمعنى ما وعد الرحمن. { إن كانت إلا صيحة واحدة} يعني إن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة واحدة وهي قول إسرافيل : أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة والشعور المتمزقة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وهذا معنى قول الحق: { يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج. { ق : 42]. وقال: { مهطعين إلى الداعي} [القمر : 8] على ما يأتي. وفي قراءة ابن مسعود إن صح عنه { إن كانت إلا زقية واحدة} والزقية الصيحة؛ وقد تقدم هذا. { فإذا هم جميع لدينا محضرون} { فإذا هم} مبتدأ وخبره { جميع} نكرة، و { محضرون} من صفته. ومعنى { محضرون} مجموعون أحضروا موقف الحساب؛ وهو كقوله: { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر { النحل : 77]. قوله تعالى: { فاليوم لا تظلم نفس شيئا} أي لا تنقص من ثواب عمل. { ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} { ما} في محل نصب من وجهين : الأول أنه مفعول ثان لما لم يسم فاعله. والثاني بنزع حرف الصفة تقديره : إلا بما كنتم تعملون؛ أي تعملونه فحذف.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يس الايات 40 - 52


سورة يس الايات 51 - 65

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله سبحانه: { وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ } [يس: 51] أي: البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، وهذه هي نفخة البعث، وتسبقها نفخة الصَّعْق التي تُميتهم وتخمدهم، لذلك يقول سبحانه:
{  ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }
[الزمر: 68].

فإنْ قُلْتَ: النفخة واحدة، فكيف تميت الأولى وتحيي الثانية؟ نقول: النفخة في الصُّور ما هي إلا علامة فقط للحدث أمّا الفاعل على الحقيقة فهو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يميت في الأولى، ويحيي في الثانية.

ومعنى { ٱلأَجْدَاثِ } [يس: 51] القبور { إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ } [يس: 51] يعني: يُسرعون وأصل كلمة { يَنسِلُونَ } [يس: 51] من نسل الخيوط بعضها عن بعض، نقول: الثوب (ينسل) يعني: تخرج بعض الخيوط من أماكنها من اللُّحْمة أو السُّدَّة، لذلك نقول: (كفف) الخياطة يعني: امنع هذا (التنسيل) بأن تُمسك الخيوط بعضها إلى بعض، فلا تنفلت.

فإذا ما خرجوا من الأجداث ورأوا الحقيقة التي طالما كذَّبوها قالوا: { يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } [يس: 52] هم الذين يقولون ويدْعُون على أنفسهم بالويل والثبور؛ لا أحد يقول لهم: ويلكم إنما يقولونها هم لأنفسهم، وهذا بيان للحسرة على ما فاتهم.

والمعنى: يا ويلنا احضر، فهذا أوانك، لأن الأمر فوق ما نحتمل، ولا نستطيع دفعه، والإنسان حين يُفاجأ بفساد رأيه يعود على نفسه باللوم، بل قد يضربها ويعذبها.

وعجيب منهم أنْ يقولوا الآن { مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } [يس: 52] فيعترفون بأن الموت كان مجرد مَرْقَد، والمرقد لا بُدَّ بعده من يقظة. عندها يردُّ عليهم: { هَذَا } أي: ما تروْنَه من أمور القيامة { مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ } [يس: 52] ويجوز أنْ يكون اسم الإشارة { هَذَا } إشارة إلى { مَّرْقَدِنَا } في { مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا } [يس: 52].

الحق - سبحانه وتعالى - أخبر أنه جامعُ الناس ليوم لا ريب فيه، وأن مَنْ أفلت من عقوبات الدنيا وعذاب الحياة التي يعيشون فيها، فإن الله مُدَّخِر له عذاباً من نوع أشد؛ لأن الذين قاموا بالدعوة إلى الله أول الأمر واضطهِدوا وأُوذوا، منهم من مات في الاضطهاد قبل أنْ يرى انتصار الإسلام وغلبة المسلمين، وقبل أنْ يرى انتقامَ الله من أعدائه، فإذا كان الأمر كذلك فلا بُدَّ أن يُرِي الله هؤلاء المؤمنين عاقبةَ الكافرين وما نزل بهم من العذاب.

والوعد هنا رغم أنه إنذار بالشرِّ الذي ينتظرهم، إلا أنه في حقهم يُسمَّى وَعْداً لا وعيداً، لماذا؟ لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه نعمة كبرى، كما في قوله تعالى في سورة الرحمن:
{  يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }
[الرحمن: 35-36].

فجعل النار والشُّواظ من آلاء الله؛ لأنه يُخوِّفهم بها، ويحذرهم منها، ولم يفاجئهم بها وهم أصحاء، ويسمعون ويبصرون، ويقدرون على الرجوع إلى الله والتوبة إليه، فهم في وقت المهلة والتدارك.وكما تُحذِّر ولدك من الرسوب إنْ هو أهمل دروسه وتتوعده، إذن: فالوعيد هنا عَيْن النعمة؛ لذلك سُمِّي وعداً لا وعيداً.

ومعنى: { وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ } [يس: 52] أى: في البلاغ عن الله { إِن كَانَتْ } [يس: 53] أي: ما كانت النفخة { إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } [يس: 53] لا تتكرر؛ لأن الذي يُكرر الفعل البشر، ومعنى تكراره أن الفعل الأول لم يكُنْ كافياً ولم يَفِ بالغرض منه، أمَّا هنا فالفاعل الله عز جل.

{ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } [يس: 53] إذا هنا فجائية، فبمجرد الصيحة أُحْضِروا جميعاً رغماً عنهم، وبدون اختيارهم، ومُحضر اسم مفعول من أحضر. يعني: أُجبر على الحضور والمثول بين يدي الله للحساب.

وفي الآية السابقة
{  وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ }
[يس: 32] فزادتْ (كل) الدالة على شمول الأفراد، إنما قد يكون شمول الأفراد تتابعاً مجموعة تلوْ الأخرى، لكن هنا يأتون مجموعين ليرى التابع متبوعه، والضال مَنْ أَضلَّه.. الخ؛ لذلك يسمونها الفاضحة.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net