سورة
اية:

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه آتاه رشده من قبل، أي من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه كما قال تعالى: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} ، والمقصود أن اللّه تعالى أخبر أنه قد آتى إبراهيم رشده من قبل أي من قبل ذلك، وقوله: { وكنا به عالمين} أي وكان أهلاً لذلك، ثم قال: { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون اللّه عزّ وجلّ، فقال { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} : أي معتكفون على عبادتها، قال ابن أبي حاتم: مرَّ علي رضي اللّه عنه على قوم يلعبون الشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمراً حتى يطفأ خير له من أن يمسها، { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال، ولهذا قال: { لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} أي الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم، فلما سفه أحلامهم وضلل آباءهم واحتقر آلهتهم { قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين} ؟ يقولون: هذا الكلام الصادر عنك تقوله لاعباً أو محقاً فيه فإنا لم نسمع به قبلك، { قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن} أي ربكم الذي لا إله غيره وهو الذي خلق السماوات والأرض وما حوت من المخلوقات، الذي ابتدأ خلقهن وهو الخالق لجميع الأشياء { وأنا على ذلكم من الشاهدين} أي وأنا أشهد أنه لا إله غيره ولا رب سواه.

تفسير الجلالين

{ إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل } الأصنام { التي أنتم لها عاكفون } أي على عبادتها مقيمون .

تفسير الطبري

{ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمه } يَعْنِي فِي وَقْت قِيله وَحِين قِيله لَهُمْ : { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيل الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } يَقُول : قَالَ لَهُمْ : أَيّ شَيْء هَذِهِ الصُّوَر الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا مُقِيمُونَ ؟ وَكَانَتْ تِلْكَ التَّمَاثِيل أَصْنَامهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا ; كَمَا : 18591 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيل الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } قَالَ : الْأَصْنَام . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا أَنَّ الْعَاكِف عَلَى الشَّيْء الْمُقِيم عَلَيْهِ بِشَوَاهِد ذَلِكَ , وَذَكَرْنَا الرِّوَايَة عَنْ أَهْل التَّأْوِيل . { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمه } يَعْنِي فِي وَقْت قِيله وَحِين قِيله لَهُمْ : { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيل الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } يَقُول : قَالَ لَهُمْ : أَيّ شَيْء هَذِهِ الصُّوَر الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا مُقِيمُونَ ؟ وَكَانَتْ تِلْكَ التَّمَاثِيل أَصْنَامهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا ; كَمَا : 18591 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيل الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } قَالَ : الْأَصْنَام . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا أَنَّ الْعَاكِف عَلَى الشَّيْء الْمُقِيم عَلَيْهِ بِشَوَاهِد ذَلِكَ , وَذَكَرْنَا الرِّوَايَة عَنْ أَهْل التَّأْوِيل .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إذ قال لأبيه وقومه} قيل : المعنى أي اذكر حين قال لأبيه؛ فيكون الكلام قد تم عند قوله { وكنا به عالمين} . وقيل : المعنى؛ { وكنا به عالمين إذ قال} فيكون الكلام متصلا ولا يوقف على قوله { عالمين} . { لأبيه} وهو آزر { وقومه} نمرود ومن اتبعه. { ما هذه التماثيل} أي الأصنام. والتمثال اسم موضوع للشيء المصنوع مشبها بخلق من بخلق الله تعالى. يقال : مثلت الشيء بالشيء أي شبهته به. واسم ذلك الممثل تمثال. { التي أنتم لها عاكفون} أي مقيمون على عبادتها. { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} أي نعبدها تقليدا لأسلافنا. { قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} أي في خسران بعبادتها؛ إذ هي جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تعلم. { قالوا أجئتنا بالحق} أي أجاءٍ أنت بحق فيما تقول؟ { أم أنت من اللاعبين} أي لاعب مازح. { قال بل ربكم رب السماوات والأرض} أي لست بلاعب، بل ربكم والقائم بتدبيركم خالق السموات والأرض. { الذي فطرهن} أي خلقهن وأبدعهن. { وأنا على ذلكم من الشاهدين} أي على أنه رب السموات والأرض. والشاهد يبين الحكم، ومنه { شهد الله} [آل عمران : 18] بين الله؛ فالمعنى : وأنا أبين بالدليل ما أقول.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 48 - 54


سورة الأنبياء الايات 51 - 72

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: اذكر يا محمد، إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه { مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ... } [الأنبياء: 52].

والتماثيل: جمع تمثال، وهو مأخوذ من مِثْل أو مَثَل، ومِثْل الشيء يعني: شبيهه ونظيره، وكانوا يعمدون إلى الأشياء التي لها جِرْم ويُصورِّونها على صورة أشياء مخلوقة لله تعالى، كصورة الإنسان أو الحيوان، من الحجر أو الحديد أو الخشب أو غيرها ويُسمُّونه تمثالاً، ويُقيمونه ليعبدوه.

وكانوا يبالغون في ذلك: فهذا من الحجر، وهذا من المرمر، وهذا صغير، وهذا كبير، وقد يضعون في عينيه خرزتين ليظهر للرائي أن له نظراً، وهي ألوان من التفنن في هذه الصناعة.

فإبراهيم - عليه السلام - يقول مستنكراً لأبيه وقومه { مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } [الأنبياء: 52].

فالاستفهام هنا على غير حقيقته، بل هو استفهام إنكاري يحمل لهجة الاستهزاء والسخرية والتقريع، ولا بد أنه ألقى عليهم هذا السؤال بشكل أدائي يُوحي بالتقريع.

وسبق أنْ تحدّثنا في معنى (أبيه) هنا وقلنا: المراد عَمُّه، بدليل قوله في موضع آخر:
{  لأَبِيهِ آزَرَ... }
[الأنعام: 74] فقد بدأ المسألة بأبيه أو عمه، وهو أقرَبُ الناس إليه، يريد أن يطمئنَ الناسُ إلى ما يدعو إليه، وأنه خير، وإلا ما بدأ بأبيه.

وأيضاً لأن القوم قد لا يكونُ لهم في نفسه تأثير هَيْبة أو حُبٍّ إنما الهيبة والحب موجود بالنسبة لأبيه أو لعمه، ومع ذلك لم تمنعه هذه الهيبة أنْ يُسقِّه كلامهم وأفعالهم الباطلة، كما جاء في قول الله تعالى:
{  قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ }
[التوبة: 24].

وقد وقف المفسرون عند اللام في قوله تعالى: { لَهَا عَاكِفُونَ } [الأنبياء: 52] مع أن المعنى: يعكفون على عبادتها، كما جاء في آية أخرى:
{  فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ... }
[الأعراف: 138] وهنا جاءت باللام؛ لذلك قال بعضهم: اللام هنا بمعنى على، فلماذا عدَل عن علي إلى اللام؟

ولو تنبَّهنا لمعطيات الألفاظ { لَهَا عَاكِفُونَ } [الأنبياء: 52] نقول: الاعتكاف: هو الإقامة. فلان عاكف في المسجد يعني: على الإقامة في المسجد، فكلمة عاكفون وحدها تعطي معنى (على) أي: لصالح هذه الآلهة. أمّا اللام فلشيء آخر، اللام هنا لام الملكية والنفعية. وذكروا لها مثالاً آخر في قوله تعالى:
{  يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ... }
[الأنبياء: 104].

السِّجل هو: القرطاس والورق الذي نكتب فيه، ومنه قولهم: نُسجِّل كذا يعني: نكتبه في السِّجل أو الورق لتحفظ، ومعنى
{  لِلْكُتُبِ... }
[الأنبياء: 104] يعني: الشيء المكتوب، فكأن المعنى: نطوي الورق على ما كُتِب فيه.

ثم يقول الحق سبحانه: { قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا... }.


www.alro7.net