سورة
اية:

يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد، القائلين استفهام إنكار منهم لذلك: { أئذا كنا عظاما ورفاتا} أي تراباً، { أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} أي يوم القيامة بعد ما بلينا وصرنا عدماً لا نذكر، كما أخبر عنهم في الموضع الآخر: { يقولون إئنا لمردودون في الحافرة . أئذا كنا عظاما نخرة . قالوا تلك إذا كرة خاسرة} ، وقوله تعالى: { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه} الآية، فأمر اللّه سبحانه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يجيبهم، فقال: { قل كونوا حجارة أو حديدا} إذ هما أشد امتناعا من العظام والرفات، { أو خلقا مما يكبر في صدوركم} ، عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك فقال: هو الموت، وعن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية لو كنتم موتى لأحييتكم وكذلك قال سعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحّاك وغيرهم ، ومعنى ذلك أنكم لو فرضتم أنكم لو صرتم إلى الموت الذي هو ضد الحياة لأحياكم اللّه إذا شاء فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده. وقال مجاهد { أو خلقا مما يكبر في صدوركم} يعني السماء والأرض والجبال، وفي رواية: ما شئتم فكونوا فسيعيدكم اللّه بعد موتكم، وقوله تعالى: { فسيقولون من يعيدنا} أي من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديداً أو خلقاً آخر شديداً { قل الذي فطركم أول مرة} أي الذي خلقكم ولم تكونوا شيئاً مذكوراً، ثم صرتم بشراً تنتشرون، فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال: { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} الآية، وقوله تعالى: { فسينغضون إليك رءوسهم} . قال ابن عباس وقتادة: يحركونها استهزاءً، والإنغاض هو التحرك من أسفل إلى أعلى، أو من أعلى إلى أسفل، يقال نغضت سنه: إذا تحركت وارتفعت من منبتها. وقال الراجز: ونغضت من هرم أسنانها. وقوله: { ويقولون متى هو} إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك كما قال تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} ، وقال تعالى: { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} ، وقوله: { قل عسى أن يكون قريبا} أي احذروا ذلك فإنه قريب إليكم سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت قريب، وقوله تعالى: { يوم يدعوكم} أي الرب تبارك وتعالى، { إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} أي إذا أمركم بالخروج منها فإنه لا يخالف ولا يمانع، بل كما قال تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} ، { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كُنْ فيكون} ، وقوله: { فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة} أي إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى: { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} أي تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته، قال ابن عباس { فتستجيبون بحمده} أي بأمره، وقال قتادة: بمعرفته وطاعته، وقال بعضهم { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} أي وله الحمد في كل حال، وقد جاء في الحديث: (ليس على أهل لا إله إلا اللّه وحشة في قبورهم، كأني بأهل لا إله إلا اللّه يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم يقولون لا إله إلا اللّه) وفي رواية يقولون: (الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن) ""الرواية الثانية: أخرجها الطبراني عن ابن عمر""، وقوله تعالى { وتظنون} أي يوم تقومون من قبوركم، { إن لبثتم} أي في الدار الدنيا، { إلا قليلا} كقوله تعالى: { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} . وقال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما} ، وقال تعالى: { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} .

تفسير الجلالين

{ يوم يدعوكم } يناديكم من القبور على لسان إسرافيل { فتستجيبون } فتجيبون دعوته من القبور { بحمده } بأمره وقيل وله الحمد { وتظنون إن } ما { لبثتم } في الدنيا { إلا قليلا } لهول ما ترون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ عَسَى أَنْ يَكُون بَعْثكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ قَرِيبًا , ذَلِكَ يَوْم يَدْعُوكُمْ رَبّكُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ قُبُوركُمْ إِلَى مَوْقِف الْقِيَامَة , فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : فَتَسْتَجِيبُونَ بِأَمْرِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16881 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنْي عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يَوْم يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } يَقُول : بِأَمْرِهِ . 16882 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } قَالَ : بِأَمْرِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَتَسْتَجِيبُونَ بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَته . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16883 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَوْم يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } : أَيْ بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَته . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : مَعْنَاهُ : فَتَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ مِنْ قُبُوركُمْ بِقُدْرَتِهِ , وَدُعَائِهِ إِيَّاكُمْ . وَلِلَّهِ الْحَمْد فِي كُلّ حَال , كَمَا يَقُول الْقَائِل : فَعَلْت ذَلِكَ الْفِعْل بِحَمْدِ اللَّه , يَعْنِي : لِلَّهِ الْحَمْد عَنْ كُلّ مَا فَعَلْته , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّه لَا ثَوْب فَاجِر لَبِسْت وَلَا مِنْ غُدْرَة أَتَقَنَّع بِمَعْنَى : فَإِنِّي وَالْحَمْد لِلَّهِ لَا ثَوْب فَاجِر لَبِسْت . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ عَسَى أَنْ يَكُون بَعْثكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ قَرِيبًا , ذَلِكَ يَوْم يَدْعُوكُمْ رَبّكُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ قُبُوركُمْ إِلَى مَوْقِف الْقِيَامَة , فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : فَتَسْتَجِيبُونَ بِأَمْرِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16881 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنْي عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يَوْم يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } يَقُول : بِأَمْرِهِ . 16882 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } قَالَ : بِأَمْرِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَتَسْتَجِيبُونَ بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَته . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16883 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَوْم يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } : أَيْ بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَته . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : مَعْنَاهُ : فَتَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ مِنْ قُبُوركُمْ بِقُدْرَتِهِ , وَدُعَائِهِ إِيَّاكُمْ . وَلِلَّهِ الْحَمْد فِي كُلّ حَال , كَمَا يَقُول الْقَائِل : فَعَلْت ذَلِكَ الْفِعْل بِحَمْدِ اللَّه , يَعْنِي : لِلَّهِ الْحَمْد عَنْ كُلّ مَا فَعَلْته , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّه لَا ثَوْب فَاجِر لَبِسْت وَلَا مِنْ غُدْرَة أَتَقَنَّع بِمَعْنَى : فَإِنِّي وَالْحَمْد لِلَّهِ لَا ثَوْب فَاجِر لَبِسْت .' وَقَوْله : { وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا } يَقُول : وَتَحْسَبُونَ عِنْد مُوَافَاتكُمْ الْقِيَامَة مِنْ هَوْل مَا تُعَايِنُونَ فِيهَا مَا لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْض إِلَّا قَلِيلًا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْض عَدَد سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ } وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16884 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا } : أَيْ فِي الدُّنْيَا , تَحَاقَرَتْ الدُّنْيَا فِي أَنْفُسهمْ وَقُلْت , حِين عَايَنُوا يَوْم الْقِيَامَة . وَقَوْله : { وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا } يَقُول : وَتَحْسَبُونَ عِنْد مُوَافَاتكُمْ الْقِيَامَة مِنْ هَوْل مَا تُعَايِنُونَ فِيهَا مَا لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْض إِلَّا قَلِيلًا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْض عَدَد سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ } وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16884 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا } : أَيْ فِي الدُّنْيَا , تَحَاقَرَتْ الدُّنْيَا فِي أَنْفُسهمْ وَقُلْت , حِين عَايَنُوا يَوْم الْقِيَامَة . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { يوم يدعوكم} الدعاء : النداء إلى المحشر بكلام تسمعه الخلائق، يدعوهم الله تعالى فيه بالخروج. وقيل : بالصيحة التي يسمعونها؛ فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض القيامة. قال صلى الله عليه وسلم : (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم). { فتستجيبون بحمده} أي باستحقاقه الحمد على الإحياء. وقال أبو سهل : أي والحمد لله؛ كما قال : فإني بحمد الله لا ثوب فاجر ** لبست، ولا من غدرة أتقنع وقيل : حامدين لله تعالى بألسنتكم. قال سعيد بن جبير : تخرج الكفار من قبورهم وهم يقولون سبحانك وبحمدك؛ ولكن لا ينفعهم اعتراف ذلك اليوم. وقال ابن عباس { بحمده} بأمره؛ أي تقرون بأنه خالقكم. وقال قتادة : بمعرفته وطاعته. وقيل : المعنى بقدرته. وقيل : بدعائه إياكم. قال علماؤنا : وهو الصحيح؛ فإن النفخ في الصور إنما هو سبب لخروج أهل القبور؛ بالحقيقة إنما هو خروج الخلق بدعوة الحق، قال الله تعالى { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} فيقومون يقولون سبحانك اللهم وبحمدك. قال : فيوم القيامة يوم يبدأ بالحمد ويختم به؛ قال الله تعالى { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} وقال في آخر { وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} [الزمر : 75]. { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} يعني بين النفختين؛ وذلك أن العذاب يكف عن المعذبين بين النفختين، وذلك أربعون عاما فينامون؛ فذلك قوله تعالى { من بعثنا من مرقدنا} [يس : 52] فيكون خاصا للكفار. وقال مجاهد : للكافرين هجعة قبل يوم القيامة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور قاموا مذعورين. وقال قتادة : المعنى أن الدنيا تحاقرت في أعينهم وقلت حين رأوا يوم القيامة. الحسن { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} في الدنيا لطول لبثكم في الآخرة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الاسراء الايات 49 - 55

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا في يوم القيامة، حيث لا يستطيع أحدٌ الخروجَ عن مُرادات الحق سبحانه بعد أن كان يستطيع الخروج عنها في الدنيا؛ لأن الخالق سبحانه حين خلق الخَلْق جعل للإرادة الإنسانية سلطاناً على الجوارح في الأمور الاختيارية، فهو مُخْتَار يفعل ما يشاء، ويقول ما يشاء، ويترك ما يشاء، فإرادته أمير على جوارحه، أما الأمور القهرية فلا دَخْل للإرادة بها.

فإذا جاء اليوم الآخر انحلَّتْ الإرادة عن الجوارح، ولم يَعُدْ لها سلطان عليها، بدليل أن الجوارح سوف تشهد على صاحبها يوم القيامة:
{  وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.. }
[فصلت: 21]

لقد كانت لكم وَلاَية علينا في دُنْيا الأسباب، أما الآن فنحن جميعاً مرتبطون بالمسبِّب سبحانه، فلا ولاية لكم علينا الآن؛ لذلك يقول الحق تبارك وتعالى عن يوم القيامة:
{  لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }
[غافر: 16]

ففي الدنيا ملَّك الناس، وجعل مصالح أُناسٍ في أيدي آخرين، أما في الآخرة، فالأمر كله والملْك كله لله وحده لا شريك له.

فقوله تعالى: { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ.. } [الإسراء: 52] أي: يقول لكم اخرجوا من القبور للبعث بالنفخة الثانية في الصُّور { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ.. } [الإسراء: 52] أي: تقومون في طاعة واستكانة، لا قوْمةَ مُسْتنكف أو مُتقاعس أو مُتغطرس، فكلّ هذا انتهى وقته في الدنيا، ونحن الآن في الآخرة.

ونلاحظ أن الحق سبحانه قال: { فَتَسْتَجِيبُونَ.. } [الإسراء: 52] ولم يقل: فتُجيبون؛ لأن استجاب أبلغُ في الطاعة والانصياع، كما نقول: فهم واستفهم أي: طلب الفَهْم، وكذلك { فَتَسْتَجِيبُونَ } أي: تطلبون أنتم الجواب، وتُلحُّون عليه لا تتقاعسون فيه، ولا تتأبَّوْن عليه، فتُسرعون في القيام.

ليس هذا وفقط، بل: { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ.. } [الإسراء: 52] أي: تُسرعون في القيام حامدين الله شاكرين له، ولكن كيف والحمد لا يكون إلا على شيء محبوب؟

نعم، إنهم يحمدون الله تعالى؛ لأنهم عاينوا هذا اليوم الذي طالما ذكَّرهم به، ودعاهم إلى الإيمان به، والعمل من أجله، وطالما ألحَّ عليهم ودعاهم، ومع ذلك كله جحدوا وكذَّبوا، وها هم اليوم يَروْنَ ما كذَّبوه وتتكشّف لهم الحقيقة التي أنكروها، فيقومون حامدين لله الذي نبَّههم ولم يُقصِّر في نصيحتهم. كما أنك تنصح ولدك بالمذاكرة والاجتهاد، ثم يخفق في الامتحان فيأتيك معتذراً: لقد نصحتني ولكني لم أستجبْ.

إذن: فبيانُ الحق سبحانه لأمور الآخرة من النِّعَم التي لا يعترف بها الكفار في الدنيا، ولكنهم سيعترفون بها في الآخرة، ويعرفون أنها من أعظم نِعَم الله عليهم، ولكن بعد فوات الأوان.

لذلك اعترض المستشرقون على قوله تعالى في سورة (الرحمن):
{  فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }
[الرحمن: 34] بعد قوله تعالى:
{  يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ }
[الرحمن: 34] فالآية في نظرهم تتحدث عن نِقْمة وعذاب، فكيف يناسبها:
{  فَبِأَيِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }
[الرحمن: 35]

والمتأمّل في الآية يجدها منسجمة كل الانسجام؛ لأن من النعمة أن نُنبِّهك بالعِظَة للأمر الذي ينتظرك والعذاب الذي أُعِدَّ لك حتى لا تقعَ في أسبابه، فالذي يعلم حقيقة العذاب على الفِعْل لا يقترفه.

ثم يقول تعالى: { وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء: 52]

الظن: خبر راجح؛ لأنهم مذبذبون في قضية البعث لا يقين عندهم بها.

{ إِن لَّبِثْتُمْ } أي: أقمتُم في الدنيا، أو في قبوركم؛ لأن الدنيا متاع قليل، وما دامتْ انتهت فلن يبقى منها شيء. وكذلك في القبور؛ لأن الميت في قبره شِبْه النائم لا يدرك كم لَبِثَ في نومه، ولا يتصوّر إلا النوم العادي الذي تعوّده الناس.

ولذلك كل مَنْ سُئِل في هذه المسألة: كم لبثتم؟ قالوا: يوماً أو بعض يوم، فهذا هو المعتاد المتعارف عليه بين الناس، ذلك لأن الشعور بالزمن فرع مراقبة الأحداث، والنوم والموت لا أحداثَ فيها، فكيف ـ إذن ـ سنراقب الأحداث والملَكة الواعية مفقودة؟

وقد قال تعالى في آية أخرى:
{  كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا }
[النازعات: 46]

وقال:
{  قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ }
[المؤمنون: 112-113]

أي: لم يكُنْ لدينا وَعْيٌ لنعُدّ الأيام، فاسأل العَادّين الذين يستطيعون العدَّ.

وفي قصة العزيز الذي أماته الله مائة عام، ثم بعثه:
{  قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.. }
[البقرة: 259] على مُقْتضى العادة التي أَلفَها في نومه، فيُوضِّح له ربه:
{  بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ }
[البقرة: 259]

فالمدّة في نظر العزيز كانت يوماً أو بعض يوم، والحق سبحانه أخبر أنها مائة عام، فالبَوْنُ شاسع بينهما، ومع ذلك فالقوْلاَن صادقان. والحق سبحانه أعطانا الدليل على ذلك، فقد بعث العُزَيز من موته، فوجد حماره عظاماً بالية يصدُق عليها القول بمائة عام، ونظر إلى طعامه وشرابه فوجده كما هو لم يتغير، وكأنّ العهدَ به يوم أو بعض يوم، ولو مَرّ على الطعام مائة عام لتغيَّر بل لتحلَّل ولم يَبْقَ له أثر.

وكأن الخالق سبحانه قبض الزمن وبَسَطه في وقت واحد، وهو سبحانه القابض الباسط، إذن: قَوْلُ الحق سبحانه مائة عام صِدْق، وقول العُزَيز { يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } صِدْق أيضاً، ولا يجمع الضِّدَّيْن إلا خالق الأضداد سبحانه وتعالى.

وبعد أن تكلم القرآن عن موقف الكفار من الألوهية، وموقفهم من النبوة وتكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن موقفهم من منهج الله وكفرهم بالبعث والقيامة، أراد سبحانه أنْ يُعطينا الدروس التي تُربِّب منهج الله في الأرض، فقال تعالى: { وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ }.


www.alro7.net