سورة
اية:

ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى إخباراً عن الملك بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأيقنه، فعرف فضل يوسف عليه السلام وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه فقال: { ائتوني به} أي أخرجوه من السجن وأحضروه، فلما جاءه الرسول امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن كان ظلماً وعدواناً، فقال: { ارجع إلى ربك} الآية، وقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره، ففي المسند والصحيحين عنه صلى اللّه عليه وسلم: (نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: { رب أرني كيف تحيي الموتى} ، ويرحم اللّه لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) ""أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة"". وفي لفظ لأحمد عنه صلى اللّه عليه وسلم في قوله: { فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لو كنت أنا لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر)، وعن عكرمة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، واللّه يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه واللّه يغفر له، حين أتاه الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر) ""رواه عبد الرزاق عن عكرمة وهو حديث مرسل"". وقوله تعالى: { قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه} إخبار عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز، فقال مخاطباً لهن كلهن وهو يريد امرأة وزيره وهو العزيز، قال الملك: { ما خطبكن} أي ما شأنكن وخبركن { إذ راودتن يوسف عن نفسه} يعني يوم الضيافة { قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء} أي قالت النسوة جواباً للملك: حاش للّه أن يكون يوسف متهماً واللّه ما علمنا عليه من سوء، فعند ذلك { قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق} ، قال ابن عباس: الآن تبين الحق وظهر وبرز، { أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} أي في قوله { هي روادتني عن نفسي} ، { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة { وأن اللّه لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي} ، تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى، ولهذا راودته { إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} أي إلا من عصمه اللّه تعالى { إن ربي غفور رحيم} ، وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام ""حكاه الماوردي في تفسيره وانتدب لنصره الإمام ابن تيمية رحمه اللّه فأفرده بتصنيف على حده""، وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف عليه السلام يقول: { ذلك ليعلم أني لم أخنه} في زوجته { بالغيب} الآيتين، أي إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي، وليعلم العزيز { أني لم أخنه} في زوجته، { بالغيب وأن اللّه لا يهدي كيد الخائنين} الآية، وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه. قال ابن جرير، عن ابن عباس: لما جمع الملك النسوة فسألهن هل راودتن يوسف عن نفسه؟ { قلن حاش للّه ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق} الآية، قال يوسف: { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} فقال له جبريل عليه السلام: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: { وما أبرئ نفسي} الآية، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والسدي، والقول الأول أقوى وأظهر، لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم بل بعد ذلك أحضره الملك.

تفسير الجلالين

{ ذلك } أي طلب البراءة { ليعلم } العزيز { أني لم أخنه } في أهله { بالغيب } حال { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } ثم تواضع لله فقال.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّه لَا يَهْدِي كَيْد الْخَائِنِينَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } هَذَا الْفِعْل الَّذِي فَعَلْته مِنْ رَدِّي رَسُول الْمَلِك إِلَيْهِ , وَتَرْكِي إِجَابَته وَالْخُرُوج إِلَيْهِ , وَمَسْأَلَتِي إِيَّاهُ أَنْ يَسْأَل النِّسْوَة اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ , عَنْ شَأْنِهِنَّ إِذْ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ , إِنَّمَا فَعَلْته لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ فِي زَوْجَته بِالْغَيْبِ : يَقُول : لَمْ أَرْكَب مِنْهَا فَاحِشَة فِي حَال غَيْبَتِهِ عَنِّي . وَإِذَا لَمْ يَرْكَب ذَلِكَ بِمَغِيبِهِ , فَهُوَ فِي حَال مَشْهَده إِيَّاهُ أَحْرَى أَنْ يَكُون بَعِيدًا عَنْ رُكُوبه . كَمَا : 14846 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : يَقُول يُوسُف : { ذَلِكَ لِيَعْلَم } إِطْفِير سَيِّده , { أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } أَنِّي لَمْ أَكُنْ لِأُخَالِفَهُ إِلَى أَهْله مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمهُ 14847 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } يُوسُف يَقُولهُ - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } يُوسُف يَقُولهُ : لَمْ أَخُنْ سَيِّدِي - قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ يُوسُف يَقُولهُ 14848 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ : هَذَا قَوْل يُوسُف 14849 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ أَبِي صَالِح , فِي قَوْله : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } هُوَ يُوسُف يَقُول : لَمْ أَخُنْ الْمَلِك بِالْغَيْبِ وَقَوْله : { وَأَنَّ اللَّه لَا يَهْدِي كَيْد الْخَائِنِينَ } يَقُول : فَعَلْت ذَلِكَ لِيَعْلَم سَيِّدِي أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ , وَأَنَّ اللَّه لَا يَهْدِي كَيْد الْخَائِنِينَ : يَقُول : وَأَنَّ اللَّه لَا يُسَدِّد صَنِيع مَنْ خَانَ الْأَمَانَات , وَلَا يُرْشِد فِعَالهمْ فِي خِيَانَتِهِمُوهَا . وَاتَّصَلَ قَوْله : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } بِقَوْلِ امْرَأَة الْعَزِيز : { أَنَا رَاوَدْته عَنْ نَفْسه وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ لِمَعْنَاهُ , كَاتِّصَالِ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } بِقَوْلِ الْمَرْأَة : { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلهَا أَذِلَّة } , وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله : { وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } خَبَر مُبْتَدَإٍ , وَكَذَلِكَ قَوْل فِرْعَوْن لِأَصْحَابِهِ فِي سُورَة الْأَعْرَاف : { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } وَهُوَ مُتَّصِل بِقَوْلِ الْمَلَأِ : { يُرِيد أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضكُمْ } . وَاَللَّه أَعْلَم . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّه لَا يَهْدِي كَيْد الْخَائِنِينَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } هَذَا الْفِعْل الَّذِي فَعَلْته مِنْ رَدِّي رَسُول الْمَلِك إِلَيْهِ , وَتَرْكِي إِجَابَته وَالْخُرُوج إِلَيْهِ , وَمَسْأَلَتِي إِيَّاهُ أَنْ يَسْأَل النِّسْوَة اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ , عَنْ شَأْنِهِنَّ إِذْ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ , إِنَّمَا فَعَلْته لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ فِي زَوْجَته بِالْغَيْبِ : يَقُول : لَمْ أَرْكَب مِنْهَا فَاحِشَة فِي حَال غَيْبَتِهِ عَنِّي . وَإِذَا لَمْ يَرْكَب ذَلِكَ بِمَغِيبِهِ , فَهُوَ فِي حَال مَشْهَده إِيَّاهُ أَحْرَى أَنْ يَكُون بَعِيدًا عَنْ رُكُوبه . كَمَا : 14846 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : يَقُول يُوسُف : { ذَلِكَ لِيَعْلَم } إِطْفِير سَيِّده , { أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } أَنِّي لَمْ أَكُنْ لِأُخَالِفَهُ إِلَى أَهْله مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمهُ 14847 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } يُوسُف يَقُولهُ - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } يُوسُف يَقُولهُ : لَمْ أَخُنْ سَيِّدِي - قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ يُوسُف يَقُولهُ 14848 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ : هَذَا قَوْل يُوسُف 14849 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ أَبِي صَالِح , فِي قَوْله : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } هُوَ يُوسُف يَقُول : لَمْ أَخُنْ الْمَلِك بِالْغَيْبِ وَقَوْله : { وَأَنَّ اللَّه لَا يَهْدِي كَيْد الْخَائِنِينَ } يَقُول : فَعَلْت ذَلِكَ لِيَعْلَم سَيِّدِي أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ , وَأَنَّ اللَّه لَا يَهْدِي كَيْد الْخَائِنِينَ : يَقُول : وَأَنَّ اللَّه لَا يُسَدِّد صَنِيع مَنْ خَانَ الْأَمَانَات , وَلَا يُرْشِد فِعَالهمْ فِي خِيَانَتِهِمُوهَا . وَاتَّصَلَ قَوْله : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } بِقَوْلِ امْرَأَة الْعَزِيز : { أَنَا رَاوَدْته عَنْ نَفْسه وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ لِمَعْنَاهُ , كَاتِّصَالِ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } بِقَوْلِ الْمَرْأَة : { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلهَا أَذِلَّة } , وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله : { وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } خَبَر مُبْتَدَإٍ , وَكَذَلِكَ قَوْل فِرْعَوْن لِأَصْحَابِهِ فِي سُورَة الْأَعْرَاف : { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } وَهُوَ مُتَّصِل بِقَوْلِ الْمَلَأِ : { يُرِيد أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضكُمْ } . وَاَللَّه أَعْلَم .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} اختلف فيمن قاله، فقيل : هو من قول امرأة العزيز، وهو متصل بقولها { الآن حصحص الحق} أي أقررت بالصدق ليعلم أني لم أخنه بالغيب أي بالكذب عليه، ولم أذكره بسوء وهو غائب، بل صدقت وحدت عن الخيانة؛ ثم قالت { وما أبرئ نفسي} بل أنا راودته؛ وعلى هذا هي كانت مقرة بالصانع، ولهذا قالت { إن ربي غفور رحيم} . وقيل : هو من قول يوسف؛ أي قال يوسف : ذلك الأمر الذي فعلته، من رد الرسول { ليعلم} العزيز { أني لم أخنه بالغيب} قاله الحسن وقتادة وغيرهما. ومعنى { بالغيب} وهو غائب. وإنما قال يوسف ذلك بحضرة الملك، وقال { ليعلم} على الغائب توقيرا للملك. وقيل : قاله إذ عاد إليه الرسول وهو في السجن بعد؛ قال ابن عباس : جاء الرسول إلى يوسف عليه السلام بالخبر وجبريل معه يحدثه؛ فقال يوسف { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} أي لم أخن سيدي بالغيب؛ فقال له جبريل عليه السلام : يا يوسف! ولا حين حللت الإزار، وجلست مجلس الرجل من المرأة؟! فقال يوسف { وما أبرئ نفسي} الآية. وقال السدي : إنما قالت له امرأة العزيز ولا حين حللت سراويلك يا يوسف؟! فقال يوسف { وما أبرئ نفسي} . وقيل { ذلك ليعلم} من قول العزيز؛ أي ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، وأني لم أغفل عن مجازاته على أمانته. { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} معناه : أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم. قوله تعالى‏ { ‏وما أبرئ نفسي‏} ‏ قيل‏:‏ هو من قول المرأة‏.‏ وقال القشيري‏:‏ فالظاهر أن قوله‏ { ‏ذلك ليعلم‏} ‏ وقوله‏ { ‏وما أبرئ نفسي‏} ‏ من قول يوسف‏.‏ قلت‏:‏ إذا احتمل أن يكون من قول المرأة فالقول به أولى حتى نبرئ يوسف من حل الإزار والسراويل؛ وإذا قدرناه من قول يوسف فيكون مما خطر بقلبه، على ما قدمناه من القول المختار في قوله‏ { ‏وهم بها‏} ‏‏.‏ قال أبو بكر الأنباري‏:‏ من الناس من يقول‏ { ‏ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب‏} ‏ إلى قوله‏ { ‏إن ربي غفور رحيم‏} ‏ من كلام امرأة العزيز؛ لأنه متصل بقولها‏ { ‏أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين‏} [‏يوسف‏:‏ 51‏]‏ وهذا مذهب الذين ينفون الهم عن يوسف عليه السلام؛ فمن بنى على قولهم قال‏:‏ من قوله ‏ { ‏قالت امرأة العزيز‏} [‏يوسف‏:‏ 51‏]‏ إلى قوله‏ { ‏إن ربي غفور رحيم‏} ‏ كلام متصل بعضه ببعض، ولا يكون فيه وقف تام على حقيقة؛ ولسنا نختار هذا القول ولا نذهب إليه‏.‏ وقال الحسن‏:‏ لما قال يوسف ‏ { ‏ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب‏} ‏ كره نبي الله أن يكون قد زكى نفسه فقال‏ { ‏وما أبرئ نفسي‏} ‏ لأن تزكية النفس مذمومة؛ قال الله تعالى‏ { ‏فلا تزكوا أنفسكم‏} [‏النجم‏:‏ 32‏]‏ وقد بيناه في "‏النساء‏"‏‏.‏ وقيل‏:‏ هو من قول العزيز؛ أي وما أبرئ نفسي من سوء الظن بيوسف‏.‏ { ‏إن النفس لأمارة بالسوء‏} ‏ أي مشتهية له‏.‏ { ‏إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم‏} ‏ ‏ { ‏إلا ما رحم ربي‏} ‏ في موضع نصب بالاستثناء؛ و‏ { ‏ما‏} ‏ بمعنى من؛ أي إلا من رحم ربي فعصمه؛ و‏ { ما‏} ‏ بمعنى من كثير؛ قال الله تعالى‏ { ‏فانكحوا ما طاب لكم من النساء‏} [‏النساء‏:‏ 3‏]‏ وهو استثناء منقطع، لأنه استثناء المرحوم بالعصمة من النفس الأمارة بالسوء؛ وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما تقولون في صاحب لكم إن أنتم أكرمتموه وأطعمتموه وكسوتموه أفضى بكم إلى شر غاية وإن أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله‏!‏ هذا شر صاحب في الأرض‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فوالذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم‏)‏‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 45 - 54

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قالت ذلك حتى تُعلِنَ براءة يوسف عليه السلام، وأنها لم تنتهز فرصة غيابه في السجن وتنتقم منه؛ لأنه لم يستجِبْ لمُراودتها له، ولم تنسج له أثناء غيابه المؤامرات، والدسائس، والمكائد.

وهذا يدلُّنا على أن شِرَّةَ الإنسان قد تتوهج لغرض خاص، وحين يهدأ الغرض ويذهب، يعود الإنسان إلى توازنه الكمالي في نفسه، وقد يجعل من الزَّلة الأولى في خاطره وسيلة إلى الإحسان فيما ليس له فيه ضعف، كي تستر الحسنةُ السيئة، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
{  إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ }
[هود: 114].

ولو أن إنساناً عمل سيئة وفضحه آخر عليها؛ فالفاضح لتلك السيئة إنما يحرم المجتمع من حسنات صاحب السيئة.

ولذلك أقول: استروا سيئات المسيء؛ لأنها قد تلهمه أن يقدم من الخير ما يمحو به سيئاته.

ولذلك قالوا: إذا استقرأتَ تاريخ الناس، أصحاب الأنفس القوية في الأخلاق والقيم؛ قد تجد لهم من الضعف هنات وسَقَطات؛ ويحاولون أن يعملوا الحسنات كي تُذهِب عنهم السيئات؛ لأن بالَ الواحد منهم مشغولٌ بضعفه الذي يُلهِبه؛ فيندفع لفعل الخيرات.

وبعد أن اعترفتْ امرأة العزيز بما فعلت؛ قالت:

{ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ } [يوسف: 52].

أي: أنها أقرَّتْ بأنه سبحانه وتعالى لا يُنفِذ كيد الخائنين، ولا يُوصِّله إلى غايته.

وتواصل امرأة العزيز فتقول: { وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ... }.


www.alro7.net