سورة
اية:

وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { و} لقد أرسلنا { إلى عاد أخاهم هودا} آمراً لهم بعبادة اللّه وحده لا شريك له ناهياً لهم عن الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة، وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من اللّه إنما يبغي ثوابه من اللّه الذي فطره، { أفلا تعقلون} من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة، ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يسر اللّه عليه رزقه وسهل عليه أمره وحفظ شأنه، ولهذا قال: { يرسل السماء عليكم مدرارا} ، وفي الحديث: (من لزم الاستغفار جعل اللّه له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب)

تفسير الجلالين

{ ويا قوم استغفروا ربكم } من الشرك { ثم توبوا } ارجعوا { إليه } بالطاعة { يرسل السماء } المطر وكانوا قد منعوه { عليكم مِدرارا } كثير الدرور { ويزدكم قوة إلى } مع { قوتكم } بالمال والولد { ولا تتولوا مجرمين } مشركين .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَا قَوْم اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل هُود لِقَوْمِهِ : { وَيَا قَوْم اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ } يَقُول : آمِنُوا بِهِ حَتَّى يَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ . وَالِاسْتِغْفَار : هُوَ الْإِيمَان بِاَللَّهِ فِي هَذَا الْمَوْضِع , لِأَنَّ هُودًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا دَعَا قَوْمه إِلَى تَوْحِيد اللَّه لِيَغْفِر لَهُمْ ذُنُوبهمْ , كَمَا قَالَ نُوح لِقَوْمِهِ : { اُعْبُدُوا اللَّه وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِر لَكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ وَيُؤَخِّركُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَا قَوْم اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل هُود لِقَوْمِهِ : { وَيَا قَوْم اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ } يَقُول : آمِنُوا بِهِ حَتَّى يَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ . وَالِاسْتِغْفَار : هُوَ الْإِيمَان بِاَللَّهِ فِي هَذَا الْمَوْضِع , لِأَنَّ هُودًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا دَعَا قَوْمه إِلَى تَوْحِيد اللَّه لِيَغْفِر لَهُمْ ذُنُوبهمْ , كَمَا قَالَ نُوح لِقَوْمِهِ : { اُعْبُدُوا اللَّه وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِر لَكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ وَيُؤَخِّركُمْ إِلَى أَجَل مُسَمًّى } ' وَقَوْله : { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } يَقُول : ثُمَّ تُوبُوا إِلَى اللَّه مِنْ سَالِف ذُنُوبكُمْ وَعِبَادَتكُمْ غَيْره بَعْد الْإِيمَان بِهِ .وَقَوْله : { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } يَقُول : ثُمَّ تُوبُوا إِلَى اللَّه مِنْ سَالِف ذُنُوبكُمْ وَعِبَادَتكُمْ غَيْره بَعْد الْإِيمَان بِهِ .' { يُرْسِل السَّمَاء عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } يَقُول : فَإِنَّكُمْ إِنْ آمَنْتُمْ بِاَللَّهِ وَتُبْتُمْ مِنْ كُفْركُمْ بِهِ , أَرْسَلَ قَطْر السَّمَاء عَلَيْكُمْ يُدِرّ لَكُمْ الْغَيْث فِي وَقْت حَاجَتكُمْ إِلَيْهِ , وَتَحْيَا بِلَادكُمْ مِنْ الْجَدْب وَالْقَحْط . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14099 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { مِدْرَارًا } يَقُول : يَتْبَع بَعْضهَا بَعْضًا 14100 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { يُرْسِل السَّمَاء عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } قَالَ : يَدُلّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَطْرًا وَمَطَرًا { يُرْسِل السَّمَاء عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } يَقُول : فَإِنَّكُمْ إِنْ آمَنْتُمْ بِاَللَّهِ وَتُبْتُمْ مِنْ كُفْركُمْ بِهِ , أَرْسَلَ قَطْر السَّمَاء عَلَيْكُمْ يُدِرّ لَكُمْ الْغَيْث فِي وَقْت حَاجَتكُمْ إِلَيْهِ , وَتَحْيَا بِلَادكُمْ مِنْ الْجَدْب وَالْقَحْط . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14099 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { مِدْرَارًا } يَقُول : يَتْبَع بَعْضهَا بَعْضًا 14100 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { يُرْسِل السَّمَاء عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } قَالَ : يَدُلّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَطْرًا وَمَطَرًا ' وَأَمَّا قَوْله : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّة إِلَى قُوَّتكُمْ } فَإِنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 14101 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّة إِلَى قُوَّتكُمْ } قَالَ : شِدَّة إِلَى شِدَّتكُمْ - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد وَإِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن : قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد , فَذَكَرَ مِثْله . 14102 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّة إِلَى قُوَّتكُمْ } قَالَ : جَعَلَ لَهُمْ قُوَّة , فَلَوْ أَنَّهُمْ أَطَاعُوهُ , زَادَهُمْ قُوَّة إِلَى قُوَّتهمْ . وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّة إِلَى قُوَّتكُمْ } قَالَ : إِنَّهُ قَدْ كَانَ اِنْقَطَعَ النَّسْل عَنْهُمْ سِنِينَ , فَقَالَ هُود لَهُمْ : إِنْ آمَنْتُمْ بِاَللَّهِ أَحْيَا اللَّه بِلَادكُمْ وَرَزَقَكُمْ الْمَال وَالْوَلَد , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْقُوَّة وَأَمَّا قَوْله : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّة إِلَى قُوَّتكُمْ } فَإِنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 14101 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّة إِلَى قُوَّتكُمْ } قَالَ : شِدَّة إِلَى شِدَّتكُمْ - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد وَإِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن : قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد , فَذَكَرَ مِثْله . 14102 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّة إِلَى قُوَّتكُمْ } قَالَ : جَعَلَ لَهُمْ قُوَّة , فَلَوْ أَنَّهُمْ أَطَاعُوهُ , زَادَهُمْ قُوَّة إِلَى قُوَّتهمْ . وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّة إِلَى قُوَّتكُمْ } قَالَ : إِنَّهُ قَدْ كَانَ اِنْقَطَعَ النَّسْل عَنْهُمْ سِنِينَ , فَقَالَ هُود لَهُمْ : إِنْ آمَنْتُمْ بِاَللَّهِ أَحْيَا اللَّه بِلَادكُمْ وَرَزَقَكُمْ الْمَال وَالْوَلَد , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْقُوَّة ' وَقَوْله : { وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ } يَقُول : وَلَا تُدْبِرُوا عَمَّا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَالْبَرَاءَة مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام مُجْرِمِينَ , يَعْنِي كَافِرِينَ بِاَللَّهِ .وَقَوْله : { وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ } يَقُول : وَلَا تُدْبِرُوا عَمَّا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَالْبَرَاءَة مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام مُجْرِمِينَ , يَعْنِي كَافِرِينَ بِاَللَّهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: ‏ { ‏وإلى عاد أخاهم هودا‏} ‏ أي وأرسلنا، فهو معطوف على { ‏أرسلنا نوحا‏} ‏‏.‏ وقيل له أخوهم لأنه منهم، وكانت القبيلة تجمعهم؛ كما تقول‏:‏ يا أخا تميم‏.‏ وقيل‏:‏ إنما قيل له أخوهم لأنه من بني آدم كما أنهم من بني آدم؛ وقد تقدم هذا في ‏ { ‏الأعراف‏} ‏ وكانوا عبدة الأوثان‏.‏ وقيل‏:‏ هم عادان، عاد الأولى وعاد الأخرى، فهؤلاء هم الأولى؛ وأما الأخرى فهو شداد ولقمان المذكوران في قوله تعالى: ‏ { ‏إرم ذات العماد‏} ‏ [الفجر‏:‏ 7‏]‏‏.‏ وعاد اسم رجل ثم استمر على قوم انتسبوا إليه‏.‏ ‏ { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره‏} ‏ بالخفض على اللفظ، و‏ { ‏غيره‏} ‏ بالرفع على الموضع، و‏ { ‏غيره‏} ‏ بالنصب على الاستثناء‏.‏ ‏ { ‏إن أنتم إلا مفترون‏} ‏ أي ما أنتم في اتخاذكم إلها غيره إلا كاذبون عليه جل وعز‏.‏ قوله تعالى‏: { ‏يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني‏} ‏ أي على التبليغ، والدعاء إلى الله، والإيمان به فيثقل عليكم، أي ثوابي في تبليغ الرسالة‏.‏ والفطرة ابتداء الخلق‏.‏ ‏ { ‏أفلا تعقلون‏} ‏ ما جرى على قوم نوح لما كذبوا الرسل‏.‏ قوله تعالى‏: { ‏ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه‏} ‏ تقدم في أول السورة‏.‏ ‏ { ‏يرسل السماء‏} ‏ جزم لأنه جواب وفيه معنى المجازاة‏.‏ ‏ { ‏عليكم مدرارا‏} ‏ نصب على الحال، وفيه معنى التكثير؛ أي يرسل السماء بالمطر متتابعا يتلو بعضه بعضا؛ والعرب تحذف الهاء في مفعال على النسب؛ وأكثر ما يأتي مفعال من أفعل، وقد جاء ههنا من فعل؛ لأنه من درت السماء تدِر وتدُر فهي مدرار‏.‏ وكان قوم هود - أعني عادا - أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن كما تقدم في ‏ { الأعراف‏} ‏‏.‏ { ‏ويزدكم‏} ‏ عطف على يرسل‏.‏ ‏ { ‏قوة إلى قوتكم‏} ‏ قال مجاهد‏:‏ شدة على شدتكم‏.‏ الضحاك‏.‏ خصبا إلى خصبكم‏.‏ علي بن عيسى‏:‏ عزا على عزكم‏.‏ عكرمة‏:‏ ولدا إلى ولدكم‏.‏ وقيل‏:‏ إن الله حبس عنهم المطر وأعقم الأرحام ثلاث سنين فلم يولد لهم ولد؛ فقال لهم هود‏:‏ إن آمنتم أحيا الله بلادكم ورزقكم المال والولد؛ فتلك القوة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المعنى يزدكم قوة في النعم‏.‏ ‏ { ‏ولا تتولوا مجرمين‏} ‏ أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، وتقيموا على الكفر قوله تعالى: ‏ { ‏قالوا يا هود ما جئتنا ببينة‏} ‏ أي حجة واضحة‏.‏ ‏ { وما نحن لك بمؤمنين‏} ‏ إصرارا منهم على الكفر‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏إن نقول إلا اعتراك‏} ‏ أي أصابك‏.‏ ‏ { ‏بعض آلهتنا‏} ‏ أي أصنامنا‏.‏ ‏ { ‏بسوء‏} ‏ أي بجنون لسبك إياها، عن ابن عباس وغيره‏.‏ يقال‏:‏ عراه الأمر واعتراه إذا ألم به‏.‏ ومنه ‏ { ‏وأطعموا القانع والمعتر‏} [‏الحج‏:‏ 36‏]‏‏.‏ ‏ { ‏قال إني أشهد الله‏} ‏ أي على نفسي‏.‏ ‏ { واشهدوا‏} ‏ أي وأشهدكم؛ لا أنهم كانوا أهل شهادة، ولكنه نهاية للتقرير؛ أي لتعرفوا ‏ { ‏أني بريء مما تشركون‏} ‏ أي من عبادة الأصنام التي تعبدونها‏.‏ ‏ { ‏فكيدوني جميعا‏} ‏ أي أنتم وأوثانكم في عداوتي وضري‏.‏ ‏ { ‏ثم لا تنظرون‏} ‏ أي لا تؤخرون‏.‏ وهذا القول مع كثرة الأعداء يدل على كمال الثقة بنصر الله تعالى‏.‏ وهو من أعلام النبوة، أن يكون الرسول وحده يقول لقومه ‏ { ‏فكيدوني جميعا‏} ‏‏.‏ وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش‏.‏ وقال نوح صلى الله عليه وسلم ‏ { ‏فاجمعوا أمركم وشركاءكم‏} [‏يونس‏:‏ 71‏]‏ الآية‏.‏ قوله تعالى‏: { ‏إني توكلت على الله ربي وربكم‏} ‏ أي رضيت بحكمه، ووثقت بنصره‏.‏ ‏ { ‏ما من دابة‏} ‏ أي نفس تدب على الأرض؛ وهو في موضع رفع بالابتداء‏.‏ ‏ { ‏إلا هو آخذ بناصيتها‏} ‏ أي يصرفها كيف يشاء، ويمنعها مما يشاء؛ أي فلا تصلون إلى ضري‏.‏ وكل ما فيه روح يقال له داب ودابة؛ والهاء للمبالغة‏.‏ وقال الفراء‏:‏ مالكها، والقادر عليها‏.‏ وقال القتبي‏:‏ قاهرها؛ لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ يحييها ثم يميتها؛ والمعنى متقارب‏.‏ والناصية قصاص الشعر في مقدم الرأس‏.‏ ونصوت الرجل أنصوه نصوا أي مددت ناصيته‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ إنما خص الناصية؛ لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة والخضوع؛ فيقولون‏.‏ ما ناصية فلان إلا بيد فلان؛ أي إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء‏.‏ وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخرا عليه؛ فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم‏.‏ وقال، الترمذي الحكيم في ‏ { ‏نوادر الأصول‏} ‏ ‏ { ‏ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها‏} ‏ وجهه عندنا أن الله تعالى قدر مقادير أعمال العباد، ثم نظر إليها، ثم خلق خلقه، وقد نفذ بصره في جميع ما هم فيه عاملون من قبل أن يخلقهم، فلما خلقهم وضع نور تلك النظرة في نواصيهم فذلك النور أخذ بنواصيهم، يجريهم إلى أعمالهم المقدرة عليهم يوم المقادير‏.‏ وخلق الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة‏)‏‏.‏ ولهذا قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي، وأيقنوا أن جميع خلقه منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من الأعمال، فأوفرهم حظا من الملاحظة أقواهم في العزم، ولذلك ما قوي هود النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال‏: { ‏فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون‏.‏ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها‏} ‏ وإنما سميت ناصية لأن الأعمال قد نصت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير، قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة، ثم وضعت حركات كل من دب على الأرض حيا في جبهته بين عينيه، فسمي ذلك الموضع منه ناصية؛ لأنها تنص حركات العباد بما قدر؛ فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها ووصف ناصية أبي جهل فقال‏: { ‏ناصية كاذبة خاطئة‏} ‏ [العلق‏:‏ 16‏]‏ يخبر أن النواصي فيها كاذبة خاطئة؛ فعلى سبيل ما تأولوه يستحيل أن تكون الناصية منسوبة إلى الكذب والخطأ‏.‏ والله أعلم‏.‏ ‏ { ‏إن ربي على صراط مستقيم‏} ‏ قال النحاس‏:‏ الصراط في اللغة المنهاج الواضح؛ والمعنى أن الله جل ثناؤه وإن كان يقدر على كل شيء فإنه لا يأخذهم إلا بالحق‏.‏ وقيل‏:‏ معناه لا خلل في تدبيره، ولا تفاوت في خلقه سبحانه‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏فإن تولوا‏} ‏ في موضع جزم؛ فلذلك حذفت منه النون، والأصل تتولوا، فحذفت التاء لاجتماع تاءين‏.‏ ‏ { فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم‏} ‏ بمعنى قد بينت لكم‏.‏ ‏ { ‏ويستخلف ربي قوما غيركم‏} ‏ أي يهلككم ويخلق من هو أطوع له منكم يوحدونه ويعبدونه‏.‏ ‏ { ‏ويستخلف‏} ‏ مقطوع مما قبله فلذلك ارتفع؛ أو معطوف على ما يجب فيما بعد الفاء من قوله: ‏ { ‏فقد أبلغتكم‏} ‏‏.‏ وروي عن حفص عن عاصم ‏ { ‏ويستخلف‏} ‏ بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها؛ مثل‏ { ‏ويذرهم في طغيانهم يعمهون‏} [‏الأعراف‏:‏ 186‏]‏‏.‏ ‏} ‏ولا تضرونه شيئا‏} ‏ أي بتوليكم وإعراضكم‏.‏ ‏ { إن ربى على كل شيء حفيظ‏} ‏ أي لكل شيء حافظ‏.‏ ‏ { على‏} ‏ بمعنى اللام؛ فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏ولما جاء أمرنا‏} ‏ أي عذابنا بهلاك عاد‏.‏ ‏ { نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا‏} ‏ لأن أحدا لا ينجو إلا برحمة الله تعالى، وإن كانت له أعمال صالحة‏.‏ وفي صحيح مسلم والبخاري وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏لن ينجي أحدا منكم عمله‏.‏ قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول الله‏؟‏ ‏!‏ قال‏:‏ ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏ { ‏برحمة منا‏} ‏ بأن بينا لهم الهدى الذي هو رحمة‏.‏ وكانوا أربعة آلاف‏.‏ وقيل‏:‏ ثلاثة آلاف‏.‏ ‏ { ونجيناهم من عذاب غليظ‏} ‏ أي عذاب يوم القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ هو الريح العقيم كما ذكر الله في ‏ { ‏الذاريات‏} ‏ وغيرها وسيأتي‏.‏ قال القشيري أبو نصر‏:‏ والعذاب الذي يتوعد به النبي أمته إذا حضر ينجي الله منه النبي والمؤمنين معه؛ نعم‏!‏ لا يبعد أن يبتلي الله نبيا وقومه فيعمهم ببلاء فيكون ذلك عقوبة للكافرين، وتمحيصا للمؤمنين إذا لم يكن مما توعدهم النبي به‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏وتلك عاد‏} ‏ ابتداء وخبر‏.‏ وحكى الكسائي أن من العرب من لا يصرف ‏ { عادا‏} ‏ فيجعله اسما للقبيلة‏.‏ ‏ { ‏جحدوا بآيات ربهم‏} ‏ أي كذبوا بالمعجزات وأنكروها‏.‏ ‏} ‏وعصوا رسله‏} ‏ يعني هودا وحده؛ لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه‏.‏ ونظيره قوله تعالى‏: { ‏يا أيها الرسل كلوا من الطيبات‏} [‏المؤمنون‏:‏ 51‏]‏ يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده؛ لأنه لم يكن في عصره رسول سواه؛ وإنما جمع ههنا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل‏.‏ وقيل‏:‏ عصوا هودا والرسل قبله، وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف رسول لجحدوا الكل‏.‏ ‏ { ‏واتبعوا أمر كل جبار عنيد‏} ‏ أي اتبع سقاطهم رؤساءهم‏.‏ والجبار المتكبر‏.‏ والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ العنيد والعنود والعاند والمعاند المعارض بالخلاف، ومنه قيل للعرق الذي ينفجر بالدم عاند‏.‏ وقال الراجز‏:‏ إني كبير لا أطيق العُنَّدا ** قوله تعالى: ‏ { ‏وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة‏} ‏ أي ألحقوها‏.‏ ‏ { ويوم القيامة‏} ‏ أي واتبعوا يوم القيامة مثل ذلك؛ فالتمام على قوله: ‏ { ‏ويوم القيامة‏} ‏‏.‏ ‏ { ألا إن عادا كفروا ربهم‏} ‏ قال: الفراء‏:‏ أي كفروا نعمة ربهم؛ قال‏:‏ ويقال كفرته وكفرت به، مثل شكرته وشكرت له‏.‏ ‏ { ألا بعدا لعاد قوم هود‏} ‏ أي لا زالوا مبعدين عن رحمة الله‏.‏ والبعد الهلاك والبعد التباعد من الخير‏.‏ يقال‏:‏ بعد يبعد بعدا إذا تأخر وتباعد‏.‏ وبعد يبعد بعدا إذا هلك؛ قال‏:‏ لا يبعدن قومي الذين هم ** سم العداة وآفة الجزر وقال النابغة‏:‏ فلا تبعدن إن المنية منهل ** وكل امرئ يوما به الحال زائل

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 41 - 52


سورة هود الايات 52 - 59

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهكذا نعلم أن الاستغفار هو إقرار بالتقصير وارتكاب الذنوب، فنقول يارب اغفر لنا.

وساعة تطلب المغفرة من الله تعالى، فهذا إعلان منك بالإيمان، واعتراف بأن تكليف الحق لك هو تكليف حق.

وما دام الإنسان قد طلب من الله تعالى أن يغفر له الذي فات من ذنوب، فعليه ألا يرتكب ذنوباً جديدة، وبعد التوبة على العبد أن يحرص على تجنب المعاصي.

وعلى الإنسان أن يتذكّر أن ما به من نعمة فمن الله، وأن الكائنات المسخرة هي مسخرة بأمر الله تعالى؛ فلا تنسيك رتابة الحياة عن مسببها الواهب لكل النعم.

والحق سبحانه وتعالى حين يرسل رسولاً، فأول ما ينزل به الرسول إلى الأمة هو أن يصحِّح العقيدة في قمتها، ويدعوهم إلى الإيمان بإله واحد يتلقَّون عنه " افعل " و " لا تفعل ".

وهنا يكون الكلام من هود عليه السلام إلى قومه " قوم عاد " ، والدعوة إلى الإيمان بإله واحد وعبادته، والأخذ بمنهجه لا يمكن أن يقتصر على الطقوس فقط من الشهادة بوحدانية الله تعالى، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج.

ولكن عبادة الله تعالى هي أن تؤدِّي الشعائر والعبادات، وتتقن كل عمل في ضوء منهج الله، فلا تعزل الدين عن حركة الحياة.

والذين يخافون من دخول الإسلام في حركة الحياة، يريدون منَّا أن نقصر الدين على الطقوس، ونقول لهم: إن الإسلام حينما دخل في حركة الحياة غزا الدنيا كلها، وحارب حضارتين عريقتين؛ حضارة الفرس في الشرق، وحضارة الرومان في الغرب.

وهؤلاء كانوا أمماً لها حضارات قديمة وقوية، وثقافات وقوانين، ومع ذلك جاء قوم من البدو الأمِّيين؛ يقود عقيدتهم رجلٌ أمِّيٌّ أرسله الله سبحانه وتعالى؛ فيطيح بكل هؤلاء؛ نظماً وثقافات وارتقاءات بمستوى الحياة إلى مستوى طموح العقل.

يريد هؤلاء ـ إذن ـ أن يقوقعوا الإسلام في الأركان الخمسة فقط؛ ليعزلوه عن حركة الحياة.

ونقول لهم: لا، لا يمكنكم أن تقصروا العبادات على الأركان الخمسة فقط؛ لأن العبادة معناها أن يوجد عابد لمعبود حقٍّ، وأن يطيع العابد أوامر المعبود؛ وتتمثَّل أوامر المعبود في " افعل " و " لا تفعل "؛ وما لم يَردْ فيه " افعل " و " لا تفعل "؛ فهو مباح؛ إن شئت فعلته وإن شئت لم تفعله؛ وبفعله أو عدم فعله لا يفسد الكون.

إذن: فالعبادة هي كل أمر صادر من الله تعالى؛ فلا تعزلوها في الطقوس؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغنا؛ وأوضح لنا أن أركان الإسلام الخمس هي التي بني عليها الإسلام؛ وليست هي كل الإسلام.

إذن: فالإسلام بناء يقوم على أركان؛ لذلك لا يمكن أن نحصر الإسلام في أركانه فقط؛ فالإسلام هو كل حركة في الحياة، ولا بد أن تنتظم حركات البشر تبعاً لمنهج الله، لتنتظم الحياة كما انتظم الكون من حولنا.فالعبادة تستوعب كل حركة في الحياة، وقد فهم البعض خطأ أن العبادة تنحصر في باب العبادات في تقسيم الفقهاء، وأغفلوا أن باب المعاملات هو من العبادة أيضاً، واستقامة الناس في المعاملات تؤدي إلى انتظام حياة الناس.

وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه:

{ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } [هود: 52].

والاستغفار لا يكون إلا عن ذنوب سبقت؛ وإذا كان هذا هو أول ما قاله هود عليه السلام لقومه؛ إذن: فالاستغفار هنا عن الذنوب التي ارتكبوها مخالفة لمنهج الرسول الذي جاء من قبله، أو هي الذنوب التي ارتكبوها بالفطرة.

ثم يدعوهم بقوله: { ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ } [هود: 52].

والتوبة تقتضي العزم على ألا تُنشئوا ذنوباً جديدة.

ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية:

{ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ } [هود: 52].

ولقائل أن يقول: وما صلة الاستغفار بهذه المسألة الكونية؟

ونقول: إن للكون مالكاً لكلِّ ما فيه؛ جماده ونباته وحيوانه؛ وهو سبحانه قادر، ولا يقدر كائن أن يعصي له أمراً؛ وهو القادر أن يخرج الأشياء عن طبيعتها؛ فإذا جاءت غيمة وتحسب أنها ممطرة؛ قد يأمرها الحق سبحانه فلا تمطر.

مثلما قال سبحانه في موضع آخر من كتابه الكريم:


{  فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ }
[الأحقاف: 24].

إذن: فلا تأخذ الأسباب على أنها رتابة؛ إنما ربُّ الأسباب يملكها؛ فإن شاء فعل ما يشاء.

وإذا ما عبدتَ الله تعالى العبادة التي تنتظم بها كل حركة في الحياة؛ فأنت تُقبل على عمارة الأرض؛ وتوفِّر لنفسك القُوْتَ باستنباطه من الأسباب التي طمرها الله سبحانه وتعالى في الأرض.

والقوت ـ كما نعلم ـ من جنس الأرض؛ لذلك لا بد أن نزرع الأرض؛ وتَمُدَّ البذور جذورها الضارعة المسبِّحة الساجدة لله تعالى؛ فيُمطر الحقُّ سبحانه السماءَ؛ فتأخذ البذور حاجتها من الماء المتسرِّب إليها عبر الأرض؛ ونأخذ نحن أيضاً حاجتنا من هذا الماء.

والسماء هي كل ما عَلاكَ فأظلَّكَ؛ أما السماء العليا فهذا موضوع آخر، وكل الأشياء دونها.

وانظروا قول الحق سبحانه:


{  مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ }
[الحج: 15].

أي: من كان يظن أن الله تعالى لن ينصر رسوله فليأت بحبل أو أي شيء ويربطه فيما علاه ويعلِّق نفسه فيه؛ ولسوف يموت، وغيظه لن يرحل عنه.

{ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً } [هود: 52].

والمدرار: هو الذي يُدِرُّ بتتابع لا ضرر فيه؛ لأن المطر قد يهطل بطغيان ضارٍّ، كما فتح الله سبحانه أبواب السماء بماء منهمر.إذن: المدرار هو المطر الذي يتوالى توالياً مُصلحاً لا مُفسداً.

ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول حين ينزل المطر: " اللهم حوالينا ولا علينا ".

ومتى أرسِل المطر مدراراً متتابعاً مصلحاً؛ فالأرض تخضرُّ؛ وتعمر الدنيا؛ ونزداد قوة إلى قوتنا.

أما مَنْ يتولَّى؛ فهو يُجرم في حقِّ نفسه؛ لأن إجرام العبد إنما يعود على نفسه؛ لا تظنّ أن إجرام أَيِّ عبدٍ بالمعصية يؤذي غيره.

والحق سبحانه يقول:


{  وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
[يونس: 44].

ويأتي الحق سبحانه من بعد ذلك بالردِّ الذي قاله قوم عاد: { قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ }


www.alro7.net