سورة
اية:

فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً أن { كل نفس بما كسبت رهينة} أي معتقلة بعملها يوم القيامة { إلا أصحاب اليمين} فإنهم { في جنات يتساءلون عن المجرمين} أي يسألون المجرمين وهم في الغرفات، وأولئك في الدركات قائلين لهم { ما سَلَكَكُمْ في سقر . قالوا لم نَكُ من المصلِّين . ولم نَكُ نُطْعِمُ المسكين} أي ما عبدنا ربنا ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا، { وكنا نخوض مع الخائضين} أي نتكلم فيما لا نعلم، وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه، { وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين} يعني الموت كقوله تعالى: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أما هو - يعني عثمان بن مظعون - فقد جاءه اليقين من ربه) قال تعالى: { فما تنفعهم شفاعة الشافعين} أي من كان متصفاً بمثل هذه الصفات، فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه، لأن الشفاعة إنما تنجح إذا كان المحل قابلاً، فأما من وافى اللّه كافراً، فإن له النار لا محالة خالداً فيها. ثم قال تعالى: { فما لهم عن التذكرة معرضين} أي فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك عما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين { كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة} أي كأنهم في نفارهم عن الحق، وإعراضهم عنه، حمر من حمر الوحش إذا فرت ممن يريد صيدها من أسد ""قاله أبو هريرة وابن عباس وزيد بن أسلم، وهو قول الجمهور""وقوله تعالى: { بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة} أي بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب كما أنزل اللّه على النبي صلى اللّه عليه وسلم، قال مجاهد وغيره كقوله تعالى: { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى يؤتى مثل ما أوتي رسل اللّه} ، وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل، فقوله تعالى: { كلا بل لا يخافون الآخرة} أي إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها وتكذيبهم بوقوعها، ثم قال تعالى: { كلا إنه تذكرة} أي حقا إن القرآن تذكرة، { فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء اللّه} كقوله: { وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه} ، وقوله تعالى: { هو أهل التقوى وأهل المغفرة} أي هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. عن أنَس بن مالك رضي اللّه عنه قال: قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الآية { هو أهل التقوى وأهل المغفرة} وقال: (قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهاً كان أهلاً أن اغفر له) ""رواه الترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب"".

تفسير الجلالين

{ فرت من قسورة } أسد أي هربت منه أشد الهرب.

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فما لهم عن التذكرة معرضين} أي فما لأهل مكة أعرضوا وولوا عما جئتم به. وفي تفسير مقاتل : الإعراض عن القرآن من وجهين : أحدهما الجحود والإنكار، والوجه الآخر ترك العمل بما فيه. و { معرضين} نصب على الحال من الهاء والميم في { لهم} وفي اللام معنى الفعل؛ فانتصاب الحال على معنى الفعل. { كأنهم} أي كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صلى الله عليه وسلم { حمر مستنفرة} قال ابن عباس : أراد الحمر الوحشية. وقرأ نافع وابن عامر بفتح الفاء، أي منفرة مذعورة؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. الباقون بالكسر، أي نافرة. يقال. نفرت واستنفرت بمعنى؛ مثل عجبت واستعجبت، وسخرت واستسخرت، وأنشد الفراء : أمسك حمارك إنه مستنفر ** في إثر أحمرة عمدن لغرب قوله تعالى { فرت} أي نفرت وهربت { من قسورة} أي من رماة يرمونها. وقال بعض أهل اللغة : إن القسورة الرامي، وجمعه القسورة. وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان : القسورة : هم الرماة والصيادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو [ظبيان] عن أبي موسى الأشعري. وقيل : إنه الأسد؛ قال أبو هريرة وابن عباس أيضا. ابن عرفة : من العسر بمعنى القهر أي؛ إنه يقهر السباع، والحمر الوحشية تهرب من السباع. وروى أبو جمرة عن ابن عباس قال : ما أعلم القسورة الأسد في لغة أحد من العرب، ولكنها عصب الرجال؛ قال : فالقسورة جمع الرجال، وأنشد : يا بنت كوني خيرة لخيرة ** أخوالها الجن وأهل القسورة وعنه : ركز الناس أي حسهم وأصواتهم. وعنه أيضا { فرت من قسورة} أي من حبال الصيادين. وعنه أيضا : القسورة بلسان العرب : الأسد، وبلسان الحبشة : الرماة؛ وبلسان فارس : شير، وبلسان النبط : أريا. وقال ابن الأعرابي : القسورة : أول الليل؛ أي فرت من ظلمة الليل. وقاله عكرمة أيضا. وقيل : هو أول سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل قسورة. وقال زيد بن أسلم : من رجال أقوياء، وكل شديد عند العرب فهو قسورة وقسور. وقال لبيد بن ربيعة : إذا ما هتفنا هتفة في ندينا ** أتانا الرجال العائدون القساور قوله تعالى { بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة} أي يعطى كتبا مفتوحة؛ وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا : يا محمد! ايتنا بكتب من رب العالمين مكتوب فيها : إني قد أرسلت إليكم محمدا، صلى الله عليه وسلم. نظيره { ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه} [الإسراء : 93]. وقال ابن عباس : كانوا يقولون إن كان محمد صادقا فليصبح عند كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار. قال مطر الوراق : أرادوا أن يعطوا بغير عمل. وقال الكلبي : قال المشركون : بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوبا ذنبه وكفارته، فأتنا بمثل ذلك. وقال مجاهد : أرادوا أن ينزل على كل واحد منهم كتاب فيه من الله عز وجل : إلى فلان بن فلان. وقيل : المعنى أن يذكر بذكر جميل، فجعلت الصحف موضع الذكر مجازا. وقالوا : إذا كانت ذنوب الإنسان تكتب عليه فما بالنا لا نرى ذلك؟ { كلا} أي ليس يكون ذلك. وقيل : حقا. والأول أجود؛ لأنه رد لقولهم. { بل لا يخافون الآخرة} أي لا أعطيهم ما يتمنون لأنهم لا يخافون الآخرة، اغترارا بالدنيا. وقرأ سعيد بن جبير { صحفا منشرة} بسكون الحاء والنون، فأما تسكين الحاء فتخفيف، وأما النون فشاذ. إنما يقال : نشرت الثوب وشبهه ولا يقال أنشرت. ويجوز أن يكون شبه الصحيفة بالميت كأنها ميتة بطيها، فإذا نشرت حييت، فجاء على أنشر الله الميت، كما شبه إحياء الميت بنشر الثوب، فقيل فيه نشر الله الميت، فهي لغة فيه.


www.alro7.net