سورة
اية:

وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ

تفسير بن كثير

يبين تعالى كيف يخلق السحاب، الذي ينزل منه الماء، فقال تعالى: { اللّه الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً} إما من البحر أو مما يشاء اللّه عزَّ وجلَّ، { فيبسطه في السماء كيف يشاء} أي يمده فيكثره وينميه، ينشئ سحابة ترى في رأي العين مثل الترس، ثم يبسطها حتى تملأ أرجاء الأفق، وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثقالاً مملوءة قال تعالى: { وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً سقناه لبلد ميت - إلى قوله - كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} ، وكذلك قال ههنا: { اللّه الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً} ، قال مجاهد: يعني قطعاً، وقال مجاهد: يعني قطعاً، وقال الضحاك: متراكماً وقال غيره: أسود من كثرة الماء تراه مدلهما ثقيلاً قريباً من الأرض، وقوله تعالى: { فترى الودق يخرج من خلاله} أي فترى المطر وهو القطر، يخرج من بين ذلك السحاب { فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون} أي لحاجتهم إليه يفرحون بنزوله عليهم ووصوله إليهم، وقوله تعالى: { وإن كانوا من قبل أن ينزّل عليهم من قبله لمبلسين} معنى الكلام: أن هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر، كانوا قانطين من نزول المطر إليهم، فلما جاءهم، جاءهم على فاقة فوقع منهم موقعاً عظيماً، فبعدما كانت أرضهم مقشعرة هامدة، أصبحت وقد اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى: { فانظر إلى آثار رحمة اللّه} يعني المطر { كيف يحيي الأرض بعد موتها} ثم نبه بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها، فقال تعالى: { إن ذلك لمحيي الموتى} أي إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات { وهو على كل شيء قدير } . ثم قال تعالى: { ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون} ، يقول تعالى: { ولئن أرسلنا ريحاً} يابسة على الزرع الذي زرعوه، ونبت وشب واستوى على سوقه { فرأوه مصفرا} أي قد اصفر وشرع في الفساد { لظلوا من بعده} أي بعد هذا الحال { يكفرون} أي يجحدون ما تقدم إليهم من النعم، كقوله تعالى: { أفرأيتم ما تحرثون - إلى قوله - بل نحن محرمون} ، قال ابن أبي حاتم عن عبيد اللّه بن عمرو قال: الرياح ثمانية: أربعة منها رحمة، وأربعة منها عذاب، فأما الرحمة: فالناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذرايات، وأما العذاب: فالعقيم، والصرصر - وهما في البر - والعاصف والقاصف وهما في البحر، فإذا شاء سبحانه وتعالى حركه بحركة الرحمة، فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته ولاقحاً للسحاب تلقحه بحمله الماء كما يلقح الذكر الأنثى بالحمل، وإن شاء حركه بحركة العذاب، فجعله عقيماً وأودعه عذاباً أليماً وجعله نقمة على من يشاء من عباده، فيجعله صرصراً وعاتياً ومفسداً لما يمر عليه؛ والرياح مختلفة في مهابها، صَبا ودَبُور وجَنوب وشَمال، وفي منفعتها وتأثيرها أعظم اختلاف، فريح لينة رطبة تغذي النبات وأبدان الحيوان، وأخرى تجففه، وأخرى تهلكه وتعطبه، وأخرى تسيره وتصلبه، وأخرى توهنه وتضعفه ""أخرجه ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمرو موقوفاً"".

تفسير الجلالين

{ ولئن } لام قسم { أرسلنا ريحا} مضرة على نبات { فرأوهُ مصفرا لظلوا } صاروا جواب القسم { من بعده } أي بعد إصفراره { يكفرون } يجحدون النعمة بالمطر.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْده يَكْفُرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا مُفْسِدَة مَا أَنْبَتَهُ الْغَيْث الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء , فَرَأَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَصَابَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ الْغَيْث الَّذِي حَيِيَتْ بِهِ أَرَضُوهُمْ , وَأَعْشَبَتْ وَنَبَتَتْ بِهِ زُرُوعهمْ , مَا أَنْبَتَتْهُ أَرَضُوهُمْ بِذَلِكَ الْغَيْث مِنْ الزَّرْع مُصْفَرًّا , قَدْ فَسَدَ بِتِلْكَ الرِّيح الَّتِي أَرْسَلْنَاهَا , فَصَارَ مِنْ بَعْد خُضْرَته مُصْفَرًّا , لَظَلُّوا مِنْ بَعْد اِسْتِبْشَارهمْ وَفَرْحَتهمْ بِهِ يَكْفُرُونَ بِرَبِّهِمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْده يَكْفُرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا مُفْسِدَة مَا أَنْبَتَهُ الْغَيْث الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء , فَرَأَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَصَابَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ الْغَيْث الَّذِي حَيِيَتْ بِهِ أَرَضُوهُمْ , وَأَعْشَبَتْ وَنَبَتَتْ بِهِ زُرُوعهمْ , مَا أَنْبَتَتْهُ أَرَضُوهُمْ بِذَلِكَ الْغَيْث مِنْ الزَّرْع مُصْفَرًّا , قَدْ فَسَدَ بِتِلْكَ الرِّيح الَّتِي أَرْسَلْنَاهَا , فَصَارَ مِنْ بَعْد خُضْرَته مُصْفَرًّا , لَظَلُّوا مِنْ بَعْد اِسْتِبْشَارهمْ وَفَرْحَتهمْ بِهِ يَكْفُرُونَ بِرَبِّهِمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا} يعني الريح، والريح يجوز تذكيره. قال محمد بن يزيد : لا يمتنع تذكير كل مؤنث غير حقيقي، نحو أعجبني الدار وشبهه. وقيل : فرأوا السحاب. وقال ابن عباس : الزرع، وهو الأثر؛ والمعنى : فرأوا الأثر مصفرا؛ واصفرار الزرع بعد اخضراره يدل على يبسه، وكذا السحاب يدل على أنه لا يمطر، والريح على أنها لا تلقح { لظلوا من بعده يكفرون} أي ليظلن؛ وحسن وقوع الماضي في موضع المستقبل لما في الكلام من معنى المجازاة، والمجازاة لا تكون إلا بالمستقبل؛ قاله الخليل وغيره.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لك أن تلحظ الفرق بين أسلوب هذه الآية { وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً... } [الروم: 51] والآية السابقة
{  ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ... }
[الروم: 48] فيرسل: مضارع دالٌّ على الاستمرار، والرياح كما قلنا لا تُستعمل إلا في الخير، فكأن إرسال الرياح أمر متوافر، وكثيراً ما يحدث فضلاً من الله وتكرُّماً.

أما هنا، وفي الحديث عن الريح، وسبق أن قُلْنا: إنها لا تستعمل إلا في الشر، فلم يقُلْ يرسل، بل اختار (إن) الدالة على الشك، والفعل الماضي الدال على الانتهاء لماذا؟ لأن ريح الشر نادراً ما تحدث، ونادراً ما يُسلِّطها الله على عباده، فمثلاً ريح السَّمُوم تأتي مرة في السنة، كذلك الريح العقيم جاءتْ في الماضي مرة واحدة، كذلك الريح الصرصر العاتية.

إذن: فهي قليلة نادرة، ومع ذلك إنْ أصابتهم يجزعون وييأسون، وهذا لا ينبغي منهم، أليست لهم سابقة في عدم اليأس حين يئسوا من إرسال الرياح، فأرسلها الله عليهم ومن إنزال المطر فأنزله الله لهم، فلماذا القنوط والرب موجود؟

ومعنى { فَرَأَوْهُ... } [الروم: 51] أي: رأوا الزرع الذي كان أخضر نضراً { مُصْفَرّاً... } [الروم: 51] أي: متغيراً ذابلاً { لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } [الروم: 51] يكفرون باليأس الذي يعزل الحق سبحانه عن الأحداث، مع أن لهم سابقة، وقد يئسوا وفرَّج الله عليهم.

ذلك لأن الإنسان لا صبرَ له على البلاء، فإنْ أصابه سرعان ما يجزع، ولو قال أنا لي رب أفزع إليه فيرفع عني البلاء، وأن له حكمة سأعرفها لاستراحَ ولهانَ عليه الأمر.

ولك أنْ تسأل: لماذا قال القرآن { وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا... } [الروم: 51] ولم يقُلْ وإن؟ قالوا: هذه اللام الزائدة يُسمُّونها اللام واو القسم واللام مُوطِّئة له، وللحق سبحانه أن يقسم بما يشاء على ما يشاء، وكل قسم يحتاج إلى جواب، تقول: والله لأضربنَّك.

كذلك الشرط في (إن) يحتاج إلى جواب للشرط، والحق سبحانه هنا مزج بين القسمَ والشرط في جملة واحدة، فإنْ قلت فالجواب هنا للقسمَ أم للشرط؟

قالوا: فطنة العرب تأبى أنْ يوجد جوابان في جملة واحدة، فيأتي السياق بجواب واحد نستغني به عن الجواب الآخر، والجواب يكون لما تقدَّم، فإنْ تقدم القسَم فالجواب للقسم، وإنْ تقدَّم الشرط فالجواب للشرط. وهنا { وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً... } [الروم: 51] قدم القسم؛ لأن التقدير: والله لئن أرسلنا ريحاً..

وكلمة { لَّظَلُّواْ... } [الروم: 51] مأخوذة من الظل وظلَّ فعل مَاضٍ ناقص مثل بات يعني في البيتوتة، وأضحى يعني: استمر في وقت الضحى، وأمسى في وقت المساء، كذلك ظلَّ أي: استمر في الوقت الذي فيه ظِلٌّ يعني: طوال النهار، إذن: نأخذ الزمن من المشتق منه.

ثم يقول الحق سبحانه: { فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ... }.


www.alro7.net