سورة
اية:

فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن القوم أنه لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم لاحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول، فلما جاءهم الحق من عنده على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم، قالوا على وجه التعنت والعناد، والكفر والإلحاد: { لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} الآية، يعنون مثل العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وتنقيص الزوع والثمار مما يضيق على أعداء اللّه، وكفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى إلى غير ذلك من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة، التي أجراها اللّه تعالى على يدي موسى عليه السلام، حجة وبرهاناً له على فرعون وملئه، ومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه، بل كفروا بموسى وأخيه هارون، كما قالوا لهما: { أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا} ، وقال تعالى: { فكذبوهما فكانوا من المهلكين} ، ولهذا قال ههنا: { أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} أي أولم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة، { قالوا ساحران تظاهرا} أي تعاونا، { وقالوا إنا بكل كافرون} أي بكل منهما كافرون، قال مجاهد: أمرت اليهود قريشاً أن يقولوا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ذلك، فقال اللّه: { أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا} قال: يعني موسى وهارون صلى اللّه عليه وسلم { تظاهرا} أي تعاونا وتناصرا وصدق كل منها الآخر، وهذا قول جيد قوي، وعن ابن عباس: { قالوا ساحران تظاهرا} قال: يعنون موسى ومحمداً صلى اللّه عليه وسلم وهذا رواية الحسن البصري، وأما من قرأ { سحران تظاهرا} فروي عن ابن عباس: يعنون التوراة والقرآن، قال السدي: يعني صدّق كل واحد منهما الآخر، وقال عكرمة: يعنون التوراة والإنجيل واختاره ابن جرير، والظاهر أنهم يعنون التوراة والقرآن لأنه قال بعده: { قل فأتوا بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما أتبعه} ، وكثيراً ما يقرن اللّه بين التوراة والقرآن، كما في قوله تعالى: { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس - إلى أن قال - وهذا كتاب أنزلناه مبارك} ، وقال في آخر السورة { ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن} الآية، وقال: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} . وقد علم بالضرورة لذوي الألباب، أن اللّه تعالى لم ينزل كتاباً من السماء - فيما أنزل من الكتب المتعددة على أنبيائه - أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف، من الكتاب الذي أنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم، وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى عليه السلام، وهو الكتاب الذي قال اللّه فيه: { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} والإنجيل إنما أنزل متمماً للتوراة، ومحلا لبعض ما حرم بني إسرائيل. ولهذا قال تعالى: { قل فأتوا بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين} أي فيما تدافعون به الحق وتعارضون به من الباطل، قال اللّه تعالى: { فإن لم يستجيبوا لك} أي فإن لم يجيبوك عما قلت لهم ولم يتبعوا الحق { فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} أي بلا دليل ولا حجة، { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من اللّه} أي بغير حجة مأخوذة من كتاب اللّه، { إن اللّه لا يهدي القوم الظالمين} ، وقوله تعالى: { ولقد وصلنا لهم القول} قال مجاهد: فصلنا لهم القول، وقال السدي: بيَّنا لهم القول، وقال قتادة، يقول تعالى: أخبرهم كيف صنع بمن مضى وكيف هو صانع { لعلهم يتذكرون} .

تفسير الجلالين

{ فإن لم يستجيبوا لك } دعاءك بالإتيان بكتاب { فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } في كفرهم { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله } أي لا أضل منه { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } الكافرين.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِنْ لَمْ يُجِبْك هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل : سِحْرَانِ تَظَاهَرَا , الزَّاعِمُونَ أَنَّ الْحَقّ فِي غَيْرهمَا , مِنْ الْيَهُود يَا مُحَمَّد , إِلَى أَنْ يَأْتُوك بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه , هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا , فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ , وَأَنَّ الَّذِي يَنْطِقُونَ بِهِ , وَيَقُولُونَ فِي الْكِتَابَيْنِ , قَوْل كَذِب وَبَاطِل , لَا حَقِيقَة لَهُ , وَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يَقُول : أَوَلَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَم أَنَّ مَا قَالَ الْقَائِلُونَ مِنْ الْيَهُود وَغَيْرهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مِنْ الْإِفْك وَالزُّور , الْمُسَمُّوهُمَا سِحْرَيْنِ : بَاطِل مِنْ الْقَوْل , إِلَّا بِأَنْ لَا يُجِيبُوهُ إِلَى إِتْيَانهمْ بِكِتَابٍ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا ؟ قِيلَ : هَذَا كَلَام خَرَجَ مَخْرَج الْخِطَاب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد بِهِ الْمَقُول لَهُمْ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْل مِنْ كُفَّار قُرَيْش , وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِمُشْرِكِي قُرَيْش : أَوَلَمْ يَكْفُر هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرُوكُمْ أَنْ تَقُولُوا : هَلَّا أُوتِيَ مُحَمَّد مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى , بِاَلَّذِي أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْل هَذَا الْقُرْآن , وَيَقُولُوا لِلَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَعَلَى عِيسَى { سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } فَقُولُوا لَهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى سِحْر , فَأْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه , هُوَ أَهْدَى مِنْ كِتَابَيْهِمَا , فَإِنْ هُمْ لَمْ يُجِيبُوكُمْ إِلَى ذَلِكَ فَاعْلَمُوا أَنَّهُمْ كَذْبَة , وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ فِي تَكْذِيبهمْ مُحَمَّدًا , وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه أَهْوَاء أَنْفُسهمْ , وَيَتْرُكُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِنْ لَمْ يُجِبْك هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل : سِحْرَانِ تَظَاهَرَا , الزَّاعِمُونَ أَنَّ الْحَقّ فِي غَيْرهمَا , مِنْ الْيَهُود يَا مُحَمَّد , إِلَى أَنْ يَأْتُوك بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه , هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا , فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ , وَأَنَّ الَّذِي يَنْطِقُونَ بِهِ , وَيَقُولُونَ فِي الْكِتَابَيْنِ , قَوْل كَذِب وَبَاطِل , لَا حَقِيقَة لَهُ , وَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يَقُول : أَوَلَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَم أَنَّ مَا قَالَ الْقَائِلُونَ مِنْ الْيَهُود وَغَيْرهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مِنْ الْإِفْك وَالزُّور , الْمُسَمُّوهُمَا سِحْرَيْنِ : بَاطِل مِنْ الْقَوْل , إِلَّا بِأَنْ لَا يُجِيبُوهُ إِلَى إِتْيَانهمْ بِكِتَابٍ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا ؟ قِيلَ : هَذَا كَلَام خَرَجَ مَخْرَج الْخِطَاب لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد بِهِ الْمَقُول لَهُمْ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْل مِنْ كُفَّار قُرَيْش , وَذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِمُشْرِكِي قُرَيْش : أَوَلَمْ يَكْفُر هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرُوكُمْ أَنْ تَقُولُوا : هَلَّا أُوتِيَ مُحَمَّد مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى , بِاَلَّذِي أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْل هَذَا الْقُرْآن , وَيَقُولُوا لِلَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَعَلَى عِيسَى { سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } فَقُولُوا لَهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى سِحْر , فَأْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه , هُوَ أَهْدَى مِنْ كِتَابَيْهِمَا , فَإِنْ هُمْ لَمْ يُجِيبُوكُمْ إِلَى ذَلِكَ فَاعْلَمُوا أَنَّهُمْ كَذْبَة , وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ فِي تَكْذِيبهمْ مُحَمَّدًا , وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه أَهْوَاء أَنْفُسهمْ , وَيَتْرُكُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .' يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ أَضَلّ عَنْ طَرِيق الرَّشَاد , وَسَبِيل السَّدَاد مِمَّنْ اِتَّبَعَ هَوَى نَفْسه بِغَيْرِ بَيَان مِنْ عِنْد اللَّه , وَعَهْد مِنْ اللَّه , وَيَتْرُك عَهْد اللَّه الَّذِي عَهِدَهُ إِلَى خَلْقه فِي وَحْيه وَتَنْزِيله .يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ أَضَلّ عَنْ طَرِيق الرَّشَاد , وَسَبِيل السَّدَاد مِمَّنْ اِتَّبَعَ هَوَى نَفْسه بِغَيْرِ بَيَان مِنْ عِنْد اللَّه , وَعَهْد مِنْ اللَّه , وَيَتْرُك عَهْد اللَّه الَّذِي عَهِدَهُ إِلَى خَلْقه فِي وَحْيه وَتَنْزِيله .' يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه لَا يُوَفِّق لِإِصَابَةِ الْحَقّ وَسَبِيل الرُّشْد الْقَوْم الَّذِينَ خَالَفُوا أَمْر اللَّه وَتَرَكُوا طَاعَته , وَكَذَّبُوا رَسُوله , وَبَدَّلُوا عَهْده , وَاتَّبَعُوا أَهْوَاء أَنْفُسهمْ إِيثَارًا مِنْهُمْ لِطَاعَةِ الشَّيْطَان عَلَى طَاعَة رَبّهمْ.يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه لَا يُوَفِّق لِإِصَابَةِ الْحَقّ وَسَبِيل الرُّشْد الْقَوْم الَّذِينَ خَالَفُوا أَمْر اللَّه وَتَرَكُوا طَاعَته , وَكَذَّبُوا رَسُوله , وَبَدَّلُوا عَهْده , وَاتَّبَعُوا أَهْوَاء أَنْفُسهمْ إِيثَارًا مِنْهُمْ لِطَاعَةِ الشَّيْطَان عَلَى طَاعَة رَبّهمْ.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه} أي قل يا محمد إذا كفرتم معاشر المشركين بهذين الكتابين { فاتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه} ليكون ذلك عذرا لكم في الكفر { إن كنتم صادقين} في أنهما سحران أو فأتوا بكتاب هو أهدى من كتابي موسى ومحمد عليهما السلام وهذا يقوي قراءة الكوفيين { سحران} . { أتبعه} قال الفراء : بالرفع؛ لأنه صفة للكتاب وكتاب نكرة قال : وبذا جزمت - هو الوجه - فعلى الشرط. قوله تعالى: { فإن لم يستجيبوا لك} يا محمد بأن يأتوا بكتاب من عند الله { فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} أي آراء قلوبهم وما يستحسنونه ويحببه لهم الشيطان، وإنه لا حجة لهم { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} أي لا أحد أضل منه { إن الله لا يهدي القوم الظالمين} . قوله تعالى: { ولقد وصلنا لهم القول} أي أتبعنا بعضه بعضا، وبعثنا رسولا بعد رسول وقرأ الحسن { وصلنا} مخففا وقال أبو عبيدة والأخفش : معنى { وصلنا} أتممنا كصلتك الشيء وقال ابن عيينه والسدي : بيّنا وقاله ابن عباس وقال مجاهد : فصلنا وكذلك كان يقرؤها. وقال ابن زيد : وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم في الآخرة في الدنيا وقال أهل المعاني : وَاَلينا وتابعنا وأنزلنا القرآن تبع بعضه بعضا : وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا ونصائح ومواعظ إرادة أن يتذكروا فيفلحوا وأصلها من وصل الحبال بعضها ببعض قال الشاعر : فقل لبني مروان ما بال ذمة ** وحبل ضعيف ما يزال يوصل وقال امرؤ القيس : درير كخذروف الوليد أمره ** تقلب كفيه بخيط موصل والضمير في { لهم} لقريش؛ عن مجاهد وقيل : هو لليهود وقيل : هو لهم جميعا. والآية رد على من قال هلا أوتي محمد القرآن جملة واحدة { لعلهم يتذكرون} قال ابن عباس : يتذكرون محمدا فيؤمنوا به. وقيل : يتذكرون فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم؛ قاله علي بن عيسى وقيل : لعلهم يتعظون بالقرآن عن عبادة الأصنام. حكاه النقاش.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 47 - 54

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهذا يعني أن الله تعالى لم يطاوعهم إلى ما أرادوا، فلم يَأْتِهم بكتاب آخر، لكن كيف كان سيأتيهم هذا الكتاب؟ يجيب الحق - تبارك وتعالى - على هذا السؤال بقوله تعالى:
{  لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }
[الزخرف: 31].

إذن: الكلام عندهم ليس في الكتاب، إنما فيمن أُنزِل عليه الكتاب، وهذا معنى: { فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ... } [القصص: 50].

ثم يقول سبحانه: { وَمَنْ أَضَلُّ... } [القصص: 50] يعني لا أضل { مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ... } [القصص: 50] أي: أتبع هوى نفسه، أما إنْ وافق هواه هوى المشرِّع، فهذا أمر محمود أوضحه رسول الله في الحديث الشريف: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ".

فنحن في هذه الحالة لا نتبع الهوى إنما نتبع الشرع؛ لذلك يقول أحد الصالحين الذين أفنوا عمرهم في الطاعة والعبادة: اللهم إنِّي أخشى ألاَّ تثيبني على طاعتي؛ لأنك أمرتنا أنْ نحارب شهوات أنفسنا، وقد أصبحت أحب الطاعة حتى صارت شهوة عندي.

وأضلُّ الضلال أن يتبع الإنسان هواه؛ لأن الأهواء متضاربة في الخَلْق تضارب الغايات، لذلك المتقابلات في الأحداث موجودة في الكون.

وقد عبَّر المتنبي عن هذا التضارب، فقال:
أَرَى كُلَّنَا يَبْغي الحياةَ لنفسهِ   حَرِيصاً عَليها مُسْتهاماً بها صبَّا
فحبُّ الجبانِ النفس أوردَهُ التقى   وحُبُّ الشجاع النفسَ أَوردَهُ الحَربَا
فنحن جميعاً نحب الحياة ونحرص عليها، لكن تختلف وسائلنا، فالجبان لحبه الحياة يهرب من الحرب، والشجاع يُلقي بنفسه في معمعتها مع أنه مُحِبٌّ للحياة، لكنه محب لحياة أخرى أبقى، هي حياة الشهيد.

وآخر يقول:
كُلُّ مَنْ في الوُجودِ يطلبُ صَيْداً   غير أنَّ الشباك مُختلِفَات
فالرجل الذي يتصدق بما معه رغم حاجته إليه، لكنه رأى مَنْ هو أحوج منه، وفيه قال تعالى:
{  وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ... }
[الحشر: 9].

نقول: هذا آثر الفقير على نفسه، لكنه من ناحية أخرى يبغي الأجر ويطمع في عَشْرة أمثال ما أنفق، بل يطمع في الجنة، إذن: المسألة فيها نفعية، فالدين عند المحققين أنانية، لكنها أنانية رفيعة راقية، ليست أنانية حمقاء، الدين يرتقي بصاحبه، ويجعله إيجابياً نافعاً للآخرين، ولا عليه بعد ذلك أن يطلب النفع لنفسه.

فالشرع حين يقول لك: لا تسرق. وحين يأمرك بغضِّ بصرك، وغير ذلك من أوامر الشرع، فإنما يُقيِّد حريتك وأنت واحد، لكن يُقيِّد من أجلك حريات الآخرين جميعاً، فقد أعطاك أكثر مما أخذ منك، فإذا نظرت إلى ما أخذ منك باتباعك للمنهج الإلهي فلا تَنْسَ ما أعطاك.

لذلك حين " نتأمل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعالج داءات النفوس حينما أتاه شاب من الأعراب الذين آمنوا، يشتكي إليه ضَعْفه أمام النساء، وقلة صبره على هذه الشهوة، حتى قال له: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، ومع ذلك لم ينهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل علم أنه أمام مريض يحتاج إلى مَنْ يعالجه، ويستل من نفسه هذه الثورة الجامحة، خاصة وقد صارح رسول الله بما يعاني فكان صادقاً مع نفسه لم يدلس عليها.

لذلك أدناه رسول الله، وقال له: يا أخا العرب، أتحب ذلك لأمك؟ أتحب ذلك لزوجتك؟ أتحب ذلك لأختك؟ أتحب ذلك لابنتك؟ والشاب في كل هذا يقول: لا يا رسول الله جُعِلْتُ فِداك.

عندها قال صلى الله عليه وسلم: " كذلك الناس يا أخا العرب لا يحبون ذلك لأمهاتهم ولا لزوجاتهم ولا لأخواتهم ولا لبناتهم ".

فانصرف الشاب وهو يقول: والله ما شيء أبغض إليَّ من الزنا بعدما سمعتُ من رسول الله، وكلما هَمَّتْ بي شهوة ذكرتُ قول رسول الله في أمي، وزوجتي، وأختي، وابنتي.

فالذي يُجرِّيء الناس على المعصية والولوع بها عدم استحضار العقوبة وعدم النظر في العواقب، وكذلك يزهدون في الطاعة لعدم استحضار الثواب عليها.

وسبق أن قلنا لطلاب الجامعة: هَبُوا أن فتى عنده شَرَه جنسي، فهو شرهٌ منطلق يريد أنْ يقضي شهوته في الحرام، ونريد له أن يتوب فقلنا له: سنوفر لك كل ما تريد على أنْ تُلقي بنفسك في هذا (الفرن) بعد أن تُنهي ليلتك كما تحب، ماذا يصنع؟

ثم يقول تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } [القصص: 50] وفي مواضع أخرى:
{  لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ }
[المائدة: 108]،
{  لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ }
[البقرة: 264]، وكلها دلَّتْ على أن الله لا يصنع عدم الهداية والتقوى - وإلاَّ فقد هدى الله الجميع هداية الدلالة والإرشاد فلم يأخذ بها هؤلاء فحُرِموا هداية الإيمان.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ... }.


www.alro7.net