سورة
اية:

قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد، القائلين استفهام إنكار منهم لذلك: { أئذا كنا عظاما ورفاتا} أي تراباً، { أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} أي يوم القيامة بعد ما بلينا وصرنا عدماً لا نذكر، كما أخبر عنهم في الموضع الآخر: { يقولون إئنا لمردودون في الحافرة . أئذا كنا عظاما نخرة . قالوا تلك إذا كرة خاسرة} ، وقوله تعالى: { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه} الآية، فأمر اللّه سبحانه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يجيبهم، فقال: { قل كونوا حجارة أو حديدا} إذ هما أشد امتناعا من العظام والرفات، { أو خلقا مما يكبر في صدوركم} ، عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك فقال: هو الموت، وعن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية لو كنتم موتى لأحييتكم وكذلك قال سعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحّاك وغيرهم ، ومعنى ذلك أنكم لو فرضتم أنكم لو صرتم إلى الموت الذي هو ضد الحياة لأحياكم اللّه إذا شاء فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده. وقال مجاهد { أو خلقا مما يكبر في صدوركم} يعني السماء والأرض والجبال، وفي رواية: ما شئتم فكونوا فسيعيدكم اللّه بعد موتكم، وقوله تعالى: { فسيقولون من يعيدنا} أي من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديداً أو خلقاً آخر شديداً { قل الذي فطركم أول مرة} أي الذي خلقكم ولم تكونوا شيئاً مذكوراً، ثم صرتم بشراً تنتشرون، فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال: { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} الآية، وقوله تعالى: { فسينغضون إليك رءوسهم} . قال ابن عباس وقتادة: يحركونها استهزاءً، والإنغاض هو التحرك من أسفل إلى أعلى، أو من أعلى إلى أسفل، يقال نغضت سنه: إذا تحركت وارتفعت من منبتها. وقال الراجز: ونغضت من هرم أسنانها. وقوله: { ويقولون متى هو} إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك كما قال تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} ، وقال تعالى: { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} ، وقوله: { قل عسى أن يكون قريبا} أي احذروا ذلك فإنه قريب إليكم سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت قريب، وقوله تعالى: { يوم يدعوكم} أي الرب تبارك وتعالى، { إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} أي إذا أمركم بالخروج منها فإنه لا يخالف ولا يمانع، بل كما قال تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} ، { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كُنْ فيكون} ، وقوله: { فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة} أي إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى: { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} أي تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته، قال ابن عباس { فتستجيبون بحمده} أي بأمره، وقال قتادة: بمعرفته وطاعته، وقال بعضهم { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} أي وله الحمد في كل حال، وقد جاء في الحديث: (ليس على أهل لا إله إلا اللّه وحشة في قبورهم، كأني بأهل لا إله إلا اللّه يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم يقولون لا إله إلا اللّه) وفي رواية يقولون: (الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن) ""الرواية الثانية: أخرجها الطبراني عن ابن عمر""، وقوله تعالى { وتظنون} أي يوم تقومون من قبوركم، { إن لبثتم} أي في الدار الدنيا، { إلا قليلا} كقوله تعالى: { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} . وقال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما} ، وقال تعالى: { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} .

تفسير الجلالين

{ قل } لهم { كونوا حجارة أو حديدا } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ كُونُوا حِجَارَة أَوْ حَدِيدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ بَعْد الْمَمَات مِنْ قَوْمك الْقَائِلِينَ { أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا } : كُونُوا إِنْ عَجِبْتُمْ مِنْ إِنْشَاء اللَّه إِيَّاكُمْ , وَإِعَادَته أَجْسَامكُمْ , خَلْقًا جَدِيدًا بَعْد بِلَاكُمْ فِي التُّرَاب , وَمَصِيركُمْ رُفَاتًا , وَأَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ مِنْ قُدْرَته حِجَارَة أَوْ حَدِيدًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ كُونُوا حِجَارَة أَوْ حَدِيدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ بَعْد الْمَمَات مِنْ قَوْمك الْقَائِلِينَ { أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا } : كُونُوا إِنْ عَجِبْتُمْ مِنْ إِنْشَاء اللَّه إِيَّاكُمْ , وَإِعَادَته أَجْسَامكُمْ , خَلْقًا جَدِيدًا بَعْد بِلَاكُمْ فِي التُّرَاب , وَمَصِيركُمْ رُفَاتًا , وَأَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ مِنْ قُدْرَته حِجَارَة أَوْ حَدِيدًا .'

تفسير القرطبي

أي قل لهم يا محمد كونوا على جهة التعجيز حجارة أو حديدا في الشدة والقوة. قال الطبري : أي إن عجبتم من إنشاء الله لكم عظاما ولحما فكونوا أنتم حجارة أو حديدا إن قدرتم. وقال علي بن عيسى : معناه أنكم لو كنتم حجارة أو حديدا لم تفوتوا الله عز وجل إذا أرادكم؛ إلا أنه خرج مخرج الأمر، لأنه أبلغ في الإلزام. وقيل : معناه لو كنتم حجارة أو حديدا لأعادكم كما بدأكم، ولأماتكم ثم أحياكم. وقال مجاهد : المعنى كونوا ما شئتم فستعادون. النحاس : وهذا قول حسن؛ لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارة، وإنما المعنى أنهم قد أقروا بخالقهم وأنكروا البعث فقيل لهم استشعروا أن تكونوا ما شئتم، فلو كنتم حجارة أو حديدا لبعثتم كما خلقتم أول مرة. { أو خلقا مما يكبر في صدوركم} قال مجاهد : يعني السماوات والأرض والجبال لعظمها في النفوس. وهو معنى قول قتادة. يقول : كونوا ما شئتم، فإن الله يميتكم ثم يبعثكم. وقال ابن عباس وابن عمر وعبدالله بن عمرو بن العاص وابن جبير ومجاهد أيضا وعكرمة وأبو صالح والضحاك : يعني الموت؛ لأنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم منه؛ قال أمية بن أبي الصلت : وللموت خلق في النفوس فظيع يقول : إنكم لو خلقتم من حجارة أو حديد أو كنتم الموت لأميتنكم ولأبعثنكم؛ لأن القدرة التي بها أنشأتكم بها نعيدكم. وهو معنى قوله { فسيقولون من يعيدنا} . وفي الحديث أنه (يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار). وقيل : أراد به البعث؛ لأنه كان أكبر في صدورهم؛ قاله الكلبي. { فطركم} خلقكم وأنشأكم. { فسينغضون إليك رءوسهم} أي يحركون رءوسهم استهزاء؛ يقال : نغض رأسه ينغض وينغض نغضا ونغوضا؛ أي تحرك. وأنغض رأسه أي حركه، كالمتعجب من الشيء؛ ومنه قوله تعالى { فسينغضون إليك رءوسهم} . قال الراجز : أنغض نحوي رأسه وأقنعا ويقال أيضا : نغض فلان رأسه أي حركه؛ يتعدى ولا يتعدى، حكاه الأخفش. ويقال : نغضت سنه؛ أي حركت وانقلعت. قال الراجز : ونغضت من هرم أسنانها وقال آخر : لما رأتني أنغضت لي الرأسا وقال آخر : لا ماء في المقراة إن لم تنهض ** بمسد فوق المحال النغض المحال والمحالة : البكرة العظيمة التي يستقي بها الإبل. { ويقولون متى هو} أي البعث والإعادة وهذا الوقت. { قل عسى أن يكون قريبا} أي هو قريب؛ لأن عسى واحب؛ نظيره { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا} [الأحزاب : 63] و { لعل الساعة قريب} [الشورى : 17]. وكل، ما هو آت فهو قريب.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الاسراء الايات 49 - 55

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: قُلْ ردّاً عليهم: إنْ كُنتم تستبعدون البعث وتَسْتصعبِونه مع أنه بَعْثٌ للعظام والرُّفات، وقد كانت لها حياة في فترة من الفترات، ولها إِلْف بالحياة، فمن السهل أنْ نعيدَ إليها الحياة، بل وأعظم من ذلك، ففي قدرة الخالق سبحانه أنْ يُعيدكم حتى وإنْ كنتم من حجارة أو من حديد، وهي المادة التي ليس بها حياة في نظرهم.

وكأن الحق سبحانه يتحدَّاهم بأبعد الأشياء عن الحياة، ويتدرج بهم من الحجارة إلى الحديد؛ لأن الحديد أشدّ من الحجارة وهو يقطعها، فلو كنتم حجارة لأعدْناكم حجارة، ولو كنتم حديداً لأعدْناكم حديداً.

ثم يترقّي بهم إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقول تعالى: { أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.. }.


www.alro7.net