سورة
اية:

ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منكراً على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكاراً لوقوعها: { عم يتساءلون . عن النبأ العظيم} أي: عن أي شيء يتساءلون عن أمر القيامة، وهو النبأ العظيم: يعني الخبر الهائل المفظع الباهر، قال قتادة: النبأ العظيم: البعث بعد الموت، وقال مجاهد: هو القرآن، والأظهر الأول، لقوله: { الذي هم فيه مختلفون} يعني الناس فيه مؤمن به وكافر، ثم قال تعالى متوعداً لمنكري القيامة: { كلا سيعلمون . ثم كلا سيعلمون} وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، ثم شرع تبارك وتعالى يبين قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة، الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره، فقال: { ألم نجعل الأرض مهاداً} أي ممهدة للخلائق ذلولاً لهم، قارة ساكنة ثابتة { والجبال أوتاداً} أي جعلها لها أوتاداً، أرساها بها وثبتها وقررها، حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها، ثم قال تعالى: { وخلقناكم أزواجاً} يعني ذكراً وأنثى، يتمتع كل منهما بالآخر، ويحصل التناسل بذلك كقوله: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} ، وقوله تعالى: { وجعلنا نومكم سباتاً} أي قطعاً للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد، والسعي في المعايش في عرض النهار، { وجعلنا الليل لباساً} أي يغشى الناس بظلامه وسواده، كما قال: { والليل إذا يغشاها} ، وقال قتادة: { وجعلنا الليل لباساً} أي سكناً، وقوله تعالى: { وجعلنا النهار معاشاً} أي جعلناه مشرقاً نيراً مضيئاً ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعايش والتكسب والتجارات وغير ذلك. وقوله تعالى: { وبنينا فوقكم سبعاً شداداً} يعني السماوات السبع في اتساعها وارتفاعها، وإحكامها وإتقانها وتزينها بالكواكب الثوابت والسيارات، ولهذا قال تعالى: { وجعلنا سراجاً وهاجاً} يعني الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوءها لأهل الأرض كلهم، وقوله تعالى: { وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً} قال ابن عباس: المعصرات: الرياح، تستدر المطر من السحاب، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: من المعصرات أي من السحاب وهو قول عكرمة والضحاك والحسن والربيع بن أنَس الثوري، واختاره ابن جرير وهو الأظهر كما قال ابن كثير وقال الفراء: هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولم تمطر بعد، كما يقال امرأة معصر إذا دنا حيضها ولم تحض، وعن الحسن وقتادة: { من المعصرات} يعني السماوات وهذا قول غريب، والأظهر أن المراد بالمعصرات السحاب، كما قال تعالى: { اللّه الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً فترى الودق يخرج من خلاله} أي من بينه، وقوله جلَّ وعلا: { ماء ثجاجاً} قال مجاهد: { ثجاجاً} : منصبا، وقال الثوري: متتابعاً، وقال ابن زيد: كثيراً، قال ابن جرير: ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة الثج، وإنما الثج: الصب المتتابع، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم: (أفضل الحج العجُّ والثجُّ) يعني صب دماء البدن. قلت: وفي حديث المستحاضة: (إنما أثجُّ ثجًّا) وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصب المتتابع الكثير، واللّه أعلم. وقوله تعالى: { لنخرج به حَبّاً ونباتاً . وجنّات ألفافاً} أي لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك { حباً} يدخر للأناسي والأنعام، { ونباتاً} أي خضراً يؤكل رطبه، { وجنات} أي بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة وألوان مختلفة وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعاً، ولهذا قال: { وجنات ألفافاً} قال ابن عباس وغيره: ألفافاً مجتمعة، وهذه كقوله تعالى: { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} .

تفسير الجلالين

{ ثم كلا سيعلمون } تأكيد وجيء فيه بثم للإيذان بأن الوعيد الثاني أشد من الأول، ثم أومأ تعالى إلى القدرة على البعث فقال:

تفسير الطبري

ثُمَّ أَكَّدَ الْوَعِيد بِتَكْرِيرٍ آخَر , فَقَالَ : مَا الْأَمْر كَمَا يَزْعُمُونَ مِنْ أَنَّ اللَّه غَيْر مُحَيِّيهمْ بَعْد مَمَاتهمْ , وَلَا مُعَاقِبهمْ عَلَى كُفْرهمْ بِهِ , سَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْقَوْل غَيْر مَا قَالُوا إِذَا لَقُوا اللَّه , وَأَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا مِنْ سَيِّئ أَعْمَالهمْ . وَذُكِرَ عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم فِي ذَلِكَ مَا : 27893 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ أَبِي سِنَانِ , عَنْ ثَابِت , عَنْ الضَّحَّاك { كَلَّا سَيَعْلَمُونَ } الْكُفَّار { ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ } الْمُؤْمِنُونَ , وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأهَا . ثُمَّ أَكَّدَ الْوَعِيد بِتَكْرِيرٍ آخَر , فَقَالَ : مَا الْأَمْر كَمَا يَزْعُمُونَ مِنْ أَنَّ اللَّه غَيْر مُحَيِّيهمْ بَعْد مَمَاتهمْ , وَلَا مُعَاقِبهمْ عَلَى كُفْرهمْ بِهِ , سَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْقَوْل غَيْر مَا قَالُوا إِذَا لَقُوا اللَّه , وَأَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا مِنْ سَيِّئ أَعْمَالهمْ . وَذُكِرَ عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم فِي ذَلِكَ مَا : 27893 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ أَبِي سِنَانِ , عَنْ ثَابِت , عَنْ الضَّحَّاك { كَلَّا سَيَعْلَمُونَ } الْكُفَّار { ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ } الْمُؤْمِنُونَ , وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأهَا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { عم} لفظ استفهام؛ ولذلك سقطت منها ألف { ما} ، ليتميز الخبر عن الاستفهام. وكذلك فيم، ومم إذا استفهمت. والمعنى عن أي شيء يسأل بعضهم بعضا. وقال الزجاج : أصل { عم} عن ما فأدغمت النون في الميم، لأنها تشاركها في الغنة. والضمير في { يتساءلون} لقريش. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : كانت قريش تجلس لما نزل القرآن فتتحدث فيما بينها فمنهم المصدق ومنهم المكذب به فنزلت { عم يتساءلون} ؟ وقيل { عم} بمعنى : فيم يتشدد المشركون ويختصمون. قوله تعالى { عن النبأ العظيم} أي يتساءلون { عن النبأ العظيم} فعن ليس تتعلق بـ { يتساءلون} الذي في التلاوة؛ لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام فيكون { عن النبأ العظيم} كقولك : كم مالك أثلاثون أم أربعون؟ فوجب لما ذكرناه من امتناع تعلقه بـ { يتساءلون} الذي في التلاوة، وإنما يتعلق بيتساءلون آخر مضمر. وحسن ذلك لتقدم يتساءلون؛ قال المهدوي. وذكر بعض أهل العلم أن الاستفهام في قوله { عن} مكرر إلا أنه مضمر، كأنه قال عم يتساءلون أعن النبأ العظيم؟ فعلى هذا يكون متصلا بالآية الأولى. و { النبأ العظيم} أي الخبر الكبير. قوله تعالى { الذي هم فيه مختلفون} أي يخالف فيه بعضهم بعضا، فيصدق واحد ويكذب آخر؛ فروى أبو صالح عن ابن عباس قال : هو القرآن؛ دليله قوله { قل هو نبأ عظيم. أنتم عنه معرضون} فالقرآن نبأ وخبر وقصص، وهو نبأ عظيم الشأن. وروى سعيد عن قتادة قال : هو البعث بعد الموت صار الناس فيه رجلين : مصدق ومكذب. وقيل : أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وروي الضحاك عن ابن عباس قال : وذلك أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كثيرة، فأخبره الله جل ثناؤه باختلافهم، ثم هددهم فقال { كلا سيعلمون} أي سيعلمون عاقبة القرآن، أو سيعلمون البعث : أحق هو أم باطل. و { كلا} رد عليهم في إنكارهم البعث أو تكذيبهم القرآن، فيوقف عليها. ويجوز أن يكون بمعنى حقا أو { ألا} فيبدأ بها. والأظهر أن سؤالهم إنما كان عن البعث؛ قال بعض علمائنا : والذي يدل عليه قوله عز وجل { إن يوم الفصل كان ميقاتا} [النبأ : 17] يدل على أنهم كانوا يتساءلون عن البعث. { ثم كلا سيعلمون} أي حقا ليعلمن صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ومما ذكره لهم من البعث بعد الموت. وقال الضحاك { كلا سيعلمون} يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم. { ثم كلا سيعلمون} يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم. وقيل : بالعكس أيضا. وقال الحسن : هو وعيد بعد وعيد. وقراءة العامة فيهما بالياء على الخبر؛ لقوله تعالى { يتساءلون} وقوله { هم فيه مختلفون} . وقرأ الحسن وأبو العالية ومالك بن دينار بالتاء فيهما.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي - صوتي

النبأ من 1 الى 40


www.alro7.net