سورة
اية:

أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

تفسير بن كثير

تقدم في أول سورة البقرة عامة الكلام على ما يتعلق بصدر هذه الآية، وهو أنه سبحانه وتعالى جعل هذا القرآن هدى وشفاء ورحمة للمحسنين، وهم الذين أحسنوا العمل في اتباع الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها، وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، ووصلوا أرحامهم وقراباتهم، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة، فرغبوا إلى اللّه في ثواب ذلك، لم يراؤوا ولا أرادوا جزاء من الناس ولا شكوراً، فمن ذلك كذلك فهو من الذين قال اللّه تعالى: { أولئك على هدى من ربهم} أي على بصيرة وبينة ومنهج واضح جلي { وأولئك هم المفلحون} أي في الدنيا والآخرة.

تفسير الجلالين

{ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } الفائزون.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْت صِفَتهمْ عَلَى بَيَان مِنْ رَبّهمْ وَنُور { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } يَقُول : وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُنْجِحُونَ الْمُدْرِكُونَ مَا رَجَوْا وَأَمَلُوا مِنْ ثَوَاب رَبّهمْ يَوْم الْقِيَامَة. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْت صِفَتهمْ عَلَى بَيَان مِنْ رَبّهمْ وَنُور { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } يَقُول : وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُنْجِحُونَ الْمُدْرِكُونَ مَا رَجَوْا وَأَمَلُوا مِنْ ثَوَاب رَبّهمْ يَوْم الْقِيَامَة.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { الم، تلك آيات الكتاب الحكيم} مضى الكلام في فواتح السور. و { تلك} في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي هذه تلك. ويقال: "تيك آيات الكتاب الحكيم" بدلا من تلك. والكتاب : القرآن. والحكيم : المحكم؛ أي لا خلل فيه ولا تناقض. وقيل ذو الحكمة وقيل الحاكم { هدى ورحمة} بالنصب على الحال؛ مثل { هذه ناقة الله لكم آية} الأعراف : 73] وهذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم والكسائي. وقرأ حمزة { هدى ورحمة} بالرفع، وهو من وجهين : أحدهما : على إضمار مبتدأ؛ لأنه أول آية. والآخر : أن يكون خبر { تلك} . والمحسن : الذي يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه. وقيل : هم المحسنون في الدين وهو الإسلام؛ قال الله تعالى: { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله} النساء : 125] الآية. { الذين يقيمون الصلاة} في موضع الصفة، ويجوز الرفع على القطع بمعنى : هم الذين، والنصب بإضمار أعني. وقد مضى الكلام في هذه الآيات.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة لقمان الايات 5 - 6

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وصف الحق سبحانه قرآنه بأنه هدى، أما هنا فيقول: { أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى } [لقمان: 5] والمتكلم هو الله - عز وجل - فلا بُدَّ أنْ نتأمل المعنى، ربنا عز وجل يريد أنْ يقول لنا نعم القرآن هُدى، لكن إياك أنْ تظن أنك حين تتبع هذا الهدى تنفعه بشيء، إنما المنتفع بالهداية أنت، فحين تكون على الهدى يدلُّك ويسير بك إلى الخير، فالهدى كأنه مطية يُوصِّلك إلى الخير والصلاح، فأنت مُسْتعلٍ على الهدى إنْ قَبِلْتَه، وإنْ كان هو مُسْتَعلياً عليك تشريعاً.

ثم هو هدى ممَّنْ؟ { هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ } [لقمان: 5] ممن لا يستدرك عليه، فإنْ دلَّك دلَّك بحق، وهَبْ أن البشر اهتدوْا إلى شيء فيه خير، لكن بعد فترة يعارضون هم أنفسهم هذا الطريق، ويكتشفون له مضارّ ومثالب، ويستدركون عليه، وربما يعدلون عنه إلى غيره، وكم هي القوانين البشرية التي أُلغيت أو عُدِّلت؟

إذن: الهداية والدلالة الحقة لا تكون إلا لله، والقانون الذي ينبغي أن يحكمنا ونطمئن إليه لا يكون إلا لله، لماذا؟ لأن البشر ربما ينتفعون من قوانينهم، وقد تتحكم فيهم الأهواء أو يميلون لشخص على حساب الآخر، أما الحق - سبحانه وتعالى - فهو وحده سبحانه الذي لا ينتفع بشبء مما شرع لعباده، ولا يحابي أحداً على حساب أحد، والعباد كلهم عباده وعنده سواء.

لذلك يطمئننا الحق سبحانه على تشريعه وعدالته سبحانه، فيقول
{  مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً }
[الجن: 3] يعني: اطمئنوا، فربكم ليس له صاحبة تؤثر عليه، ولا ولد يظلم الناس فيحابيه، فأنتم جميعاً عنده سواسية.

ثم هناك فَرْق بين هُدى من الله، وهدى من الرب، فالرب هو الذي ربَّاك، هو الذي أوجدك من عَدم، وأمدك من عُدْم، وأعطاك قبل أنْ تعرف السؤال، وتركك تربع في كونه وتتمتع بنعمه.

لذلك يُعلمك ربك: إياك أنْ تسألني عن رزق غدٍ؛ لأنني رزقْتُك قبل أنْ تعرف أن تسأل، ثم لم أطالبك بعبادة غدٍ، إذن: ليكُنْ العبد مؤدباً مع ربه عزوجل.

وهكذا نتبين أن الربوبية عطاء، أما الألوهية فتكليف.

ثم يخبر الحق سبحانه عنهم بخبر آخر { وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } [لقمان: 5] فالفلاح نتيجة الهدى الذي ساروا عليه واتبعوه، كما قال تعالى:
{  قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ }
[المؤمنون: 1].

الفلاح أصله من فلاحة الأرض بالحرث والبَذْر والسَّقْى..الخ، فاستعارها أسلوب القرآن للعمل الصالح، ووجه الشبه بين الأمرين واضح، فالفلاح يلقى الحبة فيضاعفها له ربه سبعمائة حبة، كذلك العمل الصالح يُضَاعَف لصاحبه، فالحسنة عند الله بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف
{  وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ }
[البقرة: 261]

واقرأ في كتاب الله هذا المثل:
{  مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }
[البقرة: 261].

وتأمل الاستدلال هنا: إذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعطي كل هذا العطاء، فكيف يكون عطاء مَنْ خلقها؟ إذن: فهم لاشكَّ مفلحون أي: فائزون بالثمرة الطيبة التي تفوق ما بذلوه من مشقة، كما يزرع الفلاح الأرض فتعطيه أضعاف ما وُضِح فيها.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ... }.


www.alro7.net