سورة
اية:

بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ

تفسير بن كثير

هذا تنبيه من اللّه عزَّ وجلَّ على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها، أي لا يعملون لها ولا يستعدون من أجلها، روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم { في غفلة معرضون} قال: (في الدنيا) ""الحديث أخرجه النسائي عن أبي سعيد الخدري"". وقال تعالى: { أتى أمر اللّه فلا تستعجلوه} . وقال أبو العتاهية: الناس في غفلاتهم * ورحا المنية تطحن وروي عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم مثواه وكلم فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وادياً في العرب، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: { اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} ؛ ثم أخبر تعالى أنهم لا يصغون إلى الوحي الذي أنزل اللّه على رسوله، والخطابُ مع قريش ومن شابههم من الكفار فقال: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} أي جديد إنزاله { إلا استمعوه وهم يلعبون} ، كما قال ابن عباس: ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرَّفوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدث الكتب باللّه تقرأونه محضاً لم يُشب ""أخرجه البخاري بنحوه""، ـ ومعنى لم يُشَب: أي لم يخلط بغيره من الأباطيل والأضاليل . وقوله: { وأسروا النجوى الذين ظلموا} أي قائلين فيما بينهم خفية { هل هذا إلا بشر مثلكم} يعنون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستبعدون كونه نبياً لأنه بشر مثلهم فكيف اختص بالوحي دونهم، ولهذا قال { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} أي أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر وهو يعلم أنه سحر، فقال تعالى مجيباً لهم عما اقترفوه واختلقوه من الكذب { قال ربي يعلم القول في السماء والأرض} أي الذي يعلم ذلك لا يخفى عليه خافية وهو الذي أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين، الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله إلا الذي يعلم السر في السماوات والأرض. وقوله تعالى: { وهو السميع العليم} أي السميع لأقوالكم العليم بأحوالكم، وفي هذا تهديد لكم ووعيد، وقوله: { بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه} ، هذا إخبارعن تعنت الكفار وإلحادهم واختلافهم فيما يصفون به القرآن وحيرتهم فيه وضلالهم عنه؛ فتارة يجعلونه سحراً، وتارة يجعلونه شعراً، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة يجعلونه مفترى، كما قال: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً} ، وقوله: { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} يعنون كناقة صالح وآيات موسى وعيسى، وقد قال اللّه: { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} الآية. ولهذا قال تعالى: { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون} ""أخرج ابن جرير عن قتادة قال، قال أهل مكة للنبي عليه السلام: إن كان ما تقول حقاً ويسرك أن نؤمن، فحول لنا الصفا ذهباً، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم يُنْظَرُوا، وإن شئت استأنيت بقومك. فنزلت الآية: { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها} ""أي ما آتينا قرية من القرى التي بعث فيها الرسل آية على أيدي نبيها فآمنوا بها بل كذبوا فأهلكناهم بذلك أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رأوها دون أولئك؟ كلا، بل { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون . ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} هذا كله، وقد شاهدوا من الآيات الباهرات والحجج القاطعات، والدلائل البينات على يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ما هو أظهر وأجلى وأبهر وأقطع وأقهر مما شوهد مع غيره من الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين.

تفسير الجلالين

{ بل } للانتقال من غرض إلى آخر في المواضع الثلاثة { قالوا } فيما أتى به من القرآن هو { أضغاث أحلام } أخلاط رآها في النوم { بل افتراه } اختلقه { بل هو شاعر } فما أتى به شعر { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } كالناقة والعصا واليد قال تعالى :

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ قَالُوا أَضْغَاث أَحْلَام بَلْ اِفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِر فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا صَدَّقُوا بِحِكْمَةِ هَذَا الْقُرْآن وَلَا أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه , وَلَا أَقَرُّوا بِأَنَّهُ وَحْي أَوْحَى اللَّه إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; بَلْ قَالَ بَعْضهمْ : هُوَ أَهَاوِيل رُؤْيَا رَآهَا فِي النَّوْم , وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ فِرْيَة وَاخْتِلَاق اِفْتَرَاهُ وَاخْتَلَقَهُ مِنْ قِبَل نَفْسه , وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ مُحَمَّد شَاعِر , وَهَذَا الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ شِعْر . { فَلْيَأْتِنَا } يَقُول : قَالُوا فَلْيَجِئْنَا مُحَمَّد إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْله إِنَّ اللَّه بَعَثَهُ رَسُولًا إِلَيْنَا وَإِنَّ هَذَا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْنَا وَحْي مِنْ اللَّه أَوْحَاهُ إِلَيْنَا , { بِآيَةٍ } يَقُول : بِحُجَّةٍ وَدَلَالَة عَلَى حَقِيقَة مَا يَقُول وَيَدَّعِي , { كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } يَقُول : كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُل الْأَوَّلُونَ مِنْ قَوْله مِنْ إِحْيَاء الْمَوْتَى وَإِبْرَاء الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص وَكَنَاقَةِ صَالِح , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْجِزَات الَّتِي لَا يَقْدِر عَلَيْهَا إِلَّا اللَّه وَلَا يَأْتِي بِهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18466 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَضْغَاث أَحْلَام } أَيْ فِعْل حَالِم , إِنَّمَا هِيَ رُؤْيَا رَآهَا . { بَلْ اِفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِر } كُلّ هَذَا قَدْ كَانَ مِنْهُمْ . وَقَوْله " { فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } يَقُول : كَمَا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ وَمُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ , وَالرُّسُل . 18467 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَضْغَاث أَحْلَام } قَالَ : مُشْتَبِهَة . 18468 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { أَضْغَاث أَحْلَام } قَالَ أَهَاوِيلهَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { بَلْ قَالُوا } وَلَا جَحْد فِي الْكَلَام ظَاهِر فَيُحَقَّق بِ " بَلْ " , لِأَنَّ الْخَبَر عَنْ أَهْل الْجُحُود وَالتَّكْذِيب , فَاجْتُزِيَ بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله " بَلْ " مِنْ ذِكْر الْخَبَر عَنْهُمْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ قَالُوا أَضْغَاث أَحْلَام بَلْ اِفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِر فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا صَدَّقُوا بِحِكْمَةِ هَذَا الْقُرْآن وَلَا أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه , وَلَا أَقَرُّوا بِأَنَّهُ وَحْي أَوْحَى اللَّه إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; بَلْ قَالَ بَعْضهمْ : هُوَ أَهَاوِيل رُؤْيَا رَآهَا فِي النَّوْم , وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ فِرْيَة وَاخْتِلَاق اِفْتَرَاهُ وَاخْتَلَقَهُ مِنْ قِبَل نَفْسه , وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ مُحَمَّد شَاعِر , وَهَذَا الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ شِعْر . { فَلْيَأْتِنَا } يَقُول : قَالُوا فَلْيَجِئْنَا مُحَمَّد إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْله إِنَّ اللَّه بَعَثَهُ رَسُولًا إِلَيْنَا وَإِنَّ هَذَا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْنَا وَحْي مِنْ اللَّه أَوْحَاهُ إِلَيْنَا , { بِآيَةٍ } يَقُول : بِحُجَّةٍ وَدَلَالَة عَلَى حَقِيقَة مَا يَقُول وَيَدَّعِي , { كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } يَقُول : كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُل الْأَوَّلُونَ مِنْ قَوْله مِنْ إِحْيَاء الْمَوْتَى وَإِبْرَاء الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص وَكَنَاقَةِ صَالِح , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْجِزَات الَّتِي لَا يَقْدِر عَلَيْهَا إِلَّا اللَّه وَلَا يَأْتِي بِهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18466 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَضْغَاث أَحْلَام } أَيْ فِعْل حَالِم , إِنَّمَا هِيَ رُؤْيَا رَآهَا . { بَلْ اِفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِر } كُلّ هَذَا قَدْ كَانَ مِنْهُمْ . وَقَوْله " { فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } يَقُول : كَمَا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ وَمُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ , وَالرُّسُل . 18467 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَضْغَاث أَحْلَام } قَالَ : مُشْتَبِهَة . 18468 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { أَضْغَاث أَحْلَام } قَالَ أَهَاوِيلهَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { بَلْ قَالُوا } وَلَا جَحْد فِي الْكَلَام ظَاهِر فَيُحَقَّق بِ " بَلْ " , لِأَنَّ الْخَبَر عَنْ أَهْل الْجُحُود وَالتَّكْذِيب , فَاجْتُزِيَ بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله " بَلْ " مِنْ ذِكْر الْخَبَر عَنْهُمْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قال ربي يعلم القول في السماء والأرض} أي لا يخفى عليه شيء مما يقال في السماء والأرض. وفي مصاحف أهل الكوفة { قال ربي} أي قال محمد ربي يعلم القول؛ أي هو عالم بما تناجيتم به. وقيل : إن القراءة الأولى أولي لأنهم أسروا هذا القول فأظهر الله عز وجل عليه نبيه صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يقول لهم هذا؛ قال النحاس : والقراءتان صحيحتان وهما بمنزلة الآيتين، وفيهما من الفائدة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر وأنه قال كما أمر. قوله تعالى { بل قالوا أضغاث أحلام} قال الزجاج : أي قالوا الذي يأتي به أضغاث أحلام. وقال غيره : أي قالوا هو أخلاط كالأحلام المختلطة؛ أي أهاويل رآها في المنام؛ قال معناه مجاهد وقتادة؛ ومنه قول الشاعر : كضغث حلم غر منه حالمه وقال القتبي : إنها الرؤيا الكاذبة؛ وفيه قول الشاعر : أحاديث طسم أو سراب بفدفد ** ترقرق للساري وأضغاث حالم وقال اليزيدي : الأضغاث ما لم يكن له تأويل. وقد مضى هذا في { يوسف} . فلما رأوا أن الأمر ليس كما قالوا انتقلوا عن ذلك فقالوا { بل افتراه} ثم انتقلوا عن ذلك فقالوا { بل هو شاعر} أي هم متحيرون لا يستقرون على شيء قالوا ومرة سحر، ومرة أضغاث أحلام، ومرة افتراه، ومرة شاعر. وقيل : أي قال فريق إنه ساحر، وفريق إنه أضغاث أحلام؛ وفريق إنه افتراه، وفريق إنه شاعر. والافتراء الاختلاق؛ وقد تقدم. { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} أي كما أرسل موسى بالعصا وغيرها من الآيات ومثل ناقة صالح. وكانوا عالمين بأن القرآن ليس بسحر ولا رؤيا ولكن قالوا : ينبغي أن يأتي بآية نقترحها؛ ولم يكن لهم الاقتراح بعدما رأوا آية واحدة. وأيضا إذا لم يؤمنوا بآية هي من جنس ما هم أعلم الناس به، ولا مجال للشبهة فيها فكيف يؤمنون بآية غيرها، ولو أبرأ الأكمه والأبرص لقالوا : هذا من باب الطب، وليس ذلك من صناعتنا، وإنما كان سؤالهم تعنتا إذ كان الله أعطاهم من الآيات ما فيه كفاية. وبين الله عز وجل أنهم لو كانوا يؤمنون لأعطاهم ما سألوه لقوله عز وجل { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [الأنفال : 23]. قوله تعالى { ما آمنت قبلهم من قرية} قال ابن عباس : يريد قوم صالح وقوم فرعون. { أهلكناها} يريد كان في علمنا هلاكها. { أفهم يؤمنون} يريد يصدقون؛ أي فما آمنوا بالآيات فاستؤصلوا فلو رأى هؤلاء ما اقترحوا لما آمنوا؛ لما سبق من القضاء بأنهم لا يؤمنون أيضا؛ وإنما تأخر عقابهم لعلمنا بأن في أصلابهم من يؤمن. و { من} زائدة في قوله { من قرية} كقوله { فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة : 47].

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 1 - 13

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

(بَلْ) تعني أنهم تمادَوْا، ولم يكتفو بما قالوا، بل قالوا أيضاً { أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ } [الأنبياء: 5] وأضغاث: جمع ضِغْث، وهو الحزمة من الحشيش مختلفة الأشكال، كما جاء في قصة أيوب عليه السلام:
{  وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ... }
[ص: 44] أي حزمة من أعواد الحشيش.

ووردْت أيضاً في رُؤْيا عزيز مصر:
{  قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ }
[يوسف: 44].

وقوله { بَلِ ٱفْتَرَاهُ... } [الأنبياء: 5] أي تمادَوْا فقالوا: تعمد كذبه واختلافه { بَلْ هُوَ شَاعِرٌ... } [الأنبياء: 5] إذن: أقوالهم واتهاماتهم لرسول الله متضاربة في ماهية ما هو؟ وهذا دليل تخبطهم، فمرة ينكورن أنه من البشر، ومرة يقولون: ساحر، ومرة يقولون: مفتر، والآن يقولون: شاعر!!

وقد سبق أنْ فنَّدنا كل هذه الاتهامات وقلنا: إنها تحمل في طياتها دليل كذبهم وافترائهم على رسول الله.

ثم يقولون: { فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ } [الأنبياء: 5] كأن آية القرآن ما أقنعتْهم، فلم يكتفُوا بها، ويطلبون آية أخرى مثل التي جاء بها السابقون، والقرآن يردّ عليهم في هذه المسألة: لو أنهم سيؤمنون إذا جاءتهم الآية التي اقترحوها لأنزلناهم عليهم، إنما السوابق تؤكد أنهم لنْ تؤمنوا مهما جاءتهم من الآيات، وهذا من أسباب العذاب.

وقد أوضح الحق سبحانه أنه لن يُعذَّبهم ما دام فيهم رسول الله؛ لذلك لم يُجِبْهم إلى ما طلبوا من الآيات؛ لأن الله تعالى لا يُخلف وعْدَه، فإنْ جاءتهم الآية فلم يؤمنوا بها لا بُدَّ أنْ يُنزِل بهم العذاب؛ لذلك يقول تعالى بعدها: { مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ... }.


www.alro7.net