سورة
اية:

قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن القوم أنه لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم لاحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول، فلما جاءهم الحق من عنده على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم، قالوا على وجه التعنت والعناد، والكفر والإلحاد: { لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} الآية، يعنون مثل العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وتنقيص الزوع والثمار مما يضيق على أعداء اللّه، وكفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى إلى غير ذلك من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة، التي أجراها اللّه تعالى على يدي موسى عليه السلام، حجة وبرهاناً له على فرعون وملئه، ومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه، بل كفروا بموسى وأخيه هارون، كما قالوا لهما: { أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا} ، وقال تعالى: { فكذبوهما فكانوا من المهلكين} ، ولهذا قال ههنا: { أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} أي أولم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة، { قالوا ساحران تظاهرا} أي تعاونا، { وقالوا إنا بكل كافرون} أي بكل منهما كافرون، قال مجاهد: أمرت اليهود قريشاً أن يقولوا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ذلك، فقال اللّه: { أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا} قال: يعني موسى وهارون صلى اللّه عليه وسلم { تظاهرا} أي تعاونا وتناصرا وصدق كل منها الآخر، وهذا قول جيد قوي، وعن ابن عباس: { قالوا ساحران تظاهرا} قال: يعنون موسى ومحمداً صلى اللّه عليه وسلم وهذا رواية الحسن البصري، وأما من قرأ { سحران تظاهرا} فروي عن ابن عباس: يعنون التوراة والقرآن، قال السدي: يعني صدّق كل واحد منهما الآخر، وقال عكرمة: يعنون التوراة والإنجيل واختاره ابن جرير، والظاهر أنهم يعنون التوراة والقرآن لأنه قال بعده: { قل فأتوا بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما أتبعه} ، وكثيراً ما يقرن اللّه بين التوراة والقرآن، كما في قوله تعالى: { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس - إلى أن قال - وهذا كتاب أنزلناه مبارك} ، وقال في آخر السورة { ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن} الآية، وقال: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} . وقد علم بالضرورة لذوي الألباب، أن اللّه تعالى لم ينزل كتاباً من السماء - فيما أنزل من الكتب المتعددة على أنبيائه - أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف، من الكتاب الذي أنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم، وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى عليه السلام، وهو الكتاب الذي قال اللّه فيه: { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} والإنجيل إنما أنزل متمماً للتوراة، ومحلا لبعض ما حرم بني إسرائيل. ولهذا قال تعالى: { قل فأتوا بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين} أي فيما تدافعون به الحق وتعارضون به من الباطل، قال اللّه تعالى: { فإن لم يستجيبوا لك} أي فإن لم يجيبوك عما قلت لهم ولم يتبعوا الحق { فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} أي بلا دليل ولا حجة، { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من اللّه} أي بغير حجة مأخوذة من كتاب اللّه، { إن اللّه لا يهدي القوم الظالمين} ، وقوله تعالى: { ولقد وصلنا لهم القول} قال مجاهد: فصلنا لهم القول، وقال السدي: بيَّنا لهم القول، وقال قتادة، يقول تعالى: أخبرهم كيف صنع بمن مضى وكيف هو صانع { لعلهم يتذكرون} .

تفسير الجلالين

{ قل } لهم { فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما } من الكتابين { أتَّبعه إن كنتم صادقين } في قولكم.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه هُوَ أَهْدَى مِنْهَا أَتَّبِعهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْقَائِلِينَ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل : هُمَا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا : اِئْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه , هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا لِطَرِيقِ الْحَقّ , وَلِسَبِيلِ الرَّشَاد { أَتَّبِعهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فِي زَعْمكُمْ أَنَّ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ سِحْرَانِ , وَأَنَّ الْحَقّ فِي غَيْرهمَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20944 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فَقَالَ اللَّه تَعَالَى { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا } الْآيَة . 20945 -حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فَقَالَ اللَّه { ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا } مِنْ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ ; الَّذِي بُعِثَ بِهِ مُوسَى , وَاَلَّذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه هُوَ أَهْدَى مِنْهَا أَتَّبِعهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْقَائِلِينَ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل : هُمَا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا : اِئْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه , هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا لِطَرِيقِ الْحَقّ , وَلِسَبِيلِ الرَّشَاد { أَتَّبِعهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فِي زَعْمكُمْ أَنَّ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ سِحْرَانِ , وَأَنَّ الْحَقّ فِي غَيْرهمَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20944 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فَقَالَ اللَّه تَعَالَى { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا } الْآيَة . 20945 -حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فَقَالَ اللَّه { ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا } مِنْ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ ; الَّذِي بُعِثَ بِهِ مُوسَى , وَاَلَّذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه} أي قل يا محمد إذا كفرتم معاشر المشركين بهذين الكتابين { فاتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه} ليكون ذلك عذرا لكم في الكفر { إن كنتم صادقين} في أنهما سحران أو فأتوا بكتاب هو أهدى من كتابي موسى ومحمد عليهما السلام وهذا يقوي قراءة الكوفيين { سحران} . { أتبعه} قال الفراء : بالرفع؛ لأنه صفة للكتاب وكتاب نكرة قال : وبذا جزمت - هو الوجه - فعلى الشرط. قوله تعالى: { فإن لم يستجيبوا لك} يا محمد بأن يأتوا بكتاب من عند الله { فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} أي آراء قلوبهم وما يستحسنونه ويحببه لهم الشيطان، وإنه لا حجة لهم { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} أي لا أحد أضل منه { إن الله لا يهدي القوم الظالمين} . قوله تعالى: { ولقد وصلنا لهم القول} أي أتبعنا بعضه بعضا، وبعثنا رسولا بعد رسول وقرأ الحسن { وصلنا} مخففا وقال أبو عبيدة والأخفش : معنى { وصلنا} أتممنا كصلتك الشيء وقال ابن عيينه والسدي : بيّنا وقاله ابن عباس وقال مجاهد : فصلنا وكذلك كان يقرؤها. وقال ابن زيد : وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم في الآخرة في الدنيا وقال أهل المعاني : وَاَلينا وتابعنا وأنزلنا القرآن تبع بعضه بعضا : وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا ونصائح ومواعظ إرادة أن يتذكروا فيفلحوا وأصلها من وصل الحبال بعضها ببعض قال الشاعر : فقل لبني مروان ما بال ذمة ** وحبل ضعيف ما يزال يوصل وقال امرؤ القيس : درير كخذروف الوليد أمره ** تقلب كفيه بخيط موصل والضمير في { لهم} لقريش؛ عن مجاهد وقيل : هو لليهود وقيل : هو لهم جميعا. والآية رد على من قال هلا أوتي محمد القرآن جملة واحدة { لعلهم يتذكرون} قال ابن عباس : يتذكرون محمدا فيؤمنوا به. وقيل : يتذكرون فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم؛ قاله علي بن عيسى وقيل : لعلهم يتعظون بالقرآن عن عبادة الأصنام. حكاه النقاش.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 47 - 54

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى { قُلْ... } [القصص: 49] أي: في الردّ عليهم { فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ... } [القصص: 49] أي: أهدى من التوراة التي جاء بها موسى، وأهدى من القرآن الذي جاء به محمد ما دام أنهما لم يُعجباكم { أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [القصص: 49] يعني: لو جئتمُ به لاتبعته.

وهذا يعني منهجين: منهج حقٍّ جاء به محمد، ومنهج باطل يُصرون هم عليه، وهذا التحدي من سيدنا رسول الله للكفار يعني أنه لا يوجد كتاب أهدى مما جاء به، لا عند القوم، ولا عند مَنْ سيأتي من بعدهم، وحين يُقر لهم رسول الله بإمكانية وجود كتاب أَهْدى من كتابه يطمعهم في طلبه، فإذا طلبوه لم يجدوا كتاباً أهدى منه، فيعرفوا هم الحقيقة التي لم ينطق بها رسول الله، وهل يستطيع بشر أن يضع للناس منهجاً أهدى من منهج الله؟

إذن: يقول لهم: { إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [القصص: 49] وهو يعلم أنهم غير صادقين، لأن الله تعالى جعل محمداً صلى الله عليه وسلم خاتَم الرسل، فلن يأتي رُسُل بعده، بحيث يأتي الرسول فتستدركوا عليه فيأتي آخر بكتاب جديد، وأنتم لن تستطيعوا أنْ تأتوا بكتاب من عند أنفسكم؛ لأن كل مُقنّن سيأتي الذي يخدم مذهبه، ويُرضي هواه.

لذلك نقول: ينبغي في المقنِّن ويُشترط فيه:

أولاً: أن يكون على علم واسع، بحيث لا يُسْتدرك عليه فيما بعد، وهذه لا تتوفر في أحد من البشر، بدليل أن القوانين التي وُضِعت في الماضي لم تَعُدْ صالحة الآن ينادي الناس كثيراً بتعديلها، حيث طرأتْ عليهم مسائل جديدة غابتْ عن ذِهْن المشرِّع الأول، فلما جدَّتْ هذه المسائل أتعبت البشر بالتجربة، فَطالبوا بتعديلها.

ثانياً: يشترط في المشرِّع ألاَّ يكون له هوى فيما يُشرِّع للناس، ونحن نرى الرأسماليين والشيوعيين، وغيرهم كُلٌّ يشرع بما يخدم مذهبه وطريقته في الحياة؛ لذلك يجب ألاّ يُسند التشريع للناس لأحد منهم؛ لأنه لا يخلو من هوى.

ثالثاً: يُشتَرط فيه ألاَّ يكون منتفعاً بشيء مما يشرع.

وإذا اقتضت مسائل الحياة وتنظيماتها أنْ نُقنّن لها، فلا يُقنِّن لنا من البشر إلا أصحاب العقل الناضج والفكر المستقيم، بحيث يتوفر لهم نُضْج التقنين، لكن إلى أنْ يوجد عندهم نضج التقنين أيّ منهج يسيرون عليه؟

فإنْ حدثتْ فجوة في التشريع عاش الناس بلا قانون، وإلاَّ فما الذي قنَّنَ لأول مُقنِّن؟ الذي قنّن لأول مُقنِّن هو الذي خلق أول مَن خُلق.

ثم يقول الحق سبحانه: { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا... }.

لمسات بيانية - للدكتور / فاضل صالح السامرائي

 كرّر فعل الإتيان في النمل، فقال: "سَآتيكُمْ مِنها بِخَبَر أوْ آتيكُمْ بِشِهابٍ"، ولم يكرره في القصص، بل قال: "لَعَلّي آتيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍأوْ جَذْوَةٍ"

فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه وثقته بنفسه، والتوكيد يدل على القوة، في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن فعل (الإتيان) تكرر في النمل اثنتي عشرة مرةانظر الآيات: 7 مرتين، 18، 21، 28، 37، 38، 39، 40، 54، 55، 87 وتكرر في القصص ست مرات (انظر الآيات 29، 30، 46، 49، 71، 72) فناسب تكرار (آتيكم) في النمل من كل وجه


www.alro7.net