سورة
اية:

الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ

تفسير بن كثير

قد تقدم التنبيه على أن اللّه تعالى كثيراً ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد صلوات اللّه وسلامه عليهما وبين كتابيهما ولهذا قال: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} ، قال مجاهد: يعني الكتاب، وقال قتادة: التوراة حلالهما وحرامهما وما فرق اللّه بين الحق والباطل، وقال ابن زيد: يعني النصر، وجامع القول في ذلك أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل، والهدى والظلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام وعلى ما يحصل نوراً في القلوب، وهداية وخوفاً، وإنابة وخشية، ولهذا قال: { الفرقان وضياء وذكرا للمتقين} أي تدبيراً لهم وعظة، ثم وصفهم فقال: { الذين يخشون ربهم بالغيب} ، كقوله: { من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} ، وقوله: { إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير} ، { وهم من الساعة مشفقون} أي خائفون وجلون، ثم قال تعالى: { وهذا ذكر مبارك أنزلناه} يعني القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد { أفأنتم له منكرون} أي أفتنكرونه وهو في غاية الجلاء والظهور؟.

تفسير الجلالين

{ الذين يخشون ربهم بالغيب } عن الناس أي في الخلاء عنهم { وهم من الساعة } أي أهوالها { مشفقون } خائفون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السَّاعَة مُشْفِقُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون الْفُرْقَان الذِّكْر الَّذِي آتَيْنَاهُمَا لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخَافُونَ رَبّهمْ بِالْغَيْبِ , يَعْنِي فِي الدُّنْيَا أَنْ يُعَاقِبهُمْ فِي الْآخِرَة إِذَا قَدِمُوا عَلَيْهِ بِتَضْيِيعِهِمْ مَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ فَرَائِضه ; فَهُمْ مِنْ خَشْيَته يُحَافِظُونَ عَلَى حُدُوده وَفَرَائِضه , وَهُمْ مِنْ السَّاعَة الَّتِي تَقُوم فِيهَا الْقِيَامَة مُشْفِقُونَ , حَذِرُونَ أَنْ تَقُوم عَلَيْهِمْ , فَيَرِدُوا عَلَى رَبّهمْ قَدْ فَرَّطُوا فِي الْوَاجِب عَلَيْهِمْ لِلَّهِ , فَيُعَاقِبهُمْ مِنْ الْعُقُوبَة بِمَا لَا قِبَل لَهُمْ بِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السَّاعَة مُشْفِقُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون الْفُرْقَان الذِّكْر الَّذِي آتَيْنَاهُمَا لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخَافُونَ رَبّهمْ بِالْغَيْبِ , يَعْنِي فِي الدُّنْيَا أَنْ يُعَاقِبهُمْ فِي الْآخِرَة إِذَا قَدِمُوا عَلَيْهِ بِتَضْيِيعِهِمْ مَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ فَرَائِضه ; فَهُمْ مِنْ خَشْيَته يُحَافِظُونَ عَلَى حُدُوده وَفَرَائِضه , وَهُمْ مِنْ السَّاعَة الَّتِي تَقُوم فِيهَا الْقِيَامَة مُشْفِقُونَ , حَذِرُونَ أَنْ تَقُوم عَلَيْهِمْ , فَيَرِدُوا عَلَى رَبّهمْ قَدْ فَرَّطُوا فِي الْوَاجِب عَلَيْهِمْ لِلَّهِ , فَيُعَاقِبهُمْ مِنْ الْعُقُوبَة بِمَا لَا قِبَل لَهُمْ بِهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء} وحكي عن ابن عباس وعكرمة { الفرقان ضياء} بغير واو على الحال. وزعم الفراء أن حذف الواو والمجيء بها واحد، كما قال عز وجل { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا} [الصافات : 6 - 7] أي حفظا. ورد عليه هذا القول الزجاج. قال : لأن الواو تجيء لمعنى فلا تزاد قال : وتفسير [الفرقان] التوراة؛ لأن فيها الفرق بين الحرام والحلال. قال { وضياء} مثل { فيه هدى ونور} وقال ابن زيد [الفرقان] هنا هو النصر على الأعداء؛ دليله قوله تعالى { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان} [الأنفال : 41] يعني يوم بدر. قال الثعلبي : وهذا القول أشبه بظاهر الآية؛ لدخول الواو في الضياء؛ فيكون معنى الآية : ولقد أتينا موسى وهارون النصر والتوراة التي هي الضياء والذكر. { الذين يخشون ربهم بالغيب} أي غائبين؛ لأنهم لم يروا الله تعالى، بل عرفوا بالنظر. والاستدلال أن لهم ربا قادرا، يجازي على الأعمال فهم يخشونه في سرائرهم، وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس. { وهم من الساعة} أي من قيامها قبل التوبة. { مشفقون} أي خائفون وجلون قوله تعالى { وهذا ذكر مبارك أنزلناه} يعني القرآن { أفأنتم له} يا معشر العرب { منكرون} وهو معجز لا تقدرون على الإتيان بمثله. وأجاز الفراء { وهذا ذكر مباركا أنزلناه} بمعنى أنزلناه مباركا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 48 - 54

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الخشية: الخوف بتعظيم ومهابة، فقد تخاف من شيء وأنت تكرهه أو تحتقره. فالخشية كأنْ تخاف من أبيك أو من أستاذ كأن يراك مُقصِّراً، وتخجلل منه أنْ يراك على حال تقصير. فمعنى الخوف من الله: أن تخاف أن تكون مُقصِّراً فيما طُلِب منك، وفيماً كلَّفك به؛ لأن مقاييسه تعالى عالية، وربما فاتكَ من ذَلك شيء.

وفي موضع آخر يشرح الحق سبحانه هذه المسألة، فيقول:
{  إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ... }
[فاطر: 28] لماذا؟ لأنهم الأعلم بالله وبحكمته في كونه، وكلما تكشَّفَتْ لهم حقائق الكون وأسراره ازدادوا لله خشية، ومنه مهابة وإجلالاً؛ لذلك قال عنهم:
{  يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ... }
[النحل: 50] أي: أعلى منهم وعلى رؤوسهم، لكن بِحُبٍّ ومهابة.

ومعنى: { بِٱلْغَيْبِ... } [الأنبياء: 49] أنهم يخافون الله، مع أنهم لا يَروْنه بأعينهم، إنما يَرَوْنَه في آثار صُنْعه، أو بالغيب يعني: الأمور الغيبية التي لا يشاهدونها، لكن أخبرهم الله بها فأصبحت بَعْد إخبار الله كأنها مشهدٌ لهم يروْنَها بأعينهم.

أو يكون المعنى: يخشون ربهم في خَلَواتِهم عن الخَلْق، فمهابة الله والأدب معه تلازمهم حتى في خَلْوتهم وانفرادهم، على خلاف مَنْ يُظهِر هذا السلوك أمام الناس رياءً، وهو نمرود في خَلْوته.

وقوله تعالى: { وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ } [الأنبياء: 49] والإشفاق بمعنى الخوف أيضاً، لكنه خَوْفَ يصاحبه الحذر مما تخاف، فالخوف من الله مصحوب بالمهابة، والخوف من الساعة مصحوب بالحذر منها، مخافة أنْ تقوم عليهم قبل أنْ يُعِدوا أنفسهم لها إعداداً كاملاً يُفرحهم بجزاء الله ساعة يلقوْنَه. { وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ... }.


www.alro7.net