سورة
اية:

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ

تفسير بن كثير

يقول تعالى آمراً رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يقول للمشركين: { ما سألتكم من أجر فهو لكم} ، أي لا أريد منكم جعلاً ولا عطاء على أداء رسالة اللّه عزَّ وجلَّ إليكم، ونصحي إياكم وأمركم بعبادة اللّه { إن أجري إلا على اللّه} ، أي إنما أطلب ثواب ذلك من عند اللّه { وهو على كل شيء شهيد} أي عالم بجميع الأمور بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم وما أنتم عليه، وقوله عزَّ وجلَّ: { قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب} ، كقوله تعالى: { يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} أي يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض، وهو علام الغيوب، فلا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض، وقوله تبارك وتعالى: { قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} أي جاء الحق من اللّه والشرع العظيم، وذهب الباطل واضمحل، كقوله تعالى: { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} ، ولهذا لما دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يطعن الصنم منها ويقرأ: { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً} ، { قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} ""أخرجه البخاري ومسلم والترمذي"". وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه: أي لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة، وزعم قتادة والسدي أن المراد بالباطل ههنا إبليس أي أنه لا يخلق أحداً ولا يعيده ولا يقدر على ذلك، وهذا وإن كان حقا، ولكن ليس هو المراد ههنا واللّه أعلم، وقوله تبارك وتعالى: { قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} أي الخير كله من عند اللّه وفيما أنزل اللّه عز َّوجلَّ، من الوحي والحق المبين، فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه، وقوله تعالى: { إنه سميع قريب} أي سميع لأقوال عباده { قريب} يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وقد روي في الصحيحين: (إنكم لا تدعون أصما ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً مجيباً).

تفسير الجلالين

{ قل إن ربي يقذف بالحق } يلقيه إلى أنبيائه { علاًم الغيوب } ما غاب عن خلقه في السماوات والأرض .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل إن ربي يقذف بالحق} أي يبين الحجة ويظهرها. قال قتادة : بالحق بالوحي. وعنه : الحق القرآن. وقال ابن عباس : أي يقذف الباطل بالحق علام الغيوب. وقرأ عيسى بن عمر { علام الغيوب} على أنه بدل، أي قل إن ربي علام الغيوب يقذف بالحق. قال الزجاج. والرفع من وجهين على الموضع، لأن الموضع موضع رفع، أو على البدل مما في يقذف. النحاس : وفي الرفع وجهان آخران : يكون خبرا بعد خبر، ويكون على إضمار مبتدأ. وزعم الفراء أن الرفع في مثل هذا أكثر في كلام العرب إذا أتى بعد خبر "إن" ومثله { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} ص : 64] وقرئ: "الغيوب" بالحركات الثلاث، فالغيوب كالبيوت، والغيوب كالصبور، وهو الأمر الذي غاب وخفي جدا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة سبأ الايات 47 - 52

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لك أنْ تلحظ هنا حدة الأسلوب، خلافاً للآيات السابقة التي كانت تعظهم وتتودد إليهم، وكأن الحق سبحانه يقول لهم: لا تظنّوا أننا سنظل نتودد إليكم، أو أنكم الذين ستسيِّرون المراكب، فالدين سيُظهِره الله رغم عنادكم، والحق سيعلو رغم كفركم.

فقال سبحانه: { قُلْ } أي: ردًّا عليهم { إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ } [سبأ: 48] فبعد أنْ أعطاكم الفرصة، وبعد أنْ طال تمردكم، فالآن ربي سيقذف بالحق، كما قال سبحانه في موضع آخر
{  بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ }
[الأنبياء: 18].

والقذف: الرمي بشدة، وهي كلمة تُوحِي بالعنف والقوة، إنْ جاءت من البشر، فما بالك إنْ كان القذف من الله، والمقذوف من الله هو الحق، والحق كما قلنا هو الشيء الثابت الذي لا يتغير.

والقذف لا بُدَّ أنْ له غرضاً وغاية، ومَنْ أراد أنْ يقذف شيئاً عليه أنْ يُحدِّد المسافة لقريب أم لبعيد، فإن كان لقريب فقلَّما يخطىء القاذفُ المقذوفَ، وإنْ كان القذف لهدف بعيد فاحتمال الخطأ أكثر، وهكذا كلما بَعُدَتْ المسافة؛ لأن معنى القذف تحديد موضع لتصل القذيفةُ إليه، وتصيب الغايةَ المقصودة منها.

وعندما يكون الموضع قريباً، فالتغيرات التي ستطرأ عليه قليلة؛ لأن زمن وصول القذيفة إليه قصير، على خلاف الهدف إنْ كان بعيداً فهو عُرْضة لأنْ يتغير، فتختلف مثلاً زاويته بسبب الريح، أو الأعاصير أو خلافه؛ لذلك نحتاج في هذه الحالة إلى أجهزة وحسابات دقيقة تحسب بُعْد الهدف وقوة المقذوف، وقوة الريح أي: تتصادم معه وغير ذلك من حسابات السرعة والزمن، كالذي يرمي الطير مثلاً وهو في الهواء، لا بُدَّ أنْ يغير نقطة التنشين لتناسب حركةَ واتجاه الطائر.

ولا أَقْدَر على هذه العملية من علاَّم الغيوب سبحانه، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ لذلك جاء الحق سبحانه بالصفة التي تناسب الدقة في هذه العملية، فقال: { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ } [سبأ: 48] فهو سبحانه أولاً يقذف بالحق، وقذيفته سبحانه لا تخطىء هدفاً؛ لأنه تعالى علاَّم الغيوب.

والحق الذي يقذف الله به هو المنهج الذي أنزله من السماء يقذفه لغاية وهي الرسالة، كما قال سبحانه:
{  ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }
[الأنعام: 124].

إذن: القاذف هو الله، والمقذوف الحق، وهو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والغاية المقصودة هي وصول الرسالة إلى مَن اختاره الله لها، وهذه العملية لا تخطىء؛ لأن القاذف عالم بكلِّ غيب يؤثر على مسار المقذوف، فالحق لا بُدَّ أنْ يصل إلى صاحبه المختار له والمصطفى لحمله، لا إلى سواه.

لذلك هذه الآية تردُّ على هؤلاء الذين يقولون: إن الرسالة أو الوحي أخطأ، فنزل على محمد بدل أنْ ينزل على فلان، فهذا تخبُّط لا سند له.وكلمة { ٱلْغُيُوبِ } [سبأ: 48] هنا تدل على كثرة المؤثرات التي يمكن أن تعترض القذيفة، فتُحول بينها وبين هدفها، وهذه المؤثرات لا يعلمها إلا الله.

فإنْ قلت: الفعل يقذف جاء في صيغة المضارع الدال على الحال والاستقبال، يعني: أن الحق سبحانه عمله أنه يقذف بالحق إلى الرسل، فهل قذفه إلى رسول الله؟

تأتي الإجابة في قوله تعالى في الآية بعدها:

{ قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ.. } [سبأ: 49] يعني: قذفه بالفعل في صورة القرآن الذي نزل على محمد الذي اختاره الله للرسالة ولحمل منهجه إلى خَلْقه لينظم به حركة حياتهم، وإذا كان الحق الواضح الثابت قد جاء وظهر، والذي قذفه علام الغيوب، فما موقف الباطل المقابل له؟ لا بُدَّ أنه يتراجع، ولا يستطيع الصمود أمام قوة الحق.

{ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } [سبأ: 49] فلا يبدىء في الأولى، ولا يعيد في الأخرى، يعنى: كما نقول: لا في العير ولا في النفير (لا يهش ولا ينش)، هذا إذا كان للباطل وجود أو ثبات، إنما الباطل ما هو إلا خيال بعيد في أذهان أصحابه لا وجودَ له.

والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا صورة حسِّية للحق والباطل، فيقول سبحانه:
{  أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا.. }
[الرعد: 17] يعني: كل وادٍ يحوي من الماء على قدر اتساعه
{  فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً }
[الرعد: 17].

والزَّبَد هو القشّ والفتات الذي يحمله الماء، وهو تافه لا نفعَ فيه، يأتي الهواء فيزيحه هنا وهناك، وتبقى صفحة الماء نقية لينتفع الناس به.

ومعنى رابياً: طافياً على السطح، وفي هذا إشارة إلى أن الباطل لا نفعَ فيه، ولا بقاءَ له مهما علا، وأن وجوده كوجود هذا الغثاء، الذي لا قيمةَ له، ولا فائدة منه.

ثم يقول الحق سبحانه:

{ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي... }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net