سورة
اية:

قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ

تفسير بن كثير

قال محمد بن إسحاق: لما أراد اللّه أن يكف الطوفان أرسل ريحاً على وجه الأرض فسكن الماء، وانسدت ينابيع الأرض وأبواب السماء، يقول اللّه تعالى: { وقيل يا أرض ابلعي ماءك} الآية، فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر، وكان استواء الفلك على الجودي فيما يزعم أهل التوراة في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه، وفي أول يوم من الشهر العاشر رأى رؤوس الجبال، وظهر البر، وكشف نوح غطاء الفلك { قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} الآية.

تفسير الجلالين

{ قيل يا نوح اهبط } انزل من السفينة { بسلام } بسلامة أو بتحية { منا وبركات } خيرات { عليك وعلى أمم ممن معك } في السفينة أي من أولادهم وذريتهم وهم المؤمنون { وأمم } بالرفع ممن معك { سنمتعهم } في الدنيا { ثم يَمَسُّهم منا عذاب أليم } في الآخرة وهم الكفار .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قِيلَ يَا نُوح اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { يَا نُوح اِهْبِطْ } مِنْ الْفُلْك إِلَى الْأَرْض { بِسَلَامٍ مِنَّا } يَقُول : بِأَمْنٍ مِنَّا أَنْتَ وَمَنْ مَعَك مِنَّا إِهْلَاكنَا , { وَبَرَكَات عَلَيْك } يَقُول : وَبَرَكَات عَلَيْك , { وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك } يَقُول : وَعَلَى قُرُون تَجِيء مِنْ ذُرِّيَّة مَنْ مَعَك مِنْ وَلَدك , فَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ ذُرِّيَّة نُوح الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْ اللَّه السَّعَادَة وَبَارَكَ عَلَيْهِمْ قَبْل أَنْ يَخْلُقهُمْ فِي بُطُون أُمَّهَاتهمْ وَأَصْلَاب آبَائِهِمْ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره نُوحًا عَمَّا هُوَ فَاعِل بِأَهْلِ الشَّقَاء مِنْ ذُرِّيَّته , فَقَالَ لَهُ : { وَأُمَم } يَقُول : وَقُرُون وَجَمَاعَة , { سَنُمَتِّعُهُمْ } فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا , يَقُول : نَرْزُقهُمْ فِيهَا مَا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ إِلَى أَنْ يَبْلُغُوا آجَالهمْ . { ثُمَّ يَمَسّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم } يَقُول : ثُمَّ نُذِيقهُمْ إِذَا وَرَدُوا عَلَيْنَا عَذَابًا مُؤْلِمًا مُوجِعًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14089 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : { قِيلَ يَا نُوح اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك } إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : دَخَلَ فِي ذَلِكَ السَّلَام كُلّ مُؤْمِن وَمُؤْمِنَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْعَذَاب وَالْمَتَاع كُلّ كَافِر وَكَافِرَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو دَاوُد الْحَفَرِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : { قِيلَ يَا نُوح اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك } قَالَ : دَخَلَ فِي السَّلَام كُلّ مُؤْمِن وَمُؤْمِنَة , وَفِي الشِّرْك كُلّ كَافِر وَكَافِرَة 14090 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك قِرَاءَة عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك } يَعْنِي مِمَّنْ لَمْ يُولَد , قَدْ قُضِيَ الْبَرَكَات لِمَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْم اللَّه وَقَضَائِهِ السَّعَادَة . { وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ } مَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْم اللَّه وَقَضَائِهِ الشَّقَاوَة 14091 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : { وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ } مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا , مِمَّنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْم اللَّه وَقَضَائِهِ الشَّقَاوَة . قَالَ : وَلَمْ يُهْلِك الْوِلْدَان يَوْم غَرِقَ قَوْم نُوح بِذَنْبِ آبَائِهِمْ كَالطَّيْرِ وَالسِّبَاع , وَلَكِنْ جَاءَ أَجَلهمْ مَعَ الْغَرَق 14092 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ } قَالَ : هَبَطُوا وَاَللَّه عَنْهُمْ رَاضٍ , هَبَطُوا بِسَلَامٍ مِنْ اللَّه , كَانُوا أَهْل رَحْمَة مِنْ أَهْل ذَلِكَ الدَّهْر . ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهُمْ نَسْلًا بَعْد ذَلِكَ أُمَمًا , مِنْهُمْ مَنْ رَحِمَ , وَمِنْهُمْ مَنْ عَذَّبَ . وَقَرَأَ : { وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ } وَذَلِكَ إِنَّمَا اِفْتَرَقَتْ الْأُمَم مِنْ تِلْكَ الْعِصَابَة الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاء وَسَلِمَتْ 14093 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { يَا نُوح اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك } الْآيَة , يَقُول : بَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك لَمْ يُولَدُوا , أَوْجَبَ اللَّه لَهُمْ الْبَرَكَات لِمَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْم اللَّه مِنْ السَّعَادَة . { وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ } يَعْنِي : مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا . { ثُمَّ يَمَسّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم } لِمَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْم اللَّه مِنْ الشَّقَاوَة 14094 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ حُمَيْد , عَنْ الْحَسَن : أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ سُورَة هُود , فَأَتَى عَلَى : { يَا نُوح اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك } حَتَّى خَتَمَ الْآيَة , قَالَ الْحَسَن : فَأَنْجَى اللَّه نُوحًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا , وَهَلَكَ الْمُتَمَتِّعُونَ حَتَّى ذَكَرَ الْأَنْبِيَاء , كُلّ ذَلِكَ يَقُول : أَنْجَاهُ اللَّه وَهَلَكَ الْمُتَمَتِّعُونَ 14095 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم } قَالَ : بَعْد الرَّحْمَة 14096 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن شَوْذَب , قَالَ : سَمِعْت دَاوُد بْن أَبِي هِنْد يُحَدِّث عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَة : { اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم } قَالَ : فَكَانَ ذَلِكَ حِين بَعَثَ اللَّه عَادًا , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ هُودًا , فَصَدَّقَهُ مُصَدِّقُونَ وَكَذَّبَهُ مُكَذِّبُونَ حَتَّى جَاءَ أَمْر اللَّه , فَلَمَّا جَاءَ أَمْر اللَّه نَجَّى اللَّه هُودًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ , وَأَهْلَكَ اللَّه الْمُتَمَتِّعِينَ , ثُمَّ بَعَثَ اللَّه ثَمُود , فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ صَالِحًا , فَصَدَّقَهُ مُصَدِّقُونَ وَكَذَّبَهُ مُكَذِّبُونَ , حَتَّى جَاءَ أَمْر اللَّه , فَلَمَّا جَاءَ أَمْر اللَّه نَجَّى اللَّه صَالِحًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَأَهْلَكَ اللَّه الْمُتَمَتِّعِينَ , ثُمَّ اِسْتَقْرَأَ الْأَنْبِيَاء نَبِيًّا نَبِيًّا عَلَى نَحْو مِنْ هَذَا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قِيلَ يَا نُوح اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { يَا نُوح اِهْبِطْ } مِنْ الْفُلْك إِلَى الْأَرْض { بِسَلَامٍ مِنَّا } يَقُول : بِأَمْنٍ مِنَّا أَنْتَ وَمَنْ مَعَك مِنَّا إِهْلَاكنَا , { وَبَرَكَات عَلَيْك } يَقُول : وَبَرَكَات عَلَيْك , { وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك } يَقُول : وَعَلَى قُرُون تَجِيء مِنْ ذُرِّيَّة مَنْ مَعَك مِنْ وَلَدك , فَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ ذُرِّيَّة نُوح الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْ اللَّه السَّعَادَة وَبَارَكَ عَلَيْهِمْ قَبْل أَنْ يَخْلُقهُمْ فِي بُطُون أُمَّهَاتهمْ وَأَصْلَاب آبَائِهِمْ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره نُوحًا عَمَّا هُوَ فَاعِل بِأَهْلِ الشَّقَاء مِنْ ذُرِّيَّته , فَقَالَ لَهُ : { وَأُمَم } يَقُول : وَقُرُون وَجَمَاعَة , { سَنُمَتِّعُهُمْ } فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا , يَقُول : نَرْزُقهُمْ فِيهَا مَا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ إِلَى أَنْ يَبْلُغُوا آجَالهمْ . { ثُمَّ يَمَسّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم } يَقُول : ثُمَّ نُذِيقهُمْ إِذَا وَرَدُوا عَلَيْنَا عَذَابًا مُؤْلِمًا مُوجِعًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14089 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : { قِيلَ يَا نُوح اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك } إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : دَخَلَ فِي ذَلِكَ السَّلَام كُلّ مُؤْمِن وَمُؤْمِنَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْعَذَاب وَالْمَتَاع كُلّ كَافِر وَكَافِرَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو دَاوُد الْحَفَرِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : { قِيلَ يَا نُوح اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك } قَالَ : دَخَلَ فِي السَّلَام كُلّ مُؤْمِن وَمُؤْمِنَة , وَفِي الشِّرْك كُلّ كَافِر وَكَافِرَة 14090 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك قِرَاءَة عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك } يَعْنِي مِمَّنْ لَمْ يُولَد , قَدْ قُضِيَ الْبَرَكَات لِمَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْم اللَّه وَقَضَائِهِ السَّعَادَة . { وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ } مَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْم اللَّه وَقَضَائِهِ الشَّقَاوَة 14091 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : { وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ } مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا , مِمَّنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْم اللَّه وَقَضَائِهِ الشَّقَاوَة . قَالَ : وَلَمْ يُهْلِك الْوِلْدَان يَوْم غَرِقَ قَوْم نُوح بِذَنْبِ آبَائِهِمْ كَالطَّيْرِ وَالسِّبَاع , وَلَكِنْ جَاءَ أَجَلهمْ مَعَ الْغَرَق 14092 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ } قَالَ : هَبَطُوا وَاَللَّه عَنْهُمْ رَاضٍ , هَبَطُوا بِسَلَامٍ مِنْ اللَّه , كَانُوا أَهْل رَحْمَة مِنْ أَهْل ذَلِكَ الدَّهْر . ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهُمْ نَسْلًا بَعْد ذَلِكَ أُمَمًا , مِنْهُمْ مَنْ رَحِمَ , وَمِنْهُمْ مَنْ عَذَّبَ . وَقَرَأَ : { وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ } وَذَلِكَ إِنَّمَا اِفْتَرَقَتْ الْأُمَم مِنْ تِلْكَ الْعِصَابَة الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاء وَسَلِمَتْ 14093 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { يَا نُوح اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك } الْآيَة , يَقُول : بَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك لَمْ يُولَدُوا , أَوْجَبَ اللَّه لَهُمْ الْبَرَكَات لِمَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْم اللَّه مِنْ السَّعَادَة . { وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ } يَعْنِي : مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا . { ثُمَّ يَمَسّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم } لِمَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْم اللَّه مِنْ الشَّقَاوَة 14094 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ حُمَيْد , عَنْ الْحَسَن : أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ سُورَة هُود , فَأَتَى عَلَى : { يَا نُوح اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك } حَتَّى خَتَمَ الْآيَة , قَالَ الْحَسَن : فَأَنْجَى اللَّه نُوحًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا , وَهَلَكَ الْمُتَمَتِّعُونَ حَتَّى ذَكَرَ الْأَنْبِيَاء , كُلّ ذَلِكَ يَقُول : أَنْجَاهُ اللَّه وَهَلَكَ الْمُتَمَتِّعُونَ 14095 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم } قَالَ : بَعْد الرَّحْمَة 14096 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن شَوْذَب , قَالَ : سَمِعْت دَاوُد بْن أَبِي هِنْد يُحَدِّث عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَة : { اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم } قَالَ : فَكَانَ ذَلِكَ حِين بَعَثَ اللَّه عَادًا , فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ هُودًا , فَصَدَّقَهُ مُصَدِّقُونَ وَكَذَّبَهُ مُكَذِّبُونَ حَتَّى جَاءَ أَمْر اللَّه , فَلَمَّا جَاءَ أَمْر اللَّه نَجَّى اللَّه هُودًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ , وَأَهْلَكَ اللَّه الْمُتَمَتِّعِينَ , ثُمَّ بَعَثَ اللَّه ثَمُود , فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ صَالِحًا , فَصَدَّقَهُ مُصَدِّقُونَ وَكَذَّبَهُ مُكَذِّبُونَ , حَتَّى جَاءَ أَمْر اللَّه , فَلَمَّا جَاءَ أَمْر اللَّه نَجَّى اللَّه صَالِحًا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَأَهْلَكَ اللَّه الْمُتَمَتِّعِينَ , ثُمَّ اِسْتَقْرَأَ الْأَنْبِيَاء نَبِيًّا نَبِيًّا عَلَى نَحْو مِنْ هَذَا '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: ‏ { ‏قيل يا نوح اهبط بسلام منا‏} ‏ أي قالت له الملائكة، أو قال الله تعالى له‏:‏ اهبط من السفينة إلى الأرض، أو من الجبل إلى الأرض؛ فقد ابتلعت الماء وجفت‏‏} ‏بسلام منا‏} ‏ أي بسلامة وأمن‏.‏ وقيل‏:‏ بتحية‏.‏ { وبركات عليك‏} ‏ أي نعم ثابتة؛ مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته وإقامته‏.‏ ومنه البركة لثبوت الماء فيها‏.‏ وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ‏(‏نوح آدم الأصغر‏)‏، فجميع الخلائق الآن من نسله، ولم يكن معه في السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من ذريته؛ على قول قتادة وغيره، حسب ما تقدم؛ وفي التنزيل ‏ { ‏وجعلنا ذريته هم الباقين‏} [‏الصافات‏:‏ 77‏]‏‏.‏ ‏ { ‏وعلى أمم ممن معك‏} ‏ قيل‏:‏ دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة‏.‏ ودخل في قوله { ‏وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم‏} ‏ كل كافر إلى يوم القيامة؛ روي ذلك عن محمد بن كعب‏.‏ والتقدير على هذا‏:‏ وعلى ذرية أمم ممن معك، وذرية أمم سنمتعهم‏.‏ وقيل‏: { ‏من‏} ‏ للتبعيض، وتكون لبيان الجنس‏.‏ ‏ { ‏وأمم سنمتعهم‏} ‏ ارتفع و‏ { ‏أمم‏} ‏ على معنى وتكون أمم‏.‏ قال الأخفش سعيد كما تقول‏:‏ كلمت زيدا وعمرو جالس‏.‏ وأجاز الفراء في غير القراءة وأمما، وتقديره‏:‏ ونمتع أمما‏.‏ وأعيدت { على} مع { ‏أمم‏} ‏ لأنه معطوف على الكاف من { ‏عليك‏} ‏ وهي ضمير المجرور، ولا يعطف على ضمير المجرور إلا بإعادة الجار على قول سيبويه وغيره‏.‏ وقد تقدم في { ‏النساء‏} ‏ بيان هذا مستوفى في قوله تعالى: ‏ { ‏واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام‏} [‏النساء‏:‏ 1‏]‏ بالخفض‏.‏ والباء في قوله ‏ { ‏بسلام‏} ‏ متعلقة بمحذوف؛ لأنها في موضع الحال؛ أي اهبط مسلما عليك‏.‏ و‏ { ‏منا‏} ‏ في موضع جر متعلق بمحذوف؛ لأنه نعت للبركات‏.‏ ‏ { ‏وعلى أمم‏} ‏ متعلق بما تعلق به ‏ { ‏عليك‏} ‏ لأنه أعيد من أجل المعطوف على الكاف‏.‏ و‏ { ‏من‏} ‏ في قوله‏ { ‏ممن معك‏} ‏ متعلق بمحذوف؛ لأنه في موضع جر نعت للأمم‏.‏ و‏ { ‏معك‏} ‏ متعلق بفعل محذوف؛ لأنه صلة { ‏لمن‏} ‏ أي ممن استقر معك، أو آمن معك، أو ركب معك‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 41 - 52

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقوله الحق سبحانه:

{ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا } [يونس: 48].

يدل على أن نوحاً عليه السلام قد تلقَّى الأمر بالنزول من السفينة ليباشر مهمته الإيمانية في أرض فيها مقومات الحياة، مما حمل في تلك السفينة من كلٍّ زوجين اثنين، ومن معه من المؤمنين الذين أنجاهم الله تعالى، وأغرق مَنْ قالوا عليهم إنهم أراذل.

وقول الحق سبحانه:

{ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ } [هود: 48].

تضمَّن أهل نوح عليه السلام ومَنْ آمن به، وكذلك أمم الوحوش والطيور والحيوانات والدواب.

أي: أنها إشارة إلى الأمة الأساسية، وهي أمة الإنسان وإلى الأمم الخادمة للإنسان، وهكذا توفرت مقومات الحياة للمؤمنين، ويتفرَّغ نوح وقومه إلى المهمة الإيمانية في الأرض.

وقول الحق سبحانه:

{ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا } [هود: 48].

والمقصود بالسلام هو الأمن والاطمئنان، فلم يَعُدْ هناك من الكافرين ما ينغِّص على نوح ـ عليه السلام ـ أمره، ولن يجد من يكدِّر عليه بالقول:


{  جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا }
[هود: 32].

ولن يجد مَنْ يتهمه بالافتراء.

ومَنْ بقي مع نوح هم كلهم من المؤمنين، وهم قد شهدوا أن نجاتهم من الغرق قد تمت بفضل المنهج الذي بلَّغهم به نوح عن الله تعالى.

وقول الحق سبحانه:

{ وَبَركَاتٍ } [هود: 48].

يعني أن الحق سبحانه يبارك في القليل ليجعله كثيراً.

ويقال: " إن هذا الشيء مبارك " كالطعام الذي يأتي به الإنسان ليكفي اثنين، ولكنه فوجىء بخمسة من الضيوف، فيكفي هذا الجميع.

إذن: فالشيء المبارك هو القليل الذي يؤدِّي ما يؤدِّيه الكثير، مع مظنَّة أنه لا يفي.

وكان يجب أن تأتي هنا كلمة { وَبَركَاتٍ } لأن ما يحمله نوح ـ عليه السلام ـ من كلٍّ زوجين اثنين إنما يحتاج إلى بركات الحق سبحانه وتعالى ليتكاثر ويكفي.

وقول الحق سبحانه:

{ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } [هود: 48].

هذا القول يناسب الطبيعة الإنسانية، فقد كان المؤمنون مع نوح ـ عليه السلام ـ هم الصفوة، وبمضيِّ الزمن طرأت الغفلة على بعضٍ منهم، ويأتي جيل من بعدهم فلا يجد الأسوة أو القدوة، ثم تحيط بالأجيال التالية مؤثرات تفصلهم تماماً عن المنهج.

وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوَكْت، ثم ينام النومة فتُقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها كأثر المَجْل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه مُنتبراً، وليس فيه شيء، ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدِّي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خَرْدلٍ من إيمان ".

وهكذا تطرأ الغفلة على أصحاب المنهج، ويقول صلى الله عليه وسلم: " تُعرض الفِتَن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيّما قلب أشْرِبَها نُكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا لا تضرُّه فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُرْباداً كالكوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشْرِبَ مِنْ هَواه ".

وأعوذ بالله تعالى من طروء فتنة الغفلة على القلوب.

والحق سبحانه يتحدث في هذه الآية عن الذين بقوا مع نوح عليه السلام وهم صفوة من المؤمنين، لكن منهم من ستطرأ عليه الغفلة، وسيمتِّعهم الله سبحانه وتعالى أيضاً بمتاع الدنيا، ولن يضنَّ عليهم، ولكن سَيَلحقُهم العذاب.

فإذا ما جاء جيل على الغافلين فهو يخضع لمؤثِّرين اثنين:

المؤثر الأول: غفلته هو.

المؤثر الثاني: أسوة الغافلين من السابقين عليه.

ونحن نعلم أن مِنْ ذرية نوح عليه السلام " قوم عادٍ " الذين أرسل الحق سبحانه إليهم هوداً عليه السلام، وكذلك " قوم ثمود " الذين أرسل إليهم أخاهم صالحاً عليه السلام، وقوم لوطٍ، وهؤلاء جميعاً رَانَتِ الغفلة على قلوبهم.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ }


www.alro7.net