سورة
اية:

وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً على خلق العالم العلوي والسفلي: { والسماء بنيناها} أي جعلناها سقفاً محفوظاً رفيعاً، { بأيد} أي بقوة قاله ابن عباس ومجاهد، { وإنا لموسعون} أي قد وسعنا أرجاءها، ورفعناها بغير عمد حتى استقلت كما هي، { والأرض فرشناها} أي جعلناها فراشاً للمخلوقات، { فنعم الماهدون} أي وجعلناها مهداً لأهلها، { ومن كل شيء خلقنا زوجين} أي جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، وحتى الحيوانات والنباتات ولهذا قال تعالى: { لعلكم تذكرون} أي لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له، { ففروا إلى اللّه} أي الجأوا إليه واعتمدوا عليه في أموركم عليه، { إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع اللّه إلهاً آخر} أي لا تشركوا به شيئاً { إني لكم منه نذير مبين} .

تفسير الجلالين

{ والسماء بنيناها بأيد } بقوة { وإنا لموسعون } قادرون يقال: أد الرجل يئيد قوي، وأوسع الرجل: صار ذا سعة وقوة .

تفسير القرطبي

قوله تعالى { والسماء بنيناها بأيد} لما بين هذه الآيات قال : وفي السماء آيات وعبر تدل على أن الصانع قادر على الكمال، فعطف أمر السماء على قصة قوم نوح لأنهما آيتان. ومعنى { بأيد} أي بقوة وقدرة. عن ابن عباس وغيره. { وإنا لموسعون} قال ابن عباس : لقادرون. وقيل : أي وإنا لذو سعة، وبخلقها وخلق غيرها لا يضيق علينا شيء نريده. وقيل : أي وإنا لموسعون الرزق على خلقنا. عن ابن عباس أيضا. الحسن : وإنا لمطيقون. وعنه أيضا : وإنا لموسعون الرزق بالمطر. وقال الضحاك : أغنيناكم؛ دليله { على الموسع قدره} [البقرة : 236]. وقال القتبي : ذو سعه على خلقنا. والمعنى متقارب. وقيل : جعلنا بينهما وبين الأرض سعة. الجوهري : وأوسع الرجل أي صار ذا سعة وغنى، ومنه قوله تعالى { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} أي أغنياء قادرون. فشمل جميع الأقوال. { والأرض فرشناها} أي بسطناها كالفراش على وجه الماء ومددناها. { فنعم الماهدون} أي فنعم الماهدون نحن لهم. والمعنى في الجمع التعظيم؛ مهدت الفراش مهدا بسطته ووطأته، وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها. { ومن كل شيء خلقنا زوجين} أي صنفين ونوعين مختلفين. قال ابن زيد : أي ذكرا وأنثى وحلوا وحامضا ونحو ذلك. مجاهد. يعني الذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والنور والظلام، والسهل والجبل، والجن والإنس، والخير والشر، والبكرة والعشي، وكالأشياء المختلفة الألوان من الطعوم والأراييح والأصوات. أي جعلنا هذا كهذا دلالة على قدرتنا، ومن قدر على هذا فليقدر على الإعادة. وقيل { ومن كل شيء خلقنا زوجين} لتعلموا أن خالق الأزواج فرد، فلا يقدر في صفته حركة ولا سكون، ولا ضياء ولا ظلام، ولا قعود ولا قيام، ولا ابتداء ولا انتهاء؛ إذ عز وجل وتر { ليس كمثله شيء} [الشورى : 11]. { لعلكم تذكرون} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الذاريات الايات 41 - 56

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

السماء يُراد بها كلّ مَا علانا { بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ... } [الذاريات: 47] أي بقوة واقتدار وحكمة والبناء يتطلب العملية التي فيها مكين. ثم قال { وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا... } [الذاريات: 48] أي: مهَّدناها وبسطناها.

فالسماء فيها صفة الثبات، فقال { بَنَيْنَٰهَا... } [الذاريات: 47] والأرض صفتها التغيير، فالمرتفع منها يصير إلى منخفض والتضاريس عليها يطرأ عليها التغيير، فقال { فَرَشْنَاهَا... } [الذاريات: 48] وهيأناها على وضع يُريح سكانها كما نُهيء للطفل فراشه، فلا يكون فيه ما يقلقه.

{ فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ } [الذاريات: 48] من كلمة المهد، وهو الفراش المريح، وحتى فراش الطفل دائماً ما ننظفه ونغيره من حين لآخر، فكذلك الأرض من صفتها التغيُّر وعدم الثبات.

وقوله سبحانه { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [الذاريات: 49] وفي موضع آخر قال تعالى:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ }
[يس: 36] هذه الكلمة
{  وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ }
[يس: 36] جعلتنا ننتظر زوجية لا نعرفها.

ومع تقدم البحث العلمي وجدنا زوجية في الذرة، ووجدنا أن المطر لا يتكوَّن إلا إذا حدث له تلقيح ذري، وعرفنا الزوجية في التيار الكهربائي، ووجدوها حتى في الجمادات.

وما يزال في جُعْبة العلماء الكثير، وكلها مسائل كانت العقول لا تطيقها قبل ذلك، لأن الأمة العربية التي نزل فيها القرآن كانت أمة أمية، ليس عندها شيء من الثقافة، ولو كُشفتْ لهم هذه الأمور ربما ضاقوا بها وانصرفوا بسببها عن أصل الدعوة.

لذلك الحق سبحانه وتعالى يعطيهم برقية موجزة في
{  سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ... }
[فصلت: 53] ليظلّ الباب مفتوحاً يستوعب كل التطورات ويحتاط لكل جديد.

فالسين دلتْ على المستقبل و(نريهم) مضارع يفيد الاستمرار، فهذه الاكتشافات باقية، ومعينها لا ينضب إلى يوم القيامة.

وإذا كانت عملية التكاثر في الغالب والجمهرة أنها تأتي من ذكر وأنثى، فالحق سبحانه يحتفظ لنفسه بطلاقة القدرة، ويعطينا نماذج من البشر جاءتْ على غير هذه القاعدة.

وكأنه سبحانه يقول لنا: أياكم أنْ تظنوا أنني أقف عند هذه الأسباب بل أخلق ما أشاء، أخلق من زوجين، وأخلق بلا زوجين أصلاً، وأخلق من زوج واحد.

يعني: استوعبت طلاقة القدرة في هذه المسألة كلّ أوجهها، ثم
{  وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً... }
[الشورى: 50] فيتوفر الزواج، لكن لا يأتي التكاثر.

ولأن مسألة خلق الأزواج كلها مسألة عجيبة استهلها الحق سبحانه بقوله:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا... }
[يس: 36] يعني: لا تتعجب لأنك أمام قدرة الله، وتنزه سبحانه عن أنْ تقيسه بشىء آخر.


www.alro7.net