سورة
اية:

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { من عمل صالحاً فلنفسه} أي إنما يعود نفع ذلك على نفسه، { ومن أساء فعليها} أي إنما يرجع وبال ذلك عليه، { وما ربك بظلام للعبيد} أي لا يعاقب أحداً إلا بذنبه، ولا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه، ثم قال جلَّ وعلا: { إليه يرد علم الساعة} أي لا يعلم ذلك أحد سواه، كما قال سيد البشر لجبريل عليه السلام حين سأله عن الساعة، فقال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، وكما قال عزَّ وجلَّ: { إلى ربك منتهاها} ، وقال جلَّ جلاله: { لا يجليها لوقتها إلا هو} ، وقوله تبارك وتعالى: { وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} أي الجميع بعلمه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، كقوله: { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} ، وقال تعالى: { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على اللّه يسير} ، وقوله جلَّ وعلا: { ويوم يناديهم أين شركائي} أي يوم القيامة ينادي اللّه المشركين على رءوس الخلائق، أين شركائي الذين عبدتموهم معي؟ { قالوا آذناك} أي أعلمناك، { ما منا من شهيد} أي ليس أحد منا يشهد اليوم أن معك شريكاً، { وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل} أي ذهبوا فلم ينفعوهم، { وظنوا ما لهم من محيص} أي وأيقن المشركون يوم القيامة { ما لهم من محيص} أي لا محيد لهم من عذاب اللّه، كقوله تعالى: { ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً} .

تفسير الجلالين

{ إليه يردُّ علم الساعة } متى تكون لا يعلمها غيره { وما تخرج من ثمرة } وفي قراءة ثمرات { من أكمامها } أوعيتها جمع كِم بكسر الكاف إلا بعلمه { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك } أعلمناك الآن { ما منا من شهيد } أي شاهد بأن لك شريكاً.

تفسير الطبري

يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِلَى اللَّه يَرُدّ الْعَالِمُونَ بِهِ عِلْمَ السَّاعَة , فَإِنَّهُ لَا يَعْلَم مَا قِيَامهَا غَيْره .يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِلَى اللَّه يَرُدّ الْعَالِمُونَ بِهِ عِلْمَ السَّاعَة , فَإِنَّهُ لَا يَعْلَم مَا قِيَامهَا غَيْره .' يَقُول : وَمَا تَظْهَر مِنْ ثَمَرَة شَجَرَة مِنْ أَكْمَامهَا الَّتِي هِيَ مُتَغَيِّبَة فِيهَا , فَتَخْرُج مِنْهَا بَارِزَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَمَا تَخْرُج مِنْ ثَمَرَات مِنْ أَكْمَامهَا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23620 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مِنْ أَكْمَامهَا } قَالَ : حِين تَطْلُع. 23621 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَمَا تَخْرُج مِنْ ثَمَرَات مِنْ أَكْمَامهَا } قَالَ : مِنْ طَلْعهَا وَالْأَكْمَام جَمْع كُمَة , وَهُوَ كُلّ ظَرْف لِمَاءٍ أَوْ غَيْره , وَالْعَرَب تَدْعُو قِشْر الكفراة كُمًّا . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { مِنْ ثَمَرَات } فَقَرَأَتْ ذَلِكَ قُرَّاء الْمَدِينَة : { مِنْ ثَمَرَات } عَلَى الْجِمَاع , وَقَرَأَتْ قُرَّاء الْكُوفَة " مِنْ ثَمَرَات " عَلَى لَفْظ الْوَاحِدَة , وَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قُرِئَ ذَلِكَ فَهُوَ عِنْدنَا صَوَاب لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا مَعَ شُهْرَتهمَا فِي الْقِرَاءَة.يَقُول : وَمَا تَظْهَر مِنْ ثَمَرَة شَجَرَة مِنْ أَكْمَامهَا الَّتِي هِيَ مُتَغَيِّبَة فِيهَا , فَتَخْرُج مِنْهَا بَارِزَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَمَا تَخْرُج مِنْ ثَمَرَات مِنْ أَكْمَامهَا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23620 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مِنْ أَكْمَامهَا } قَالَ : حِين تَطْلُع. 23621 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَمَا تَخْرُج مِنْ ثَمَرَات مِنْ أَكْمَامهَا } قَالَ : مِنْ طَلْعهَا وَالْأَكْمَام جَمْع كُمَة , وَهُوَ كُلّ ظَرْف لِمَاءٍ أَوْ غَيْره , وَالْعَرَب تَدْعُو قِشْر الكفراة كُمًّا . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { مِنْ ثَمَرَات } فَقَرَأَتْ ذَلِكَ قُرَّاء الْمَدِينَة : { مِنْ ثَمَرَات } عَلَى الْجِمَاع , وَقَرَأَتْ قُرَّاء الْكُوفَة " مِنْ ثَمَرَات " عَلَى لَفْظ الْوَاحِدَة , وَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قُرِئَ ذَلِكَ فَهُوَ عِنْدنَا صَوَاب لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا مَعَ شُهْرَتهمَا فِي الْقِرَاءَة.' يَقُول : وَمَا تَحْمِل مِنْ أُنْثَى مِنْ حَمْل حِين تَحْمِلهُ , وَلَا تَضَع وَلَدهَا إِلَّا بِعِلْمٍ مِنَ اللَّه , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ .يَقُول : وَمَا تَحْمِل مِنْ أُنْثَى مِنْ حَمْل حِين تَحْمِلهُ , وَلَا تَضَع وَلَدهَا إِلَّا بِعِلْمٍ مِنَ اللَّه , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ .' وَقَوْله : { وَيَوْم يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَوْم يُنَادِي اللَّه هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ فِي الدُّنْيَا الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام : أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تَشْرَكُونَهُمْ فِي عِبَادَتكُمْ إِيَّايَ ؟ .وَقَوْله : { وَيَوْم يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَوْم يُنَادِي اللَّه هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ فِي الدُّنْيَا الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام : أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تَشْرَكُونَهُمْ فِي عِبَادَتكُمْ إِيَّايَ ؟ .' { قَالُوا آذَنَّاك } يَقُول : أَعْلَمْنَاك { مَا مِنَّا مِنْ شَهِيد } يَقُول : قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ : مَا مِنَّا مِنْ شَهِيد يَشْهَد أَنَّ لَك شَرِيكًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23622 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { آذَنَّاك } يَقُول : أَعْلَمْنَاك. 23623 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { آذَنَّاك مَا مِنَّا مِنْ شَهِيد } قَالُوا : أَطَعْنَاك مَا مِنَّا مِنْ شَهِيد عَلَى أَنَّ لَك شَرِيكًا . { قَالُوا آذَنَّاك } يَقُول : أَعْلَمْنَاك { مَا مِنَّا مِنْ شَهِيد } يَقُول : قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ : مَا مِنَّا مِنْ شَهِيد يَشْهَد أَنَّ لَك شَرِيكًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23622 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { آذَنَّاك } يَقُول : أَعْلَمْنَاك. 23623 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { آذَنَّاك مَا مِنَّا مِنْ شَهِيد } قَالُوا : أَطَعْنَاك مَا مِنَّا مِنْ شَهِيد عَلَى أَنَّ لَك شَرِيكًا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { إليه يرد علم الساعة} أي حين وقتها. وذلك أنهم قالوا : يا محمد إن كنت نبيا فخبرنا متى قيام الساعة فنزلت: { وما تخرج من ثمرات} { من} زائدة أي وما تخرج ثمرة. { من أكمامها} أي من أوعيتها، فالأكمام أوعية الثمرة، واحدها كمة وهي كل ظرف لمال أو غيره؛ ولذلك سمي قشر الطلع أعني كفراه الذي ينشق عن الثمرة كمة؛ قال ابن عباس : الكمة الكفرى قبل أن تنشق، فإذا انشقت فليست بكمة. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة [الرحمن]. وقرأ نافع وابن عامر وحفص { من ثمرات} على الجمع. الباقون { ثمرة} على التوحيد والمراد الجمع، لقوله: { وما تحمل من أنثى} والمراد الجمع، يقول: { إليه يرد علم الساعة} كما يرد إليه علم الثمار والنتاج. { ويوم يناديهم} أي ينادي الله المشركين { أين شركائي} الذين زعمتم في الدنيا أنها آلهة تشفع. { قالوا} يعني الأصنام. وقيل : المشركون. ويحتمل أن يريدهم جميعا العابد والمعبود { آذناك} أسمعناك وأعلمناك. يقال : آذن يؤذن : إذا أعلم، قال : آذنتنا ببينها أسماء ** رب ثاو يمل منه الثواء قوله تعالى: { ما منا من شهيد} أي نعلمك ما منا أحد يشهد بأن لك شريكا. لما عاينوا القيامة تبرءوا من الأصنام وتبرأت الأصنام منهم كما تقدم في غير موضع. { وضل عنهم} أي بطل عنهم { ما كانوا يدعون من قبل} في الدنيا { وظنوا} أي أيقنوا وعلموا { ما لهم من محيص} أي فرار عن النار. و { ما} هنا حرف وليس باسم؛ فلذلك لم يعمل فيه الظن وجعل الفعل ملغى؛ تقديره : وظنوا أنهم ما لهم محيص ولا مهرب. يقال : حاص يحيص. حيصا ومحيصا إذا هرب. وقيل : إن الظن هنا الذي هو أغلب الرأي، لا يشكون في أنهم أصحاب النار ولكن يطمعون أن يخرجوا منها. وليس يبعد أن يكون لهم ظن ورجاء إلى أن يؤيسوا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فُصّلت الايات 44 - 53


سورة فُصّلت الايات 43 - 54

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: (إلَيْه) أي: إليه سبحانه وتعالى { يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } [فصلت: 47] الساعة هي القيامة وعِلْمها يعني وقتها، وهذه من الأمور التي استأثر الله تعالى بعلمها، ولم يُطلع عليها أحداً من خلقه
{  لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }
[الأعراف: 187].

وفي إخفاء وقت الساعة حكم عظيمة، أهمها ألاَّ يتكل الناسُ وأَلاَّ يتمادى أهل الباطل وأهل النزوات والشهوات في شهواتهم، بل يستعد الجميع لها، ويبادر الجميع بالأعمال الصالحة لأن أحداً لا يضمن ميعاد موته وخروجه من دنيا العمل إلى دار الحساب وقلنا: إنه مَنْ مات قامتْ قيامته.

لذلك قلنا: إن الموقوتات العبادية لها زمنٌ من كذا إلى كذا، فالظهر مثلاً من استواء الشمس إلى ظل المثلين، والذي يصلي في كل هذه المدة أدَّى الفرض، لكن يفضل المبادرة لماذا؟ لأنك لا تضمن عمرك إلى آخر الوقت، فربما أتتْك منيّتك بعد لحظة من دخول الوقت فتكون قد أثمتَ.

لذلك لما سُئِل سيدنا رسول الله عن خير الأعمال قال: " الصلاة لوقتها ".

وقال تعالى:
{  إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً }
[النساء: 103] كذلك في الحج ترى الرجل موسراً وقادراً على تكاليف الحج، لكنه لا يحج تسأله يقول لك: إنْ عشتُ لعام كذا وبعد كذا وكذا أحج، سبحانه الله هل ضمنتَ عمرك أنْ تعيش إلى هذا الوقت؟

فالحق سبحانه لحكمة أبهمَ وقت قيام الساعة، وأبهم وقت الموت، واستأثر سبحانه بعلمها، والقيامة حَقٌّ والموت حَقٌّ وسَهْم أُرسِلَ إليك بالفعل، وعمرك بقدر سفره ووصوله إليك.

قالوا: وإبهام علم الساعة والأجل هو عَيْن البيان، فإشاعته في الوقت كله تجعلك مُستعداً له تتوقعه وتنتظره في كل لحظة، لذلك قال تعالى في سورة تبارك:
{  تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }
[الملك: 1-2].

فقدّم الموت في الخلق على الحياة مع أن الحياة كائنة أولاً، قدَّم الموت ليكون دائماً في الذِّهْن وعلى البال، قدَّم الموت لتستقبل الحياة على حذر ولا تغتر بها، تستقبل بمصاحبة نقيضها الموت، لتنتظره في أيِّ لحظة.

ومن رحمة الله بعباده أنْ جعل للقيامة علامات يُستدل بها على قُرْبها، علامات صغرى وعلامات كبرى ليُخوِّف الناس، ويُوقظهم من غفلتهم عن الآخرة.

وقوله { وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا } [فصلت: 47] الأكمام: جمع كِمّ. وهو القشرة الخضراء التي تغلف الثمرة، ثم تنفلق قليلاً قليلاً لتخرج الثمرة منها، كما ترى مثلاً الوردة قبل أن تتفتح تجدها داخل غلاف أخضر مغلق عليها كأنها مُغمضة، ثم تتفتح وتخرج من هذا الغلاف.{ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } [فصلت: 47] هذه كلها من الأمور التي تغيب عن علم الله، كلمة { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ } [فصلت: 47] الحمل معروف، وهو التقاء البويضة الأنثوية بالحيوان المنوي للذكر، ومن هذا الالتقاء يحدث الحمل، وهو هَبَةٌ من الله على أية حال.

قال الحق سبحانه وتعالى:
{  يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ }
[الشورى: 49].

فكأن العُقْمَ نفسه هبةٌ لمن تدبَّر وبحث عن الحكمة، حين تنظر إلى الولد الذي قتل أباه أو قتل أمه، والولد الذي جلب العار لأهله حتى تمنَّوا أن الموت يُريحهم منه، حين تنظر في عقوق الأبناء تعرف أن العقمَ نعمة وهِبَةٌ من الله تستوجب الشكر كما تستوجبه نعمة الولد.

ثم تجد السياق القرآني يُقدَّم الأنثى، لأنها كانت مكروهة عند العرب قديماً وغير مرغوب فيها؛ لذلك جعل الله منزلة خاصة لمن يُربي البنات ويحسن إليهن، ولمن يحترم قدر الله في إنجاب البنات، وكأن هاتفاً من الله يناديه: عبدي ما دُمْتَ قد قبلتَ هبتي ونعمتي، وعِزَّتي وجلالي لآتينَّكَ لكل بنت منهن بزوج يحقق لك آمالك فيها، ويكون أبرَّ لك من أبنائك.

وفي مسألة الإنجاب هذه رأينا عجائب تؤكد قدرة الله تعالى وطلاقة هذه القدرة، رأينا زوجينِ لم يُرزَقا الإنجاب فافترقَا، ثم تزوَّج الرجل بأخرى فأنجب منها وتزوجتْ المرأة بآخر وأنجبتْ منه، فكأن الإنجاب كان ممتنعاً بين هذين بالذات.

ثم حين تتأمل القسمة العقلية لمسألة الخَلْق هذه، تجد أن قدرة الله تعالى قد استوعبتها بصورها الأربعة، فالإنجاب الطبيعي يأتي من ذكر وأنثى، لكن قدرة الله جاءتْ بآدم بلا زوج ولا زوجة، وجاءتْ بحواء من أب بلا أم، وجاءت بعيسى من أم بلا أب، وقد يتوفر الأب والأم ولا يحدث الإنجاب، هذه كلها صور تؤكد طلاقة القدرة الإلهية في مسألة الخَلْق.

وقوله تعالى: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي } [فصلت: 47] هو سبحانه الذي يقول (شُرَكَآئِي) أي: في زعمكم، لأنه قال في موضع آخر
{  ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ }
[الأنعام: 22] فأجابوا - والكلام هنا يحكي موقفاً من مواقف القيامة { قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ } [فصلت: 47] يعني: أخبرناك وأعلمناك، والأذن هي وسيلة السمع، وإليها يصل الكلام، ويحصل العلم فكأن الأذن هي أول وسائل العلم.

لذلك قال تعالى عن الأرض:
{  وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ }
[الانشقاق: 2] يعني: استمتعتْ للأوامر، { قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ } [فصلت: 47] أخبرناك { مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } [فصلت: 47] لا أحد منا يشهد أن لك شركاء، فالحق سبحانه قال { شُرَكَآئِي } ولم ينفِ الشركاءَ لينفُوهم هم.

فبعد فوات الأوان يُقرُّونَ بأن الله تعالى ليس له شريكٌ، وكأن كلمة الشريك هذه لم تَرِدْ يوماً على لسان واحد منهم.


www.alro7.net