سورة
اية:

قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ

تفسير بن كثير

يقول تبارك وتعالى: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون: { إنما أعظكم بواحدة} أي إنما آمركم بواحدة، وهي { أن تقوموا للّه مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} أي تقوموا قياماً خالصاً للّه عزَّ وجلَّ من غير هوى ولا عصبية فيسأل بعضكم بعضاً: هل بمحمد من جنون؟ فينصح بعضكم بعضاً، { ثم تتفكروا} أي ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم، ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه ويتفكر في ذلك، ولهذا قال تعالى: { أن تقوموا للّه مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} هذا معنى ما ذكره مجاهد ومحمد بن كعب والسدي وقتادة وغيرهم، وتفسير الآية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى بعيد كما ذكر ابن كثير ، وقوله تعالى: { إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} ، قال البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: صعد النبي صلى اللّه عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال: (يا صاحباه) فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: (أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني) قالوا: بلى؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: { تبت يدا أبي لهب وتب} ، وقد تقدم عند قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين} . وقال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه رضي اللّه عنه قال: خرج إلينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوماً فنادى ثلاث مرات فقال: (أيها الناس تدرون ما مثلي ومثلكم؟) قالوا: اللّه تعالى ورسوله أعلم، قال صلى اللّه عليه وسلم: (إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم، فبعثوا رجلاً يتراءى لهم، فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه فأهوى بثوبه: أيها الناس أوتيتم، أيها الناس أوتيتم) ثلاث مرات.

تفسير الجلالين

{ قل إنما أعظكم بواحدة } هي { أن تقوموا لله } أي لأجله { مثنى } أي اثنين اثنين { وفرادى } واحدا واحدا { ثم تتفكروا } فتعلموا { ما بصاحبكم } محمد { من جنة } جنون { إن } ما { هو إلا نذير لكم بين يدي } أي قبل { عذاب شديد } في الآخرة إن عصيتموه.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمك : إِنَّمَا أَعِظُكُمْ أَيّهَا الْقَوْم بِوَاحِدَةٍ وَهِيَ طَاعَة اللَّه , كَمَا : 22072 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنَّمَا أَعِظكُمْ بِوَاحِدَةٍ } قَالَ : بِطَاعَةِ اللَّه . وَقَوْله : { أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى } يَقُول : وَتِلْكَ الْوَاحِدَة الَّتِي أَعِظكُمْ بِهَا هِيَ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ , { وَفُرَادَى } فُرَادَى , فَأَنْ فِي مَوْضِع خَفْض تَرْجَمَة عَنِ الْوَاحِدَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22073 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثني أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى } قَالَ : وَاحِدًا وَاثْنَيْنِ . 22074 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى } رَجُلًا وَرَجُلَيْنِ , وَقِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ : إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ , وَتِلْكَ الْوَاحِدَة أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ بِالنَّصِيحَةِ وَتَرْك الْهَوَى . { مَثْنَى } يَقُول : يَقُوم الرَّجُل مِنْكُمْ مَعَ آخَر فَيَتَصَادَقَانِ عَلَى الْمُنَاظَرَة , هَلْ عَلِمْتُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُنُونًا قَطُّ ؟ ثُمَّ يَنْفَرِد كُلّ وَاحِد مِنْكُمْ , فَيَتَفَكَّر وَيَعْتَبِر فَرْدًا هَلْ كَانَ ذَلِكَ بِهِ ؟ فَتَعْلَمُوا حِينَئِذٍ أَنَّهُ نَذِير لَكُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمك : إِنَّمَا أَعِظُكُمْ أَيّهَا الْقَوْم بِوَاحِدَةٍ وَهِيَ طَاعَة اللَّه , كَمَا : 22072 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنَّمَا أَعِظكُمْ بِوَاحِدَةٍ } قَالَ : بِطَاعَةِ اللَّه . وَقَوْله : { أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى } يَقُول : وَتِلْكَ الْوَاحِدَة الَّتِي أَعِظكُمْ بِهَا هِيَ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ , { وَفُرَادَى } فُرَادَى , فَأَنْ فِي مَوْضِع خَفْض تَرْجَمَة عَنِ الْوَاحِدَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22073 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثني أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى } قَالَ : وَاحِدًا وَاثْنَيْنِ . 22074 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى } رَجُلًا وَرَجُلَيْنِ , وَقِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ : إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ , وَتِلْكَ الْوَاحِدَة أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ بِالنَّصِيحَةِ وَتَرْك الْهَوَى . { مَثْنَى } يَقُول : يَقُوم الرَّجُل مِنْكُمْ مَعَ آخَر فَيَتَصَادَقَانِ عَلَى الْمُنَاظَرَة , هَلْ عَلِمْتُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُنُونًا قَطُّ ؟ ثُمَّ يَنْفَرِد كُلّ وَاحِد مِنْكُمْ , فَيَتَفَكَّر وَيَعْتَبِر فَرْدًا هَلْ كَانَ ذَلِكَ بِهِ ؟ فَتَعْلَمُوا حِينَئِذٍ أَنَّهُ نَذِير لَكُمْ . ' وَقَوْله : { ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّة } يَقُول : لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍوَقَوْله : { ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّة } يَقُول : لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ' وَقَوْله { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِير لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيد } يَقُول : مَا مُحَمَّد إِلَّا نَذِير لَكُمْ يُنْذِركُمْ عَلَى كُفْركُمْ بِاللَّهِ عِقَابه أَمَامَ عَذَاب جَهَنَّم قَبْل أَنْ تَصْلَوْهَا , وَقَوْله : " هُوَ " كِنَايَة اسْم مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .وَقَوْله { إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِير لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيد } يَقُول : مَا مُحَمَّد إِلَّا نَذِير لَكُمْ يُنْذِركُمْ عَلَى كُفْركُمْ بِاللَّهِ عِقَابه أَمَامَ عَذَاب جَهَنَّم قَبْل أَنْ تَصْلَوْهَا , وَقَوْله : " هُوَ " كِنَايَة اسْم مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل إنما أعظكم بواحدة} تمم الحجة على المشركين؛ أي قل لهم يا محمد: { إنما أعظكم} أي أذكركم وأحذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه. { بواحدة} أي بكلمة واحدة مشتملة على جميع الكلام، تقتضي نفي الشرك لإثبات الإله قال مجاهد : هي لا إله إلا الله وهذا قول ابن عباس والسدي. وعن مجاهد أيضا : بطاعة الله. وقيل : بالقرآن؛ لأنه يجمع كل المواعظ. وقيل : تقديره بخصلة واحدة، { أن تقوموا لله مثنى وفرادى} "أن" في موضع خفض على البدل من "واحدة"، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي هي أن تقوموا. ومذهب الزجاج أنها في موضع نصب بمعنى لأن تقوموا. وهذا القيام معناه القيام إلى طلب الحق لا القيام الذي هو ضد القعود، وهو كما يقال : قام فلان بأمر كذا؛ أي لوجه الله والتقرب إليه. وكما قال تعالى: { وأن تقوموا لليتامى بالقسط} النساء : 127]. { مثنى وفرادى} أي وحدانا ومجتمعين قاله السدي. وقيل : منفردا برأيه ومشاورا لغيره، وهذا قول مأثور. وقال القتبي : مناظرا مع غيره ومفكرا في نفسه، وكله متقارب. ويحتمل رابعا أن المثنى عمل النهار والفرادى عمل الليل، لأنه في النهار معان وفي الليل وحيد، قال الماوردي. وقيل : إنما قال: { مثنى وفرادى} لأن الذهن حجة الله على العباد وهو العقل، فأوفرهم عقلا أوفرهم حظا من الله، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة، وإذا كانوا مثنى تقابل الذهنان فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد؛ والله أعلم. { ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} الوقف عند أبي حاتم وابن الأنباري على { ثم تتفكروا} . وقيل : ليس هو بوقف لأن المعنى : ثم تتفكروا هل جربتم على صاحبكم كذبا، أو رأيتم فيه جنة، أو في أحواله من فساد، أو اختلف إلى أحد ممن يدعي العلم بالسحر، أو تعلم الأقاصيص وقرأ الكتب، أو عرفتموه بالطمع في أموالكم، أو تقدرون على معارضته في سورة واحدة؛ فإذا عرفتم بهذا الفكر صدقه فما بال هذه المعاندة. { إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية { وأنذر عشيرتك الأقربين} الشعراء : 214] ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف : يا صباحاه؟ فقالوا : من هذا الذي يهتف!؟ قالوا محمد؛ فاجتمعوا إليه فقال : (يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب فاجتمعوا إليه فقال أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي)؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا. قال : (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد). قال فقال أبو لهب : تبا لك! أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قال فنزلت هذه السورة: { تبت يدا أبي لهب وتب} المسد : 1] كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة سبأ الايات 39 - 47

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بعد أنْ أعطاهم الحق سبحانه درساً وعبرة بمَنْ سبقهم من المكذبين يعود ليخاطبهم من جديد، فيقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قُلْ } يعني: لهم { إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ } [سبأ: 46] الوعظ ليس إنشاءَ حكم، إنما هو تذكير بحكم سبق ونسيه الناس، فالواعظ يُبيِّن للناس أموراً يعرفونها ويؤمنون بها من الدين، لكم أَنْستهم الشهوات والغفلة هذه الأمور، فهو مُذكِّر بها، والعِظَة لا تكون إلا من مُحبٍّ لك حريص على مصلحتك.

لذلك فالحق - تبارك وتعالى - يعطينا نموذجاً للوعظ في قصة لقمان حين يعِظ ولده:
{  وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ.. }
[لقمان: 13].

ومعنى { بِوَاحِدَةٍ } [سبأ: 46] يعني: موعظة واحدة فيها كل الآحاد، واستخدم السياق { إِنَّمَآ } [سبأ: 46] الدالة على القصر يعني: لا أعظكم إلا بواحدة، ما هي؟ { أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ } [سبأ: 46] يعني: إياك أنْ تقوم لشهوة نفسك، أو لسيادة تحافظ عليها، إياك أنْ تقوم وأنت تريد الاستعلاء على هذا النبي، إنما يكون قيامك لله، يعني: تتجرد عن هواك، وتتجرَّد عن شهواتك وعن تعصُّبك.

وما دُمْتَ تتودد إليهم أنْ يقوموا لله فلا بُدَّ أن لله تعالى مكانة في قلوبهم، وهو سبحانه في بالهم بدليل:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ }
[لقمان: 25].
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }
[الزخرف: 87].

إذن: كانوا يؤمنون بأن الله تعالى هو خالقهم، وهو خالق السماوات والأرض؛ لأن هذه المسألة من الوضوح بحيث لا ينكرها منكر، مهما بلغ من الكفر والإلحاد، لماذا؟

لأن مسألة الخَلْق لم يدَّعها أحد لنفسه؛ لأن الدعوى إنما تكون عند وقوع ليس بباطل يمكن أن يكون له رواج، لكن هذه المسألة واضحة، لا لَبْسَ فيها، ومهما بحثوا فلن يجدوا خالقاً لهم وللكون من حولهم إلا الله؛ لذلك يجادلهم بالمنطق في هذه المسألة فيقول: أنتم أمام أمرين: إما إنكم خلقتم هذا الخَلْق، أو أنكم خُلِقْتم من غير خالق.

فالأولى مردودة؛ لأن أحداً لم يَدَّع الخَلْق، والأخرى مردودة؛ لأن أتفه من السماء والأرض، وأتفه من الإنسان لا بُدَّ له من صانع يصنعه، فالحذاء الذي تلبسه في قدميك، أليس له صانع؟

إذن: السماء والأرض والإنسان لا بُدَّ أن لهم صانعاً على قدر عِظمهم، وكيف ينكرون هذه المسألة وهم يعترفون بعضهم لبعض بأبسط الأمور، ويعرفون صاحبها ويفخرون به، ففلان كان يئد البنات، وفلان كان عنده جفنة طعام يأكل منها كذا وكذا من الضِّيفان، وفلان كان أشجع العرب.. إلخ وكَثُر في شعرهم قولهم: أنا ابن فلان، وأنا ابن فلان.

إذن: مسألة الخَلْق هذه لا يجرؤ أحد منهم على أنْ ينكرها، وما داموا يعترفون لله تعالى بالخَلْق، فعليهم أنْ يقوموا لهذا الإله الذي أقروا له بالخلق، وأنْ يُخلِصوا في قيامهم له، فلا يكون في بالهم أحد سواه، وعندها ثِقُوا تماماً أنكم ستصلون بهذا القيام إلى الحق؛ لأنه لا يُضَبِّبُ الحق في عقول الباحثين فيه إلا هوى النفس، كما قاله سبحانه:
{  وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ }
[المؤمنون: 71].

والقيام المراد هنا لا يشترط فيه الجماعة ولا الجماهيرية؛ لأنه قيام للتفكُّر، فينبغي أنْ يكون { مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ.. } [سبأ: 46] مثنى: يعنى: اثنين اثنين، وفرادى: واحداً واحداً. بحيث يختلي كُلٌّ مع نفسه ليفكر في أمر محمد بواقعية وتجرُّد: كيف كان بينكم، وكيف كانت سيرته وأخلاقه، وهل جرَّبتم عليه كذباً، أو سحراً، أو كهانة؟ وهل سبق له أنْ ادَّعَى ما ليس له؟ هل رأيتم عليه قبل بعثته علامة من علامات الجنون؟ { ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ } [سبأ: 46].

وهذا التفكُّر في حال رسول الله يحتاج إلى موضوعية؛ لذلك اختار أنْ ينفردوا به، إما مثنى مثنى، وإما فرادى، فالإنسان حين يكون بمفرده، فلا يوجد له نظير ينهزم أمامه، ولا نظير يهيجه على غير الحق، فرأيه في هذه الحالة يكون أقرب للصواب.

والمنفرد إنْ تفكَّر وصل إلى الحق؛ لأنه لن يغشَّ نفسه، ولن يخدعها، ولن يستكبر أنْ يعود للحق، إما أن كانوا جماعة فلا بُدَّ أن يحاول كل منهم أنْ يثبت حجته، ولو اضطر للكذب وللخداع كما نراهم في مثل هذه المواقف، كُلٌّ يحلف أنه على الحق وغيره على الباطل.

فكأن الحق بهذه الطريقة في التفكير يحمينا ويعصمنا من غوغائية الجماهيرية في الحكم، هذه الغوغائية التي نشاهدها مثلاً في المظاهرات، حيث يهتف كُلٌّ بما يريد، فتختلط الأصوات، وتتداخل الهتافات، فلا تستطيع أنْ تميزها.

لذلك لما تكلم شوقي رحمه الله عن موقعة (اكتيوم) بين كليوباترا وخصومها وقد هُزِمَتْ فيها، إلا أن أبواقهم صوَّرَتْ الهزيمة على أنها نصر، وأخذتْ الجماهير الغوغائية تُردِّد ما يقولون، فقال شوقي:
اسْمِعِ الشعْبَ دُيُونُ   كَيْفَ يُوحُون إليْه
مَلأَ الجوَّ هِتَافاً   بحياتَىْ قَاتِلَيْه
أَثَّر البهتانُ فيهِ   وانطَلى الزُّور عليْه
يَا لَهُ من بَبْغاءٍ   عقلُه في أُذُنيْه!!
فالحق يُعلِّمنا كيفية التفكُّر مثنى أو فرادى، ويحمينا من الغوغائية.

وهذه المسألة تأخذنا إلى اعتراض المستشرقين على قوله تعالى:
{  يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ }
[الأنبياء: 110].

ووجه اعتراضهم: إذا كان الله تعالى يمتنُّ علينا بعلم ما نكتم، فما الميزة في علم الجهر، وكلنا يعلم الجهر؟ ونقول: الخطاب هنا للجماعة، فالحق سبحانه يعلم ما تكتمون جميعاً وما تعلنون، إنِ اختلطت أصواتكم وتداخلت فهو يعلمها، ويرد كلَّ صوتٍ إلى صاحبه، وعِلْم الجهر المختلط أعظم من علم المكتوم؛ لأن المكتوم يمكن أنْ تكونَ له أمارات تدل عليه، أمّا علم الجهر المختلط، فيصعب أنْ تُميِّز بعضه من بعض.

كذلك إنْ كانوا مثنى مثنى، فالاثنان كما نقول: الرأي والرأي الآخر، ولو انهزم أحدهما أمام الآخر فهزيمته مستورة؛ لذلك دائماً ما نسمع من يقول لخصمه: أريد أن أجلس أنا وأنت على انفراد؟ لأنكما طرفا المسألة ولا يوجد طرف ثالث يُسبِّب لواحد منكما إحراجاً، أو إذلالاً، يتسبب في تغيُّر مسلكك أمامه.ومعنى { أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ } [سبأ: 46] ليس القيام الذي يقابله القعود، إنما مَنْ قام بالأمر يعني: فعله وأدَّاه، وإنْ كان قاعداً، ومن ذلك نقول: فلان يقوم بأمر فلان، أو فلان يؤدي وظيفة فلان. أي: يقوم بها.

ومعنى { مَا بِصَاحِبِكُمْ } [سبأ: 46] يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم { مِّن جِنَّةٍ } [سبأ: 46] جنون؛ لأنهم قالوا على رسول الله أنه مجنون، وعجيب منهم وهم أعرف الناس به، أنْ يصفوه بالجنون، وهم لم يَرواْ عليه علامة من علامات الجنون، ولم يصنع شيئاً مخالفاً لمجتمعه الذي عاش فيه، بل كانوا قبل البعثة يقولون عنه: الصادق الأمين، فكما ظهر كذبهم في قولهم (ساحر)، كذلك ظهر كذبهم في قولهم (مجنون).

ولو خَلاَ الواحد منهم إلى نفسه، ثم تفكَّر في شخص رسول الله لوصل بنفسه إلى الحق، ولو أدار في عقله هذه الاتهامات لوجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ منها، وما دام منفرداً في هذا التفكُّر، فلن يخجل أبداً أنْ يعود إلى الحق؛ لأنه لن ينهزم أمام أحد.

وقد تناول القرآن الكريم كل افتراءاتهم على رسول الله، وأظهر بطلانها، فقال تعالى:
{  إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }
[الحاقة: 40-42].

وقال:
{  وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ }
[التكوير: 22].

والحق - سبحانه وتعالى - هنا لم يذكر لنا نتيجة التفكُّر والبحث مثنى وفرادى؛ لأنه معلوم وواضح، إلا أنه قال عنه صلى الله عليه وسلم: { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [سبأ: 46].

شيء آخر: هل آمن الناس كلهم برسول الله بعد أن سمعوا منه قرآناً مُعْجزاً لنقول: إن القرآن هو المعجزة التي تثبت صِدْق الرسول؟ نقول: لا، إنما منهم مَنْ لم يؤمن بعد أن سمع القرآن، ومنهم مَنْ آمن قبل نزول القرآن، وبمجرد أنْ قال محمد: إني رسول الله. وأولهم السيدة خديجة، والصِّدِّيق أبو بكر، فما حيثية إيمانهم برسول الله؟ وما المعجزة التي عرفوا بها صِدْقه؟ حيثيته ومعجزته عند هؤلاء سيرته صلى الله عليه وسلم فيهم أولاً، فهي كافية لأنْ يؤمنوا به إنْ قال: أنا رسول الله إليكم. أما القرآن فهو معجزة وتحدٍّ لمن جحد.

لذلك نرى سيدنا رسول الله يُذكِّر قومه بهذه السيرة بينهم ويتخذها حجة له، " فلما بُعِث صعد إلى الصفا، ونادى في القوم، فلما اجتمعوا حوله قال: " أرأيتم لو حدثتكم أن خيلاً وراء هذا الوادي جاءت لتُغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقي؟ " قالوا: ما جرَّبنا عليك مِنْ كذب، فقال: " أنا رسول الله إليكم " فقالوا لِتَوِّهم: أنت كذاب تباً لك، أَلهذا جمعتنا؟ ".

وتلحظ أن الذين صادموا رسول الله في أول البعثة، والذين اتهموه بالكذب من أهله وأقرب للناس إليه، وعمه هو الذي قال له: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ وهنا موطن حكمة وحجة في بعثة سيدنا رسول الله، جعلها الله ليعلم الناس أن مكانة قريش وسيادتها في الجزيرة العربية لم تكن هي التي صنعت رسالة محمد ليسودوا بها العالم، فأعدى أعدائه كانوا من قريش، ولم يجد رسول الله نُصْرة في مكة، إنما كانت نصرته في يثرب.

لذلك سبق أن قلنا: إن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، لا أن العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان به صلى الله عليه وسلم.

ثم يقول الحق سبحانه:

{ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ... }.


www.alro7.net