سورة
اية:

وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً على برهان نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم، حيث أخبر بالغيوب الماضية خبراً كأن سامعه شاهدٌ وراءٍ لما تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئاً من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئاً من ذلك، كما أنه لما أخبره عن مريم، قال تعالى‏:‏ ‏ { ‏وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} ، ولما أخبره عن نوح وإغراق قومه، قال تعالى: { تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} الآية. وقال بعد ذكر قصة يوسف { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} الآية، وقال في سورة طه: { كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق} الآية، وقال ههنا بعدما أخبر عن قصة موسى { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} يعني ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلّم اللّه فيه موسى من الشجرة على شاطئ الوادي، { وما كنت من الشاهدين} لذلك، ولكن اللّه سبحانه وتعالى أوحى إليك ذلك، ليكون حجة وبرهاناً على قرون قد تطاول عهدها، ونسوا حجج اللّه عليهم، وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين، وقال تعالى: { وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا} أي وما كنت مقيماً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، حين أخبرت عن نبيها شعيب وما قاله لقومه وما ردوا عليه، { ولكنا كنا مرسلين} أي ولكن نحن أوحينا إليك ذلك، وأرسلناك إلى الناس رسولاً، { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} قيل: المراد أمة محمد، نودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني وأجبتكم قبل أن تدعوني "أخرجه النسائي في سننه عن أبي هريرة موقوفاً، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم أيضاً" وقال قتادة: { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} موسى، وهذا أشبه بقوله تعالى: { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} ، ثم أخبر ههنا بصيغة أخرى أخص من ذلك وهو النداء، كما قال تعالى: { وإذ نادى ربك موسى} ، وقال تعالى: { إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى} ، وقال تعالى: { وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا} ، وقوله تعالى: { ولكن رحمة من ربك} أي ما كنت مشاهداً لشيء من ذلك، ولكن اللّه تعالى أوحاه إليك وأخبرك به رحمة منه بك وبالعباد بإرسالك إليهم، { لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} أي لعلهم يهتدون بما جئتهم به من اللّه عزَّ وجلَّ، { ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا} الآية، أي وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة، ولينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من اللّه بكفرهم، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، كما قال تعالى: { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين} ، وقال تعالى: { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير} والآيات في هذه كثيرة.

تفسير الجلالين

{ وما كنت بجانب الطور } الجبل { إذ } حين { نادينا } موسى أن خذ الكتاب بقوة { ولكن } أرسلناك { رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك } وهم أهل مكة { لعلهم يتذكرون } يتعظون.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا كُنْت يَا مُحَمَّد بِجَانِبِ الْجَبَل إِذْ نَادَيْنَا مُوسَى بِأَنْ { سَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة , وَاَلَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ } 7 156 : 157 الْآيَة , كَمَا : 20923 -حَدَّثَنَا عِيسَى بْن عُثْمَان بْن عِيسَى الرَّمْلِيّ , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن عِيسَى , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَلِيّ بْن مُدْرِك , عَنْ أَبِي زُرْعَة , فِي قَوْل اللَّه : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } قَالَ : نَادَى يَا أُمَّة مُحَمَّد أَعْطَيْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُونِي , وَأَجَبْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَدْعُونِي . 20924 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } قَالَ : نُودُوا : يَا أُمَّة مُحَمَّد أَعْطَيْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُونِي , وَاسْتَجَبْت لَكُمْ قَبْل أَنْ تَدْعُونِي . 20925 - حَدَّثني اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا حَرْمَلَة بْن قَيْس النَّخَعِيّ , قَالَ : سَمِعْت هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } قَالَ : نُودُوا يَا أُمَّة مُحَمَّد أَعْطَيْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُونِي , وَاسْتَجَبْت لَكُمْ قَبْل أَنْ تَدْعُونِي . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا مُعْتَمِر عَنْ سُلَيْمَان , وَسُفْيَان عَنْ سُلَيْمَان , وَحَجَّاج , عَنْ حَمْزَة الزَّيَّات , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَلِيّ بْن مُدْرِك , عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فِي قَوْله : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } قَالَ : نُودُوا يَا أُمَّة مُحَمَّد أَعْطَيْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُونِي , وَاسْتَجَبْت لَكُمْ قَبْل أَنْ تَدْعُونِي , قَالَ : وَهُوَ قَوْله حِين قَالَ مُوسَى { وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة , وَفِي الْآخِرَة } 7 156 الْآيَة . 20926 - قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج مِثْل ذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا كُنْت يَا مُحَمَّد بِجَانِبِ الْجَبَل إِذْ نَادَيْنَا مُوسَى بِأَنْ { سَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة , وَاَلَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ } 7 156 : 157 الْآيَة , كَمَا : 20923 -حَدَّثَنَا عِيسَى بْن عُثْمَان بْن عِيسَى الرَّمْلِيّ , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن عِيسَى , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَلِيّ بْن مُدْرِك , عَنْ أَبِي زُرْعَة , فِي قَوْل اللَّه : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } قَالَ : نَادَى يَا أُمَّة مُحَمَّد أَعْطَيْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُونِي , وَأَجَبْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَدْعُونِي . 20924 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } قَالَ : نُودُوا : يَا أُمَّة مُحَمَّد أَعْطَيْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُونِي , وَاسْتَجَبْت لَكُمْ قَبْل أَنْ تَدْعُونِي . 20925 - حَدَّثني اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا حَرْمَلَة بْن قَيْس النَّخَعِيّ , قَالَ : سَمِعْت هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } قَالَ : نُودُوا يَا أُمَّة مُحَمَّد أَعْطَيْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُونِي , وَاسْتَجَبْت لَكُمْ قَبْل أَنْ تَدْعُونِي . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا مُعْتَمِر عَنْ سُلَيْمَان , وَسُفْيَان عَنْ سُلَيْمَان , وَحَجَّاج , عَنْ حَمْزَة الزَّيَّات , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَلِيّ بْن مُدْرِك , عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فِي قَوْله : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الطُّور إِذْ نَادَيْنَا } قَالَ : نُودُوا يَا أُمَّة مُحَمَّد أَعْطَيْتُكُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُونِي , وَاسْتَجَبْت لَكُمْ قَبْل أَنْ تَدْعُونِي , قَالَ : وَهُوَ قَوْله حِين قَالَ مُوسَى { وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة , وَفِي الْآخِرَة } 7 156 الْآيَة . 20926 - قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج مِثْل ذَلِكَ .' وَقَوْله : { وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَمْ تَشْهَد شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَا مُحَمَّد فَتَعْلَمهُ , وَلَكِنَّا عَرَّفْنَاكَهُ , وَأَنْزَلْنَا إِلَيْك , فَاقْتَصَصْنَا ذَلِكَ كُلّه عَلَيْك فِي كِتَابنَا , وَابْتَعَثْنَاك بِمَا أَنْزَلْنَا إِلَيْك مِنْ ذَلِكَ رَسُولًا إِلَى مَنْ ابْتَعَثْنَاك إِلَيْهِ مِنْ الْخَلْق رَحْمَة مِنَّا لَك وَلَهُمْ , كَمَا : 20927 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك } مَا قَصَصْنَا عَلَيْك { لِتُنْذِر قَوْمًا } الْآيَة . 20928 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك } قَالَ : كَانَ رَحْمَة مِنْ رَبّك النُّبُوَّة . وَقَوْله : { وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَمْ تَشْهَد شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَا مُحَمَّد فَتَعْلَمهُ , وَلَكِنَّا عَرَّفْنَاكَهُ , وَأَنْزَلْنَا إِلَيْك , فَاقْتَصَصْنَا ذَلِكَ كُلّه عَلَيْك فِي كِتَابنَا , وَابْتَعَثْنَاك بِمَا أَنْزَلْنَا إِلَيْك مِنْ ذَلِكَ رَسُولًا إِلَى مَنْ ابْتَعَثْنَاك إِلَيْهِ مِنْ الْخَلْق رَحْمَة مِنَّا لَك وَلَهُمْ , كَمَا : 20927 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك } مَا قَصَصْنَا عَلَيْك { لِتُنْذِر قَوْمًا } الْآيَة . 20928 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك } قَالَ : كَانَ رَحْمَة مِنْ رَبّك النُّبُوَّة . ' وَقَوْله : { لِتُنْذِر قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنْ أَرْسَلْنَاك بِهَذَا الْكِتَاب وَهَذَا الدِّين لِتُنْذِر قَوْمًا لَمْ يَأْتِهِمْ مِنْ قَبْلك نَذِير , وَهُمْ الْعَرَب الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بَعَثَهُ اللَّه إِلَيْهِمْ رَحْمَة لِيُنْذِرهُمْ بَأْسه عَلَى عِبَادَتهمْ الْأَصْنَام , وَإِشْرَاكهمْ بِهِ الْأَوْثَان وَالْأَنْدَاد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20929 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد { وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك } قَالَ : الَّذِي أَنْزَلْنَا عَلَيْك مِنْ الْقُرْآن { لِتُنْذِر قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلك } . وَقَوْله : { لِتُنْذِر قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنْ أَرْسَلْنَاك بِهَذَا الْكِتَاب وَهَذَا الدِّين لِتُنْذِر قَوْمًا لَمْ يَأْتِهِمْ مِنْ قَبْلك نَذِير , وَهُمْ الْعَرَب الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بَعَثَهُ اللَّه إِلَيْهِمْ رَحْمَة لِيُنْذِرهُمْ بَأْسه عَلَى عِبَادَتهمْ الْأَصْنَام , وَإِشْرَاكهمْ بِهِ الْأَوْثَان وَالْأَنْدَاد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20929 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد { وَلَكِنْ رَحْمَة مِنْ رَبّك } قَالَ : الَّذِي أَنْزَلْنَا عَلَيْك مِنْ الْقُرْآن { لِتُنْذِر قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلك } . ' وَقَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يَقُول : لِيَتَذَكَّرُوا خَطَأ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ كُفْرهمْ بِرَبِّهِمْ , فَيُنِيبُوا إِلَى الْإِقْرَار لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ , وَإِفْرَاده بِالْعِبَادَةِ دُون كُلّ مَا سِوَاهُ مِنْ الْآلِهَة .وَقَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يَقُول : لِيَتَذَكَّرُوا خَطَأ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ كُفْرهمْ بِرَبِّهِمْ , فَيُنِيبُوا إِلَى الْإِقْرَار لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ , وَإِفْرَاده بِالْعِبَادَةِ دُون كُلّ مَا سِوَاهُ مِنْ الْآلِهَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} أي كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل الله موسى إلى فرعون، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات مع السبعين وروى عمرو بن دينار يرفعه قال : (نودي يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني) فذلك قوله { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} وقال أبو هريرة - وفي رواية عن ابن عباس - إن الله قال : (يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ورحمتكم قبل أن تسترحموني) قال وهب : وذلك أن موسى لما ذكر الله له فضل محمد وأمته قال : يا رب أرنيهم فقال الله : (إنك لن تدركهم لإن شئت ناديتهم فأسمعتك صوتهم) قال : بلى يا رب فقال الله تعالى : (يا أمة محمد) فأجابوا من أصلاب أبائهم فقال : (قد أجبتكم قبل أن تدعوني) ومعنى الآية على هذا ما كنت بجانب الطور إذ كلمنا موسى فنادينا أمتك وأخبرناه بما كتبناه لك ولأمتك من الرحمة إلى آخر الدنيا. { ولكن} فعلنا ذلك { رحمة} منا بكم قال الأخفش { رحمه} نصب على المصدر أي ولكن رحمناك رحمة وقال الزجاج : هو مفعول من أجله أي فعل ذلك بك لأجل الرحمة. النحاس : أي لم تشهد قصص الأنبياء، ولا تليت عليك، ولكنا بعثناك وأوحيناها إليك للرحمة وقال الكسائي : على خبر كان؛ التقدير : ولكن كان رحمة. قال : ويجوز الرفع بمعنى هي رحمة الزجاج : الرفع بمعنى ولكن فعل ذلك رحمة { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} يعني العرب أي لم تشاهد تلك الأخبار، ولكن أوحيناها إليك رحمة بمن أرسلت إليهم لتنذرهم بها { لعلهم يتذكرون} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 44 - 47

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا... } [القصص: 46] أي: موسى عليه السلام { وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ... } [القصص: 46] أي: أنك يا محمد ما شهدت هذه الأحداث، إنما جاءتْك بالفضل من الله { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [القصص: 46] يتذكَّرون ما غفلوا عنه من الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.

وكلمة (وما كنت) في مواضع عدة في القرآن تدل على أن رسول الله جاء بأخبار لم يقرأها في كتاب، ولم يسمعها من مُعلِّم؛ لأنه لا يقرأ، ولم يُعرف عنه أنه جلس إلى مُعلِّم، وأهل الكتاب هم الذين يعرفون صدْق هذه الأخبار؛ لأنها ذُكِرت في كتبهم، لذلك قال القرآن عنهم:
{  يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ.. }
[الأنعام: 20].

ويقول سبحانه:
{  إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ }
[الأعلى: 18-19].

ومن علامات النبوة أن يخرق الحق سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم حُجُب الغيب، والشيء يغيب عنك إما لأنه ماضٍ، ولا وسيلةَ لك إليه، وهذا هو حجاب الزمن الماضي، وهو لا يُعرف إلا بواسطة القراءة في كتاب أو التعلم من مُعلِّم، وقد نفى الله تعالى هذا بالنسبة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكون الحجابُ الزمن المستقبل والأحداث التي لم تأْتِ بعْد، ولا يستطيع أن يخبرك بها إلا الذي يعلمها أزَلاً.

لذلك يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:
{  سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ }
[الأعلى: 6] فكان النجم من القرآن ينزل على رسول الله فلما يُسرى عنه يُمليه على أصحابه، كل آية في مكانها وترتيبها من السورة، ثم يقرؤها بعد ذلك كما أُنزلت، وكما أملاها.

وسبق أنْ قُلْنا: تستطيع أن تتحدَّى أيَّ شخص بأن يتكلم مثلاً لمدة ثُلث الساعة، ثم يعيد ما قال، ولن يستطيع، أما المسألة مع سيدنا رسول الله فتختلف؛ لأنها من الله تعالى
{  سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ }
[الأعلى: 6].

وقلنا: إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول نزول القرآن عليه كان يُردد الآية خلف جبريل عليه السلام مخافة أن ينساها، فإنْ قال جبريل:
{  وَٱلضُّحَىٰ }
[الضحى: 1] قال رسول الله
{  وَٱلضُّحَىٰ }
[الضحى: 1] وهكذا، فأنزل الله عليه:
{  لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ }
[القيامة: 16-18].

وقال سبحانه:
{  وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ... }
[طه: 114].

أي: أرح نفسك يا محمد، ولا تخْشَ النسيان، وانتظر حتى تنتهي الآيات، وسوف تعيدها كما هي، لا تَنْسى منها حرفاً واحداً.

ومن كشف حُجُب الغيب المستقبل قوله تعالى:
{  وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً... }
[النحل: 8] ولو انتهتْ الآية إلى هذا الحدِّ لقالوا: ذكر القرآن البدائيات، ولم يذكر شيئاً عن السيارة والصاروخ.. إلخ.

لكن الحق - تبارك وتعالى - يكمل الآية
{  وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }
[النحل: 8] ليجعل في القرآن رصيداً لكل ما يستجد من وسائل المواصلات والانتقال إلى يوم القيامة.

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ }
[يس: 36] فكلُّ شيء في الوجود قائم على الزوجين ذكورةً وأنوثة حتى الجمادات التي لا نرى فيها حياة.

ومن ذلك قوله تعالى:
{  الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ... }
[الروم: 1-4]

فمَنْ يستطيع أن يحكم على نتيجة معركة بعد سبع سنين؟ وبعد ذلك يُصدِّقه الله، وتنتصر الروم، وكانوا أهل كتاب على الفرس، وكانوا يعبدون النار؛ لذلك قال سبحانه:
{  وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ... }
[الروم: 4-5].

ولما تشوَّق الصحابة لأداء العمرة ونزل على رسول الله قوله تعالى:
{  لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً }
[الفتح: 27].

" فخرج بهم رسول الله حتى بلغوا الحديبية على بُعْد 22 كيلو من مكة تعرَّضَتْ لهم قريش، ومنعتهم من العمرة، واشترطوا عليهم العودة في العام المقبل، وقد كتبوا وثيقة تعاهدوا فيها، فلما أملى رسول الله على الكاتب: هذا ما تعاهد عليه محمد رسول الله، قام عمرو بن سهيل فقال: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما حاربناك ولا رددناك، إنما اكتب: هذا ما تعاهد عليه محمد بن عبد الله.

وعندها ثار صحابة رسول الله وغضبوا حتى راجعوا رسول الله فقال عمر: يا رسول الله ألسْنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى قال: فَلِمَ نعطى الدَّنية في ديننا، فقال الصِّديق: الزم غَرْزَهُ يا عمر، يعني قف عند حدَّك - إنه رسول الله.

ولما أصر علي بن أبي طالب أن يكتب محمد رسول الله نظر إليه رسول الله، وقال: " يا علي ستُسام مثلها فتقبل " ومرَّتْ الأيام والسنون، وقُبض رسول الله، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلما تولّى عليٌّ الخلافة وحدثت الفتنة بينه وبين معاوية، وقامت بينهما حرب الجمل ثم صفِّين حتى اضطر عليّ لأنْ يكتب مع معاوية وثيقة لإنهاء القتال أملى عليّ: هذا ما تعاهد عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فقالوا له: لو أنك أمير المؤمنين ما حاربناك، فاسترجع عليٌّ قول رسول الله: " سَتُسام مثلها فتقبل ".

إذن: خرق الله لرسوله حجاب الزمن الماضي، والزمن المستقبل، فماذا عن الزمن الحاضر؟ وكيف يكون خرق الحجاب فيه؟ هذا في مثل قوله تعالى:
{  وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ... }
[المجادلة: 8] فأطلعه الله على ما في نفوس القوم.

وفي غزوة مؤتة، وهي الغزوة الوحيدة التي لم يحضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك سُمِّيت غزوة - لأن الغزوة لا تُقَال إلا للمعركة التي حضرها رسول الله، أما في مؤتة فقد حضرها وشاهدها وهو في المدينة، حيث كشف الله له حجاب الحاضر، فصار يخبر أصحابه في المدينة بما يجري في مؤتة وكأنها رَأْيُ العين.ويومها تولى القيادة جماعة من كبار الصحابة: زيد بن حارثة، وابن رواحة، وجعفر بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، فكان صلى الله عليه وسلم يقول: قُتِل فلان وسقطت الراية، فأخذها فلان وقُتِل وحملها فلان.. إلخ فلما عادوا من الغزوة أخبروا بنفس ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم... }.

لمسات بيانية - للدكتور / فاضل صالح السامرائي

 كرّر فعل الإتيان في النمل، فقال: "سَآتيكُمْ مِنها بِخَبَر أوْ آتيكُمْ بِشِهابٍ"، ولم يكرره في القصص، بل قال: "لَعَلّي آتيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍأوْ جَذْوَةٍ"

 

فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه وثقته بنفسه، والتوكيد يدل على القوة، في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن فعل (الإتيان) تكرر في النمل اثنتي عشرة مرةانظر الآيات: 7 مرتين، 18، 21، 28، 37، 38، 39، 40، 54، 55، 87 وتكرر في القصص ست مرات (انظر الآيات 29، 30، 46، 49، 71، 72) فناسب تكرار (آتيكم) في النمل من كل وجه

 

لمسات بيانية في سورتي النمل والقصص

إن كل تعبير مناسبٌ لجو السورة الذي وردت فيه القصة، ذلك أن الترجي من سمات سورة القصص، والقطع من سمات سورة النمل. فقد جاء في سورةالقصص قوله تعالى: "عَسى أن ينْفَعَنا أوْ نَتّخِذَهُ وَلَدا" وهو ترَجٍّ. وقال: "عَسَى رَبّي أَن يَهْدِيَني سَوَاءَ السّبيلِ" وهو ترجٍّ أيضا. وقال: " لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ" وقال "لَعَلّكُم تَصْطَلونَ"، وقال: "لَعَلّي أَطّلِعُ إلى إِلَهِ موسَى" ، وقال  " لَعَلّهُمْ يَتَذكّرونَ " ثلاث مرات في الآيات 43، 46، 51، وقال "  فَعَسَى أَنْ يَكونَ مِنَ المُفْلِحينَ" ، وقال: "ولَعَلّكُم تَشكُرونَ 73"وهذا كله ترجّ. وذلك في عشرة مواطن في حين لم يرد الترجي في سورةالنمل، إلا في موطنين وهما قوله: "لَعَلّكُمْ تَصْطَلونَ"، وقوله: "لَعَلّكُمْ تُرْحَمونَ"
وقد تردد القطع واليقين في سورة النمل، من ذلك قوله تعالى على لسان الهدهد: "أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ"النمل:22 ، وقوله على لسان العفريت لسيدنا سليمان: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ" النمل: 39 وقوله على لسان الذي عنده علم من الكتاب: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ" النمل:40
فانظر كيف ناسب الترجي ما ورد في القصص، وناسب القطع واليقين ما ورد في النمل.


www.alro7.net