سورة
اية:

فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ

تفسير بن كثير

يقول لهم المؤمن: ما بالي أدعوكم إلى النجاة، وهي عبادة اللّه وحده لا شريك له، وتصديق رسوله صلى اللّه عليه وسلم الذي بعثه { وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر باللّه وأشرك به ما ليس لي به علم} أي على جهل بلا دليل { وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار} أي هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه { لا جرم أنَّ ما تدعونني إليه} يقول: حقاً، قال ابن جرير: معنى قوله { لا جرم} : حقاً، وقال الضحاك { لا جرم} : لا كذب، المعنى إنَّ الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد { ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} قال مجاهد: الوثن ليس له شيء، وقال قتادة: يعني الوثن لا ينفع ولا يضر، وقال السدي: لا يجيب داعيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا كقوله تبارك وتعالى: { ومن أضل ممن يدعو من دون اللّه من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون} وقوله: { إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} ، وقوله: { وأن مردنا إلى اللّه} أي في الدار الآخرة فيجازي كلاً بعمله، ولهذا قال { وأن المسرفين هم أصحاب النار} أي خالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم باللّه عزَّ وجلَّ { فستذكرون ما أقول لكم} أي سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت لكم، وتتذكرونه وتندمون حيث لا ينفعكم الندم { وأفوض أمري إلى اللّه} أي وأتوكل على اللّه وأستعينه، وأقاطعكم وأباعدكم، { إن اللّه بصير بالعباد} أي هو بصير بهم تعالى وتقدس، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدر النافذ. وقوله تبارك وتعالى: { فوقاه اللّه سيئات ما مكروا} أي في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فنجاه اللّه تعالى مع موسى عليه الصلاة والسلام، وأما في الآخرة فبالجنة، { وحاق بآل فرعون سوء العذاب} وهو الغرق في اليم ثم النقلة منه إلى الجحيم، فإن أرواحهم تعرض على النار صباحاً ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار، ولهذا قال: { ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} أي أشده ألماً وأعظمه نكالاً، وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله تعالى: { النار يعرضون عليها غدواً وعشياً} . وقد روي عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة من اليهود، وهي تقول: أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم؟ فارتاع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال: (إنما يفتن يهود)، قالت عائشة: فلبثنا ليالي ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ألا إنكم تفتنون في القبور) قالت عائشة رضي اللّه عنها: فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد، يستعيذ من عذاب القبر "أخرجه مسلم والإمام أحمد" وروى البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها أن يهودية دخلت عليها فقالت: نعوذ باللّه من عذاب القبر، فسألت عائشة رضي اللّه عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، عن عذاب القبر، فقال صلى اللّه عليه وسلم: (نعم عذاب القبر حق) قالت عائشة رضي اللّه عنها: فما رأيت رسول اللّه بعدُ صلَّى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر" "أخرجه البخاري في صحيحه". وأحاديث عذاب القبر كثيرة جداً. وقال قتادة: { غدواً وعشياً} : صباحاً ومساء ما بقيت الدنيا، يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم، توبيخاً ونقمة وصغاراً لهم، وقال ابن زيد: هم فيها يُغْدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة، وقال ابن أبي حاتم، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود تغدو على جهنم وتروح عليها، فذلك عرضها" "أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود موقوفاً" وفي حديث الإسراء، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال فيه: (ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق اللّه، رجال كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، مصفدون على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً { ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} وآل فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة والشجر ولا يعقلون)، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلا أثابه اللّه تعالى قال، قلنا: يا رسول اللّه! ما إثابة الكافر؟ فقال: (إن كان قد وصل رحماً أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة أثابه اللّه تبارك وتعالى المال والولد والصحة وأشباه ذلك). قلنا: فما إثابته في الآخرة؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم: (عذاباً دون العذاب)، وقرأ: { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} "أخرجه ابن أبي حاتم والبزار" وعن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه عزَّ وجلَّ إليه يوم القيامة) "أخرجه الشيخان والإمام أحمد"

تفسير الجلالين

{ فوقاه الله سيئات ما مكروا } به من القتل { وحاق } نزل { بآل فرعون } قومه معه { سوء العذاب } الغرق .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { فَوَقَاهُ اللَّه سَيِّئَات مَا مَكَرُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَدَفَعَ اللَّه عَنْ هَذَا الْمُؤْمِن مِنْ آل فِرْعَوْن بِإِيمَانِهِ وَتَصْدِيق رَسُوله مُوسَى , مَكْرُوه مَا كَانَ فِرْعَوْن يَنَال بِهِ أَهْل الْخِلَاف عَلَيْهِ مِنْ الْعَذَاب وَالْبَلَاء , فَنَجَّاهُ مِنْهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23422 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { سَيِّئَات مَا مَكَرُوا } قَالَ : وَكَانَ قِبْطِيًّا مِنْ قَوْم فِرْعَوْن , فَنَجَا مَعَ مُوسَى , قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ بَيْن يَدَيْ مُوسَى يَوْمئِذٍ يَسِير وَيَقُول : أَيْنَ أُمِرْت يَا نَبِيّ اللَّه ؟ فَيَقُول : أَمَامك , فَيَقُول لَهُ الْمُؤْمِن : وَهَلْ أَمَامِي إِلَّا الْبَحْر ؟ فَيَقُول مُوسَى : لَا وَاَللَّه مَا كَذَبْت وَلَا كُذِّبْت , ثُمَّ يَسِير سَاعَة وَيَقُول : أَيْنَ أُمِرْت يَا نَبِيّ اللَّه ؟ فَيَقُول : أَمَامك , فَيَقُول : وَهَلْ أَمَامِي إِلَّا الْبَحْر , فَيَقُول : لَا وَاَللَّه مَا كَذَبْت , وَلَا كُذِّبْت , حَتَّى أَتَى عَلَى الْبَحْر فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ , فَانْفَلَقَ اِثْنَيْ عَشَر طَرِيقًا , لِكُلِّ سِبْط طَرِيق . وَقَوْله : { فَوَقَاهُ اللَّه سَيِّئَات مَا مَكَرُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَدَفَعَ اللَّه عَنْ هَذَا الْمُؤْمِن مِنْ آل فِرْعَوْن بِإِيمَانِهِ وَتَصْدِيق رَسُوله مُوسَى , مَكْرُوه مَا كَانَ فِرْعَوْن يَنَال بِهِ أَهْل الْخِلَاف عَلَيْهِ مِنْ الْعَذَاب وَالْبَلَاء , فَنَجَّاهُ مِنْهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23422 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { سَيِّئَات مَا مَكَرُوا } قَالَ : وَكَانَ قِبْطِيًّا مِنْ قَوْم فِرْعَوْن , فَنَجَا مَعَ مُوسَى , قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ بَيْن يَدَيْ مُوسَى يَوْمئِذٍ يَسِير وَيَقُول : أَيْنَ أُمِرْت يَا نَبِيّ اللَّه ؟ فَيَقُول : أَمَامك , فَيَقُول لَهُ الْمُؤْمِن : وَهَلْ أَمَامِي إِلَّا الْبَحْر ؟ فَيَقُول مُوسَى : لَا وَاَللَّه مَا كَذَبْت وَلَا كُذِّبْت , ثُمَّ يَسِير سَاعَة وَيَقُول : أَيْنَ أُمِرْت يَا نَبِيّ اللَّه ؟ فَيَقُول : أَمَامك , فَيَقُول : وَهَلْ أَمَامِي إِلَّا الْبَحْر , فَيَقُول : لَا وَاَللَّه مَا كَذَبْت , وَلَا كُذِّبْت , حَتَّى أَتَى عَلَى الْبَحْر فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ , فَانْفَلَقَ اِثْنَيْ عَشَر طَرِيقًا , لِكُلِّ سِبْط طَرِيق . ' وَقَوْله : { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْن سُوء الْعَذَاب } يَقُول : وَحَلَّ بِآلِ فِرْعَوْن وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ ; وَعُنِيَ بِآلِ فِرْعَوْن فِي هَذَا الْمَوْضِع تُبَّاعه وَأَهْل طَاعَته مِنْ قَوْمه , كَمَا : 23423 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْل اللَّه : { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْن سُوء الْعَذَاب } قَالَ : قَوْم فِرْعَوْن . وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ : { سُوء الْعَذَاب } : مَأْ سَاءَهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه , وَذَلِكَ نَار جَهَنَّم .وَقَوْله : { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْن سُوء الْعَذَاب } يَقُول : وَحَلَّ بِآلِ فِرْعَوْن وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ ; وَعُنِيَ بِآلِ فِرْعَوْن فِي هَذَا الْمَوْضِع تُبَّاعه وَأَهْل طَاعَته مِنْ قَوْمه , كَمَا : 23423 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْل اللَّه : { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْن سُوء الْعَذَاب } قَالَ : قَوْم فِرْعَوْن . وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ : { سُوء الْعَذَاب } : مَأْ سَاءَهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه , وَذَلِكَ نَار جَهَنَّم .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { فوقاه الله سيئات ما مكروا} أي من إلحاق أنواع العذاب به فطلبوه فما وجدوه؛ لأنه فوض أمره إلى الله. قال قتادة : كان قبطيا فنجاه الله مع بني إسرائيل. فالهاء على هذا لمؤمن آل فرعون. وقيل : إنها لموسى على ما تقدم من الخلاف. { وحاق بآل فرعون سوء العذاب} قال الكسائي : يقال حاق يحيق حيقا وحيوقا إذ نزل ولزم. ثم بين العذاب فقال: { النار يعرضون عليها} وفيه ستة أوجه : يكون رفعا على البدل من { سوء} . ويجوز أن يكون بمعنى هو النار. ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء. وقال الفراء : يكون مرفوعا بالعائد على معنى النار عليها يعرضون، فهذه أربعة أوجه في الرفع، وأجاز الفراء النصب؛ لأن بعدها عائدا وقبلها ما يتصل به، وأجاز الأخفش الخفض على البدل من { العذاب} . والجمهور على أن هذا العرض في البرزخ. واحتج بعض أهل العلم في تثبيت عذاب القبر بقوله: { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} ما دامت الدنيا. كذلك قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال : هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة { ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} . وفي الحديث عن ابن مسعود : أن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار تعرض على النار بالغداة والعشي فيقال هذه داركم. وعنه أيضا : إن أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها. وروى شعبة عن يعلى بن عطاء قال : سمعت ميمون بن مهران يقول : كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي : أصبحنا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار. فإذا أمسى نادى : أمسينا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار؛ فلا يسمع أبا هريرة أحد إلا تعوذ بالله من النار. وفي حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الكافر إذا مات عرض على النار بالغداة والعشي ثم تلا { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} وإن المؤمن إذا مات عرض روحه عل الجنة بالغداة والعشي) ""وخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر"" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة). قال الفراء : في الغداة والعشي بمقادير دلك في الدنيا. وهو قول مجاهد. قال: { غدوا وعشيا} قال : من أيام الدنيا. وقال حماد بن محمد الفزاري : قال رجل للأوزاعي رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب، بيضا صغارا فوجا فوجا لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشاء رجعت مثلها سودا. قال : تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون، يعرضون على النار غدوا وعشيا، فترجع إلى أوكارها وقد أحترقت رياشها وصارت سودا، فينبت عليها من الليل رياشها بيضا وتتناثر السود، ثم تغدو فتعرض على النار غدوا وعشيا، ثم ترجع إلى وكرها فذلك دأبها ما كانت في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} وهو الهاوية. قال الأوزاعي : فبلغنا أنهم ألفا ألف وستمائة ألف. و { غدوا} مصدر جعل ظرفا على السعة. { وعشيا} عطف عليه وتم الكلام. { ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} ابتدئ { ويوم تقوم الساعة} على أن تنصب يوما بقوله: { أدخلوا} ويجوز أن يكون منصوبا بـ { يعرضون} على معنى { يعرضون} على النار في الدنيا { ويوم تقوم الساعة} فلا يوقف عليه. وقرأ نافع وأهل المدينة وحمزة والكسائي { أدخلوا} بقطع الألف وكسر الخاء من أدخل وهي اختيار أبي عبيد؛ أي يأمر الملائكة أن يدخلوهم، ودليله: { النار يعرضون عليها} . الباقون: { أدخلوا} بوصل الألف وضم الخاء من دخل أي يقال لهم: { أدخلوا} يا { آل فرعون أشد العذاب} وهو اختيار أبي حاتم. قال : في القراءة الأولى: { آل} مفعول أول و { أشد} مفعول ثان بحذف الجر، وفي القراءة الثانية منصوب؛ لأنه نداء مضاف. وآل فرعون : من كان على دينه وعلى مذهبه، وإذا كان من كان على دينه ومذهبه في أشد العذاب كان هو أقرب إلى ذلك. وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم : (إن العبد يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا منهم يحيى بن زكريا ولد مؤمنا وحيي مؤمنا ومات مؤمنا وإن العبد يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا منهم فرعون ولد كافرا وحيي كافرا ومات كافرا) ذكره النحاس. وجعل الفراء في الآية تقديما وتأخيرا مجازه { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} . { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} فجعل العرض في الآخرة؛ وهو خلاف ما ذهب إليه الجمهور من انتظام الكلام على سياقه على ما تقدم. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 35 - 50

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ } [غافر: 45] يعني: لم يحدث له مكروه، وهذا أمر يدعو للعجب، لأن هذا الرجل يقف أمام مَنْ؟ أمام فرعون ومع ذلك لم يُصِبْه مكروه ولم تضره محاولات فرعون للانتقام منه. لكن ولِمَ العجب؟ الوقاية من الله { فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ } [غافر: 45] لأن الفعل لا يُترك لذاته ولا يُؤخذ لذاته، إنما الفعل بمقارنة فاعله، لا بدَّ من مصاحبة الفعل للفاعل، فالفعل قد يكون واحداً لكن يختلف الحكم فيه سعادةً به أو شقاءً بالنظر إلى الفاعل.

قلنا: هَبْ أن ولدك دخل عليك والدم يسيل من وجهه، ما أول سؤال تبادره به؟ مَنْ فعل بك هذا؟ إذن: فأنت لم تنشغل بالدم الذي يسيل منه بقدر انشغالك بمَنْ فعل هذا. فلو قال لك: عمي فلان ضربني تهدأ وتقول له: لا بدَّ أمك فعلتَ شيئاً يستحق العقال فضربك، لكن إنْ قال لك: ابن فلان ضربني تقول: نعم لأنه يكرهنا وكذا وكذا. وتقيم الدنيا ولا تقعدها.

إذن: فكل فعل لا يُحكم عليه لذاته إنما بضميمة فاعله، ومعرفتك للفاعل هي التي يترتب عليها ردُّ الفعل منك.

وهذه المسألة حَلَّتْ لنا الإشكال في قضية الإسراء والمعراج، وفسَّرتْ لنا قوله تعالى:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا }
[الإسراء: 1] فما دام أن الذي أسرى هو الله فلا عجبَ إذن، فالفعل يتناسب وفاعله، ونزه الله عن الزمان والمكان وعن كل ما يشبه الخَلْق. ولو قال: محمد سَرَى لكان لنا كلام وجدال، أَمَا وقد أسرى اللهُ به فلا عجبَ في ذلك. كما لو قلت: صعدتُ بابني الرضيع قمة الهملايا، أيقول قائل: كيف صعد الرضيع قمة الهملايا؟

كذلك الحال هنا، وحين تكون الوقاية من الله فأيُّ قوة إذن وأيُّ طاغية أو جبار يستطيع أنْ يُؤذيك، والله واقيك منه. وقد جاءت هذه الوقاية إجابةً ورداً لتفويض الأمر لله تعالى، فالرجل المؤمن قال: { وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ } [غافر: 44] فجاء الرد فوراً { فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ } [غافر: 45].

وهذه الآية وقف عندها الإمام جعفر الصادق واستنبط منها بعض اللطائف والحكَم حين قال:

عجبتُ لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تعالى:
{  حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ }
[آل عمران: 173] لأني سمعت الله بعقبها يقول:
{  فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ.. }
[آل عمران: 174].

وعجبتُ لمن مُكِر به ولم يفزع إلى قوله تعالى: { وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ } [غافر: 44] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: { فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ } [غافر: 45].

وعجبتْ لمن طلب الدنيا وزينتها ولم يفزع إلى قوله تعالى:
{  مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ }
[الكهف: 39] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول:
{  فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ }
[الكهف: 40].

وعجبتُ لمن اغتمَّ - والاغتمام انقباضُ الصدر وضيق النَّفَس دون أنْ تعرف له سبباً - ولم يفزع إلى قوله تعالى:
{  لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ }
[الأنبياء: 87] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول:
{  فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ }
[الأنبياء: 88] يعني: ليست خاصة به وحده.

هذه من دقائق كتاب الله ولطائفه، ومَنْ أخذها وِرْداً له لا يمر به شيء من هذا، ونجَّاه الله منه ووقاه من الخوف ومن المكر ومن الفقر ومن الغمِّ.

ثم إن استجابة الحق سبحانه لعبده المؤمن لم تقف عند حَدِّ الوقاية من عدوه، إنما تعدَّتْ إلى العدو نفسه حيث انقلب الحال ودارتْ الدائرة عليه تأمل: { فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ } [غافر: 45] أي: نزل بهم وحَلَّ بهم سوء العذاب، والمراد عذاب الدنيا قبل الآخرة، لأن الإنسان له في حياته ثلاث مراحل: الحياة الدنيا التي نعيشها الآن، ثم حياة البرزخ بعد أن يموت إلى أنْ يُبعثَ يوم القيامة، ثم حياته بعد البعث.

فقوله: { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ } [غافر: 45] أي: نزل بهم قبل الحساب وقبل الآخرة، أما قوله: { ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } [غافر: 46] فالعرض على النار إذن ليس في الآخرة لأنه قال بعدها: { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } [غافر: 46].

عندنا عَرْضٌ ودخول، العرض على النار قبل دخولها، فهو إما في الدنيا أو في البرزخ، وما داموا لم يُعرَضوا على النار في الدنيا فلم يَبْقَ إلا حياةُ البرزخ يُعرَضُون فيها على النار إلى قيام الساعة، وهذا ما نسميه عذاب القبر، ثم يأتي دخولهم النارَ بعد البعث والحساب.

وهكذا جمع الله على المسرفين عذاباً في الدنيا، وعذاباً في البرزخ، وعذاباً أشدّ وأنكى في الآخرة.

وكلمة { أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } [غافر: 46] تثبت أيضاً عذابَ القبر، ففيه عذابٌ شديدٌ لكن عذابَ الآخرة أشدّ، عافانا الله وإياكم من العذاب.


www.alro7.net