سورة
اية:

قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ۚ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المشركين إنما غرهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال: أنهم متعوا في الحياة الدنيا ونعّموا، وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء؛ ثم قال واعظاً لهم: { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} اختلف المفسرون في معناه، وقد أسلفناه في سورة الرعد، وأحسن ما فسر بقوله تعالى: { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون} ، وقال الحسن البصري: يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر، والمعنى: أفلا يعتبرون بنصر اللّه لأوليائه على أعدائه؟ وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإنجائه لعباده المؤمنين؟ ولهذا قال: { أفهم الغالبون} يعني بل هم المغلبون الأخسرون الأرذلون، وقوله: { قل إنما أنذركم بالوحي} أي إنما أنا مبلغ عن اللّه ما أنذركم به من العذاب والنكال، ليس ذلك إلا عما أوحاه اللّه إليَّ ولكن لا يجدي هذا عمن أعمى اللّه بصيرته وختم على سمعه وقلبه، ولهذا قال: { ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون} ، وقوله: { ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين} ، أي ولئن مسَّ هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب اللّه، ليعترفن بذنوبهم وأنهم كانوا ظالمين أنفسهم في الدنيا، وقوله: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا} أي ونضع الموازين العدل ليوم القيامة، الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه، وقوله: { فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} ، كما قال تعالى: { ولا يظلم ربك أحدا} ، وقال: { إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة} ، وقال لقمان: { يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها اللّه إن اللّه لطيف خبير} . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقليتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن سبحان اللّه وبحمده سبحان اللّه العظيم) ""الحديث أخرجه الشيخان وختم البخاري رحمه اللّه صحيحه بهذا الحديث الشريف""، وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن اللّه عزَّ وجلَّ يستخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، قال: أفلك عذر أو حسنة؟ قال: فبهت الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمداً رسول اللّه، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، قال: ولا يثقل شيء مع بسم اللّه الرحمن الرحيم) ""الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب""، وقال الإمام أحمد، عن عائشة، أن رجلاً من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جلس بين يديه فقال: يا رسول اللّه إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يُحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك)، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويهتف، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما له لا يقرأ كتاب اللّه { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} فقال الرجل: يا رسول اللّه ما أجد شيئاً خيراً من فراق هؤلاء - يعني عبيده - إني أشهدك أنهم أحرار كلهم ""أخرجه الإمام أحمد في المسند"".

تفسير الجلالين

{ قل } لهم { إنما أنذركم بالوحي } من الله لا من قبل نفسي { ولا يسمع الصم الدعاء إذا } بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الياء { ما ينذرون } هم لتركهم العمل بما سمعوه من الإنذار كالصم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّمَا أُنْذِركُمْ بِالْوَحْيِ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ : إِنَّمَا أُنْذِركُمْ أَيّهَا الْقَوْم بِتَنْزِيلِ اللَّه الَّذِي يُوحِيه إِلَيَّ مِنْ عِنْده , وَأُخَوِّفكُمْ بِهِ بَأْسه . كَمَا : 18577 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قُلْ إِنَّمَا أُنْذِركُمْ بِالْوَحْيِ } أَيْ بِهَذَا الْقُرْآن . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّمَا أُنْذِركُمْ بِالْوَحْيِ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ : إِنَّمَا أُنْذِركُمْ أَيّهَا الْقَوْم بِتَنْزِيلِ اللَّه الَّذِي يُوحِيه إِلَيَّ مِنْ عِنْده , وَأُخَوِّفكُمْ بِهِ بَأْسه . كَمَا : 18577 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قُلْ إِنَّمَا أُنْذِركُمْ بِالْوَحْيِ } أَيْ بِهَذَا الْقُرْآن . ' وَقَوْله : { وَلَا يَسْمَع الصُّمّ الدُّعَاء } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَلَا يَسْمَع } بِفَتْحِ الْيَاء مِنْ " يَسْمَع " بِمَعْنَى أَنَّهُ فِعْل لِلصُّمِّ , وَ " الصُّمّ " حِينَئِذٍ مَرْفُوعُونَ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " وَلَا تُسْمَع " بِالتَّاءِ وَضَمّهَا , فَالصُّمّ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة مَرْفُوعَة , لِأَنَّ قَوْله : " وَلَا تُسْمَع " لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة : وَلَا يُسْمِع اللَّه الصُّمّ الدُّعَاء . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة عِنْدنَا فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يُصْغِي الْكَافِر بِاَللَّهِ بِسَمْعِ قَلْبه إِلَى تَذَكُّر مَا فِي وَحْي اللَّه مِنْ الْمَوَاعِظ وَالذِّكْر , فَيَتَذَكَّر بِهِ وَيَعْتَبِر , فَيَنْزَجِر عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مُقِيم مِنْ ضَلَاله إِذَا تُلِيَ عَلَيْهِ وَأُرِيدَ بِهِ ; وَلَكِنَّهُ يُعْرِض عَنْ الِاعْتِبَار بِهِ وَالتَّفَكُّر فِيهِ , فِعْل الْأَصَمّ الَّذِي لَا يَسْمَع مَا يُقَال لَهُ فَيَعْمَل بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18578 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا يَسْمَع الصُّمّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنْذَرُونَ } يَقُول : إِنَّ الْكَافِر قَدْ صُمَّ عَنْ كِتَاب اللَّه لَا يَسْمَعهُ , وَلَا يَنْتَفِع بِهِ وَلَا يَعْقِلهُ , كَمَا يَسْمَعهُ الْمُؤْمِن وَأَهْل الْإِيمَان . وَقَوْله : { وَلَا يَسْمَع الصُّمّ الدُّعَاء } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَلَا يَسْمَع } بِفَتْحِ الْيَاء مِنْ " يَسْمَع " بِمَعْنَى أَنَّهُ فِعْل لِلصُّمِّ , وَ " الصُّمّ " حِينَئِذٍ مَرْفُوعُونَ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " وَلَا تُسْمَع " بِالتَّاءِ وَضَمّهَا , فَالصُّمّ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة مَرْفُوعَة , لِأَنَّ قَوْله : " وَلَا تُسْمَع " لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة : وَلَا يُسْمِع اللَّه الصُّمّ الدُّعَاء . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة عِنْدنَا فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يُصْغِي الْكَافِر بِاَللَّهِ بِسَمْعِ قَلْبه إِلَى تَذَكُّر مَا فِي وَحْي اللَّه مِنْ الْمَوَاعِظ وَالذِّكْر , فَيَتَذَكَّر بِهِ وَيَعْتَبِر , فَيَنْزَجِر عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مُقِيم مِنْ ضَلَاله إِذَا تُلِيَ عَلَيْهِ وَأُرِيدَ بِهِ ; وَلَكِنَّهُ يُعْرِض عَنْ الِاعْتِبَار بِهِ وَالتَّفَكُّر فِيهِ , فِعْل الْأَصَمّ الَّذِي لَا يَسْمَع مَا يُقَال لَهُ فَيَعْمَل بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18578 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا يَسْمَع الصُّمّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنْذَرُونَ } يَقُول : إِنَّ الْكَافِر قَدْ صُمَّ عَنْ كِتَاب اللَّه لَا يَسْمَعهُ , وَلَا يَنْتَفِع بِهِ وَلَا يَعْقِلهُ , كَمَا يَسْمَعهُ الْمُؤْمِن وَأَهْل الْإِيمَان . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قل إنما أنذركم بالوحي} أي أخوفكم وأحذركم بالقرآن. { ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون} أي من أصم الله قلبه، وختم على سمعه، وجعل على بصره غشاوة، عن فهم الآيات وسماع الحق. وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي ومحمد بن السميقع { ولا يُسْمَع} بياء مضمومة وفتح الميم على ما لم يسم فاعله { الصم} رفعا أي إن الله لا يسمعهم. وقرأ ابن عامر والسلمي أيضا، وأبو حيوة ويحيى بن الحرث { ولا تسمع} بتاء مضمومة وكسر الميم { الصم} نصبا؛ أي إنك يا محمد { لا تُسمع الصم الدعاء } ؛ فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ورد هذه القراءة بعض أهل اللغة. وقال : وكان يجب أن يقول : إذا ما تنذرهم. قال النحاس : وذلك جائز؛ لأنه قد عرف المعنى. قوله تعالى { ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك} قال ابن عباس : طرف. قال قتادة : عقوبة. ابن كيسان : قليل وأدنى شيء؛ مأخوذة من نفح المسك. قال : وعمرة من سروات النساء ** تنفح بالمسك أردانها ابن جريج : نصيب؛ كما يقال : نفح فلان لفلان من عطائه، إذا أعطاه نصيبا من المال. قال الشاعر : لما أتيتك أرجو فضل نائلكم ** نفحتني نفحة طابت لها العرب أي طابت لها النفس. والنفحة في اللغة الدفعة اليسيرة؛ فالمعنى ولئن مسهم أقل شيء من العذاب. { ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين} أي متعدين فيعترفون حين لا ينفعهم الاعتراف.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 42 - 48

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: أن رسول الله ما أبلغكم بشيء من عند نفسه، إنما كل ما جاء به من وعد ووعيد فهو من عند الله، وأنتم أنفسكم تؤكدون على بشريته، نعم هو بشر لا يعلم شيئاً كما تقولون، وهذه تُحسَب له لا عليه، إنما ربه يوحي إليه.

فلو قال محمد: إنما أنذركم.. لكان لكم حق أنْ تتشكَّكوا، إنما القائل هو الله، وأنا مجرد مُبلِّغ عن الله الذي يملك أعِنَّة الأحداث، فإذا قال بوجود حدث فلا بُدَّ أنْ يقع.

ثم يقول تعالى: { وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ } [الأنبياء: 45]

وحاسّة السمع هي أول معلوميات الإنسان، وأول حواسه عملاً، وقبل أن يتكلم الطفل لا بُدَّ أنْ يسمع أولاً، لينطق ما سمعه؛ لأن السمع هو الإدراك الأول المصاحب لتكوين الإدراكات، والأذن - كما قلنا - تسبق العين في أداء مهمتها.

لذلك قدّمه الحق سبحانه، فقال:
{  إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }
[الإسراء: 36].

والسمع هو الآلة التي لا تتعطّل عن مهمتها، حتى ولو كان الإنسان نائماً؛ لأن به يتم الاستدعاء؛ لذلك لما أراد الحق سبحانه أنْ يُنيم أهل الكهف هذه المدة الطويلة ضرب على آذانهم، وعطّل عندهم حاسة السمع حتى لا تُزعجهم أصوات الطبيعة خارج الغار، فقال:
{  فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً }
[الكهف: 11].

ومعنى: { وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ... } [الأنبياء: 45] صحيح أنهم يسمعون، وآلة السمع عندهم صالحة للعمل، إلا أنه سماعٌ لا فائدة منه، ففائدة السمع أنْ تستجيب لمن يُحدِّثك، فإذا لم تستجِبْ فكأنك لم تسمع، وإذا أمرت العامل مثلاً بشيء فتغافل عنه تقول له: أأنت أطرش؟ ولذلك سماهم القرآن: صُماً.

وقوله تعالى: { إِذَا مَا يُنذَرُونَ } [الأنبياء: 45] أي: لَيْتهم يتغافلون عن نداء عادي، إنما يتغافلون وينصرفون { إِذَا مَا يُنذَرُونَ } [الأنبياء: 45] حين يُخوِّفهم عذاب الله، والإنذار والتحذير أَوْلَى ما يجب على الإنسان الاهتمام به، ففيه مصلحته، ومن الغباء ألاَّ يهتم به، كما لو أنذرتَ إنساناً وحذَّرْتَه من مخاطر طريق، وأن فيه ذئاباً أو أُسُوداً أو ثعابين أو قطاعَ طريق، فلا يهتم بكلامك، ولا يحتاط للنجاة بنفسه.

وقلنا: إن الإنذار: أنْ تخبر بشرٍّ قبل أوانه ليستعد لتلافيه، لا أنْ تنذره ساعة الحادث فلا يجد فرصة.

إذن: المسألة ليست طبيعية في التكوين، إنما توجيه إدراكات، كأنْ تكلِّم شخصاً في أمر لا يعجبه، فتجده " أذن من طين، وأذن من عجين " ينصرف عنك كأنه لم يسمع شيئاً، كأحدهم لما قال لصاحبه: فيك مَنْ يكتم السر؟ قال: نعم سِرُّك في بير، قال: أعطني عشرة جنيهات، فردَّ عليه: كأنِّي لم أسمع شيئاً!!!

ثم يقول الحق سبحانه: { وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ... }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net