سورة
اية:

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { واضرب} يا محمد للناس { مثل الحياة الدنيا} في زوالها وفنائها وانقضائها، { كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض} أي ما فيها من الحب، فشب وحسن، وعلاه الزهر والنور، والنضرة، ثم بعد هذا كله { أصبح هشيما} يابساً { تذروه الرياح} أي تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال { وكان اللّه على كل شيء مقتدرا} أي هو قادر على هذه الحال وهذه الحال، وكثيراً ما يضرب اللّه مثل الحياة الدنيا بهذا المثل كما قال تعالى في سورة يونس: { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام} الآية، وقال في سورة الحديد: { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته} الآية. وفي الحديث الصحيح: (الدنيا خضرة حلوة). وقوله: { المال والبنون زينة الحياة الدنيا} كقوله: { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب} الآية. وقال تعالى: { إنما أموالكم وأولادكم فتنة واللّه عنده أجر عظيم} أي الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم والجمع لهم والشفقة المفرطة عليهم، ولهذا قال: { والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} ، قال ابن عباس وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف: الباقيات الصالحات: الصلوات الخمس. وقال ابن عباس: { الباقيات الصالحات} : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر، وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان عن { الباقيات الصالحات} ما هي؟ فقال: هي لا إله إلا اللّه، وسبحان اللّه، والحمد للّه، واللّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم. وروي عن سعيد بن المسيب قال: الباقيات الصالحات سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللّه وقال محمد بن عجلان عن عمارة قال: سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات، فقلت: الصلاة والصيام، فقال: لم تصب، فقلت: الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا اللّه، واللّه أكبر، وسبحان اللّه، والحمد للّه، ولا حول ولا قوة إلا باللّه. عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر هنّ الباقيات الصالحات) ""أخرجه ابن جرير عن أبي هريرة"". وفي الحديث: (أما أنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، ألا وإن سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر من الباقيات الصالحات) ""أخرجه الإمام أحمد في المسند"". وقال ابن عباس قوله { والباقيات الصالحات} قال: هي ذكر اللّه، قول: لا إله إلا اللّه، واللّه أكبر، وسبحان اللّه والحمد للّه، وتبارك اللّه، ولا حول ولا قوة إلا باللّه، وأستغفر اللّه، وصلى اللّه على رسول اللّه، والصيام والصلاة والحج والصدقة والعتق والجهاد والصلة وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض، وعنه: هي الكلام الطيب، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها، واختاره ابن جرير رحمه اللّه.

تفسير الجلالين

{ واضرب } صير { لهم } لقومك { مثل الحياة الدنيا } مفعول أول { كماء } مفعول ثان { أنزلناه من السماء فاختلط به } تكاثف بسبب نزول الماء { نبات الأرض } أو امتزج الماء بالنبات فَرَوِيَ وَحَسُن { فأصبح } صار النبات { هشيما } يابسا متفرقة أجزاؤه { تذروه } تنثره وتفرقه { الرياح } فتذهب به ، المعنى: شبه الدنيا بنبات حسن فيبس فتكسر ففرقته الرياح وفي قراءة الريح { وكان الله على كل شيء مقتدرا } قادرا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَل الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَات الْأَرْض فَأَصْبَحَ هُشَيْمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاح } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاضْرِبْ لِحَيَاةِ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذِينَ قَالُوا لَك : اُطْرُدْ عَنْك هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ , إِذَا نَحْنُ جِئْنَاك الدُّنْيَا مِنْهُمْ مَثَلًا ; يَقُول : شَبَهًا { كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء } يَقُول : كَمَطَرٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء { فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَات الْأَرْض } يَقُول : فَاخْتَلَطَ بِالْمَاءِ نَبَات الْأَرْض { فَأَصْبَحَ هُشَيْمًا } يَقُول : فَأَصْبَحَ نَبَات الْأَرْض يَابِسًا مُتَفَتِّتًا { تَذْرُوهُ الرِّيَاح } يَقُول تُطَيِّرهُ الرِّيَاح وَتُفَرِّقهُ ; يُقَال مِنْهُ : ذَرَتْهُ الرِّيح تَذْرُوهُ ذَرْوًا , وَذَرَتْهُ ذَرْيًا , وَأَذْرَتْهُ تُذْرِيه إِذْرَاء ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَقُلْت لَهُ صَوِّبْ وَلَا تُجْهِدَنهُ فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى الْقَطَاة فَتَزْلَق يُقَال : أَذْرَيْت الرَّجُل عَنْ الدَّابَّة وَالْبَعِير : إِذَا أَلْقَيْته عَنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَل الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَات الْأَرْض فَأَصْبَحَ هُشَيْمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاح } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاضْرِبْ لِحَيَاةِ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذِينَ قَالُوا لَك : اُطْرُدْ عَنْك هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ , إِذَا نَحْنُ جِئْنَاك الدُّنْيَا مِنْهُمْ مَثَلًا ; يَقُول : شَبَهًا { كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء } يَقُول : كَمَطَرٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء { فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَات الْأَرْض } يَقُول : فَاخْتَلَطَ بِالْمَاءِ نَبَات الْأَرْض { فَأَصْبَحَ هُشَيْمًا } يَقُول : فَأَصْبَحَ نَبَات الْأَرْض يَابِسًا مُتَفَتِّتًا { تَذْرُوهُ الرِّيَاح } يَقُول تُطَيِّرهُ الرِّيَاح وَتُفَرِّقهُ ; يُقَال مِنْهُ : ذَرَتْهُ الرِّيح تَذْرُوهُ ذَرْوًا , وَذَرَتْهُ ذَرْيًا , وَأَذْرَتْهُ تُذْرِيه إِذْرَاء ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَقُلْت لَهُ صَوِّبْ وَلَا تُجْهِدَنهُ فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى الْقَطَاة فَتَزْلَق يُقَال : أَذْرَيْت الرَّجُل عَنْ الدَّابَّة وَالْبَعِير : إِذَا أَلْقَيْته عَنْهُ .' وَقَوْله : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقْتَدِرًا } يَقُول : وَكَانَ اللَّه عَلَى تَخْرِيب جَنَّة هَذَا الْقَائِل حِين دَخَلَ جَنَّته : { مَا أَظُنّ أَنْ تَبِيد هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنّ السَّاعَة قَائِمَة } وَإِهْلَاك أَمْوَال ذِي الْأَمْوَال الْبَاخِلِينَ بِهَا عَنْ حُقُوقهَا , وَإِزَالَة دُنْيَا الْكَافِرِينَ بِهِ عَنْهُمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَشَاء قَادِر , لَا يُعْجِزهُ شَيْء أَرَادَهُ , وَلَا يُعْيِيه أَمْر أَرَادَهُ , يَقُول : فَلَا يَفْخَر ذُو الْأَمْوَال بِكَثْرَةِ أَمْوَاله , وَلَا يَسْتَكْبِر عَلَى غَيْره بِهَا , وَلَا يَغْتَرَّن أَهْل الدُّنْيَا بِدُنْيَاهُمْ , فَإِنَّمَا مَثَلهَا مَثَل هَذَا النَّبَات الَّذِي حَسُنَ اِسْتِوَاؤُهُ بِالْمَطَرِ , فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا رَيْث أَنْ اِنْقَطَعَ عَنْهُ الْمَاء , فَتَنَاهَى نِهَايَته , عَادَ يَابِسًا تَذْرُوهُ الرِّيَاح , فَاسِدًا , تَنْبُو عَنْهُ أَعْيُن النَّاظِرِينَ , وَلَكِنْ لِيَعْمَل لِلْبَاقِي الَّذِي لَا يَفْنَى , وَالدَّائِم الَّذِي لَا يَبِيد وَلَا يَتَغَيَّر .وَقَوْله : { وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مُقْتَدِرًا } يَقُول : وَكَانَ اللَّه عَلَى تَخْرِيب جَنَّة هَذَا الْقَائِل حِين دَخَلَ جَنَّته : { مَا أَظُنّ أَنْ تَبِيد هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنّ السَّاعَة قَائِمَة } وَإِهْلَاك أَمْوَال ذِي الْأَمْوَال الْبَاخِلِينَ بِهَا عَنْ حُقُوقهَا , وَإِزَالَة دُنْيَا الْكَافِرِينَ بِهِ عَنْهُمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَشَاء قَادِر , لَا يُعْجِزهُ شَيْء أَرَادَهُ , وَلَا يُعْيِيه أَمْر أَرَادَهُ , يَقُول : فَلَا يَفْخَر ذُو الْأَمْوَال بِكَثْرَةِ أَمْوَاله , وَلَا يَسْتَكْبِر عَلَى غَيْره بِهَا , وَلَا يَغْتَرَّن أَهْل الدُّنْيَا بِدُنْيَاهُمْ , فَإِنَّمَا مَثَلهَا مَثَل هَذَا النَّبَات الَّذِي حَسُنَ اِسْتِوَاؤُهُ بِالْمَطَرِ , فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا رَيْث أَنْ اِنْقَطَعَ عَنْهُ الْمَاء , فَتَنَاهَى نِهَايَته , عَادَ يَابِسًا تَذْرُوهُ الرِّيَاح , فَاسِدًا , تَنْبُو عَنْهُ أَعْيُن النَّاظِرِينَ , وَلَكِنْ لِيَعْمَل لِلْبَاقِي الَّذِي لَا يَفْنَى , وَالدَّائِم الَّذِي لَا يَبِيد وَلَا يَتَغَيَّر .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا} أي صف لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك طرد فقواء المؤمنين مثل الحياة الدنيا، أي شبهها. { كماء أنزلناه من السماء فاختلط به} أي بالماء. { نبات الأرض} حتى استوى. وقيل : إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء؛ لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر. وقد تقدم هذا المعنى في [يونس] مبينا. وقالت الحكماء : إنما شبه تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا، وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل : يا رسول الله، إني أريد أن أكون من الفائزين؛ قال : (ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد فإن القليل منها يكفي والكثير منها يطغي). وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : (قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما أتاه). { فأصبح} أي النبات { هشيما} أي متكسرا من اليبس متفتتا، يعني بانقطاع الماء عنه، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه. والهشم : كسر الشيء اليابس. والهشيم من النبات اليابس المتكسر، والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء. ومنه قولهم : ما فلان إلا هشيمة كرم؛ إذا كان سمحا. ورجل هشيم : ضعيف البدن. وتهشم عليه فلان إذا تعطف. واهتشم ما في ضرع الناقة إذا احتلبه. ويقال : هشم الثريد؛ ومنه سمي هاشم بن عبد مناف واسمه عمرو، وفيه يقول عبدالله بن الزبعرى : عمرو العلا هشم الثريد لقومه ** ورجال مكة مسنتون عجاف وكان سبب ذلك أن قريشا أصابتهم سنون ذهبن بالأموال فخرج هاشم إلى الشام فأمر بخبز كثير فخبز له، فحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة، وهشم ذلك الخبز، يعني كسره وثرده، ونحر تلك الإبل، ثم أمر الطهاة فطبخوا، ثم كفأ القدور على الجفان فأشبع أهل مكة؛ فكان ذلك أول الحباء بعد السنة التي أصابتهم؛ فسمي بذلك هاشما. { تذروه الرياح} أي تفرقه؛ قاله أبو عبيدة. ابن قتيبة : تنسفه. ابن كيسان : تذهب به وتجيء. ابن عباس : تديره؛ والمعنى متقارب. وقرأ طلحة بن مصرف { تذريه الريح} . قال الكسائي : وفي قراءة عبدالله { تذريه} . يقال : ذرته الريح تذروه ذروا و[تذريه] ذريا وأذريه تذريه إذراء إذا طارت به. وحكى الفراء : أذريت الرجل عن فرسه أي قلبته. وأنشد سيبويه والفراء : فقلت له صوب ولا تجهدنه ** فيذرك من أخرى القطاة فتزلق قوله تعالى { وكان الله على كل شيء مقتدرا} من الإنشاء والإفناء والإحياء، سبحانه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 39 - 46

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق تبارك وتعالى في هذه الآية يوضح المجهول لنا بما عُلِم لدينا. وأهل البلاغة يقولون: في هذه الآية تشبيه تمثيل؛ لأنه سبحانه شبّه حال الدنيا في قِصَرها وسرعة زوالها بالماء الذي نزل من السماء، فارتوتْ به الأرض، وأنبتتْ ألواناً من الزروع والثمار، ولكن سرعان ما يذبلُ هذا النبات ويصير هشيماً مُتفتتاً تذهب به الريح.

وهذه صورة ـ كما يقولون ـ منتزعة من مُتعدّد. أي: أن وجه الشبه فيها ليس شيئاً واحداً، بل عِدّة أشياء، فإن كان التشبيه مُركّباً من أشياء متعددة فهو مَثَل، وإنْ كان تشبيه شيء مفرد بشيء مفرد يُسمُّونه مِثْل، نقول: هذا مِثْل هذا، لذلك قال تعالى:
{  فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ }
[النحل: 74] لأن لله تعالى المثل الأعلى.

وهكذا الدنيا تبدو جميلة مُزهِرة مُثمِرة حُلْوة نَضِرة، وفجأة لا تجد في يديك منها شيئاً؛ لذلك سماها القرآن دُنْيا وهو اسم يُوحي بالحقارة، وإلا فأيّ وصف أقل من هذا يمكن أن يصفها به؟ لنعرف أن ما يقابلها حياة عُلْيا.

وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: كما ضربتُ لهم مَثَل الرجلين وما آل إليه أمرهما اضرب لهم مثل الحياة الدنيا وأنها تتقلّب بأهلها، وتتبدل بهم، واضرب لهم مثلاً للدنيا من واقع الدنيا نفسها.

ومعنى { فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } [الكهف: 45] أي: اختلط بسببه نبات الأرض، وتداخلَ بعضُه في بعض، وتشابكتْ أغصانه وفروعه، وهذه صورة النبات في الأرض الخِصْبة، أما إنْ كانت الأرض مالحة غير خِصْبة فإنها تُخرِج النبات مفرداً، عود هنا وعود هناك.

لكن، هل ظل النبات على حال خُضْرته ونضارته؟ لا، بل سرعان ما جفَّ وتكسر وصار هشيماً تطيح به الريح وتذروه، هذا مثلٌ للدنيا حين تأخذ زخرفها وتتزيَّن، كما قال تعالى:
{  حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً.. }
[يونس: 24]

ثم يقول تعالى: { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً } [الكهف: 45] لأنه سبحانه القادر دائماً على إخراج الشيء إلى ضِدّه، كما قال سبحانه:
{  وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ }
[المؤمنون: 18]

فقد اقتدر سبحانه على الإيجاد، واقتدر على الإعدام، فلا تنفكّ عنه صفة القدرة أبداً، أحيا وأمات، وأعزَّ وأذلَّ، وقبض وبسط، وضَرَّ ونفع..

ولما كان الكلام السابق عن صاحب الجنة الذي اغترّ بماله وولده فناسب الحديث عن المال والولد، فقال تعالى: { ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا }.


www.alro7.net