سورة
اية:

وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى لرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم: وإذا قرأت يا محمد على هؤلاء المشركين القرآن جعلنا بينك وبينهم حجابا مستورا، قال قتادة وابن زيد: هو الأكنة على قلوبهم، كما قال تعالى: { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} : أي مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول شيء وقوله: { حجابا مستورا} بمعنى ساتر، وقيل مستوراً عن الأبصار فلا تراه، وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى. عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنها قالت: لما نزلت { تبت يد أبي لهب} جاءت العوراء أم جميل، ولها ولولة وفي يدها فهر، وهي تقول: مذمماً أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا. ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس وأبو بكر إلى جنبه، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: (إنها لن تراني)، وقرأ قرآناً اعتصم به منها: { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} ، قال: فجاءت حتى قامت على أبي بكر، فلم تر النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقالت يا أبا بكر: بلغني أن صاحبك هجاني، فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت، ما هجاك، قال فانصرفت وهي تقول: لقد علمت قريش أني بنت سيدها ""أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أسماء بنت أبي بكر"". وقوله: { وجعلنا على قلوبهم أكنة} وهي جمع كنان: الذي يغشى القلب { أن يفقهوه} : أي لئلا يفهموا القرآن { وفي آذانهم وقرا} وهو الثقل الذي يمنعهم من سماع القرآن سماعاً ينفعهم ويهتدون به. وقوله تعالى: { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده} أي إذا وحدت اللّه في تلاوتك وقلت: لا إله إلا اللّه { ولوا} أي أدبروا راجعين { على أدبارهم نفورا} ، كما قال تعالى: { وإذا ذكر اللّه وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} الآية، قال قتادة: إن المسلمين لما قالوا: لا إله إلا اللّه، أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم فضاقها إبليس وجنوده، فأبى اللّه إلا أن يمضيها ويعليها وينصرها ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها.

تفسير الجلالين

{ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا } أي ساترا لك عنهم فلا يرونك ، نزل فيمن أراد الفتك به صلى الله عليه وسلم

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن جَعَلْنَا بَيْنك وَبَيْن الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْأَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا قَرَأْت يَا مُحَمَّد الْقُرْآن عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ , وَلَا يُقِرُّونَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَاب , جَعَلْنَا بَيْنك وَبَيْنهمْ حِجَابًا , يَحْجُب قُلُوبهمْ عَنْ أَنْ يَفْهَمُوا مَا تُقِرُّوهُ عَلَيْهِمْ , فَيَنْتَفِعُوا بِهِ , عُقُوبَة مِنَّا لَهُمْ عَلَى كُفْرهمْ . وَالْحِجَاب هَهُنَا : هُوَ السَّاتِر , كَمَا : 16858 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن جَعَلْنَا بَيْنك وَبَيْن الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } الْحِجَاب الْمَسْتُور أَكِنَّة عَلَى قُلُوبهمْ أَنْ يَفْقَهُوهُ وَأَنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ , أَطَاعُوا الشَّيْطَان فَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { حِجَابًا مَسْتُورًا } قَالَ : هِيَ الْأَكِنَّة . 16859 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن جَعَلْنَا بَيْنك وَبَيْن الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } قَالَ : قَالَ أُبَيّ : لَا يَفْقَهُونَهُ , وَقَرَأَ { قُلُوبهمْ فِي أَكِنَّة وَفِي آذَانهمْ وَقْر } لَا يَخْلُص ذَلِكَ إِلَيْهِمْ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : مَعْنَى قَوْله { حِجَابًا مَسْتُورًا } حِجَابًا سَاتِرًا , وَلَكِنَّهُ أُخْرِجَ وَهُوَ فَاعِل فِي لَفْظ الْمَفْعُول , كَمَا يُقَال : إِنَّك مَشْئُوم عَلَيْنَا وَمَيْمُون , وَإِنَّمَا هُوَ شَائِم وَيَامِن , لِأَنَّهُ مِنْ شَأْمهمْ وَيُمْنهمْ . قَالَ : وَالْحِجَاب هَهُنَا : هُوَ السَّاتِر . وَقَالَ : مَسْتُورًا . وَكَانَ غَيْره مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول : مَعْنَى ذَلِكَ : حِجَابًا مَسْتُورًا عَنْ الْعِبَاد فَلَا يَرَوْنَهُ . وَهَذَا الْقَوْل الثَّانِي أَظْهَر بِمَعْنَى الْكَلَام أَنْ يَكُون الْمَسْتُور هُوَ الْحِجَاب , فَيَكُون مَعْنَاهُ : أَنَّ لِلَّهِ سِتْرًا عَنْ أَبْصَار النَّاس فَلَا تُدْرِكهُ أَبْصَارهمْ , وَإِنْ كَانَ لِلْقَوْلِ الْأَوَّل وَجْه مَفْهُوم . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن جَعَلْنَا بَيْنك وَبَيْن الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْأَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا قَرَأْت يَا مُحَمَّد الْقُرْآن عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ , وَلَا يُقِرُّونَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَاب , جَعَلْنَا بَيْنك وَبَيْنهمْ حِجَابًا , يَحْجُب قُلُوبهمْ عَنْ أَنْ يَفْهَمُوا مَا تُقِرُّوهُ عَلَيْهِمْ , فَيَنْتَفِعُوا بِهِ , عُقُوبَة مِنَّا لَهُمْ عَلَى كُفْرهمْ . وَالْحِجَاب هَهُنَا : هُوَ السَّاتِر , كَمَا : 16858 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن جَعَلْنَا بَيْنك وَبَيْن الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } الْحِجَاب الْمَسْتُور أَكِنَّة عَلَى قُلُوبهمْ أَنْ يَفْقَهُوهُ وَأَنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ , أَطَاعُوا الشَّيْطَان فَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { حِجَابًا مَسْتُورًا } قَالَ : هِيَ الْأَكِنَّة . 16859 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن جَعَلْنَا بَيْنك وَبَيْن الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } قَالَ : قَالَ أُبَيّ : لَا يَفْقَهُونَهُ , وَقَرَأَ { قُلُوبهمْ فِي أَكِنَّة وَفِي آذَانهمْ وَقْر } لَا يَخْلُص ذَلِكَ إِلَيْهِمْ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : مَعْنَى قَوْله { حِجَابًا مَسْتُورًا } حِجَابًا سَاتِرًا , وَلَكِنَّهُ أُخْرِجَ وَهُوَ فَاعِل فِي لَفْظ الْمَفْعُول , كَمَا يُقَال : إِنَّك مَشْئُوم عَلَيْنَا وَمَيْمُون , وَإِنَّمَا هُوَ شَائِم وَيَامِن , لِأَنَّهُ مِنْ شَأْمهمْ وَيُمْنهمْ . قَالَ : وَالْحِجَاب هَهُنَا : هُوَ السَّاتِر . وَقَالَ : مَسْتُورًا . وَكَانَ غَيْره مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول : مَعْنَى ذَلِكَ : حِجَابًا مَسْتُورًا عَنْ الْعِبَاد فَلَا يَرَوْنَهُ . وَهَذَا الْقَوْل الثَّانِي أَظْهَر بِمَعْنَى الْكَلَام أَنْ يَكُون الْمَسْتُور هُوَ الْحِجَاب , فَيَكُون مَعْنَاهُ : أَنَّ لِلَّهِ سِتْرًا عَنْ أَبْصَار النَّاس فَلَا تُدْرِكهُ أَبْصَارهمْ , وَإِنْ كَانَ لِلْقَوْلِ الْأَوَّل وَجْه مَفْهُوم .'

تفسير القرطبي

عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت : لما نزلت سورة { تبت يدا أبي لهب} أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فِهر وهي تقول : مذمما عصينا ** وأمره أبينا ** ودينه قلينا والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد ومعه أبو بكر رضي الله عنه؛ فلما رآها أبو بكر قال : يا رسول الله، لقد أقبلت وأنا أخاف أن تراك! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنها لن تراني) وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال. وقرأ { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} . فوقفت على أبي بكر رضي الله عنه ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا أبا بكر، أخبرت أن صاحبك هجاني! فقال : لا ورب هذا البيت ما هجاك. قال : فولت وهي تقول : قد علمت قريش أني ابنة سيدها. وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : لما نزلت { تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد : 1] جاءت امرأة أبي لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فقال أبو بكر : لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك، فإنها امرأة بذية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إنه سيحال بيني وبينها) فلم تره. فقالت لأبي بكر : يا أبا بكر، هجانا صاحبك! فقال : والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله. فقالت : وإنك لمصدقه؛ فاندفعت راجعة. فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله، أما رأتك؟ قال : (لا ما زال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت). وقال كعب رضي الله عنه في هذه الآية : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستتر من المشركين بثلاث آيات : الآية التي في الكهف { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} ، [الكهف : 57]، والآية في النحل { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم} [النحل : 108]، والآية التي في الجاثية { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} [الجاثية : 23] الآية. فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأهن يستتر من المشركين. قال كعب رضي الله تعالى عنه : فحدثت بهن رجلا من أهل الشام، فأتى أرض الروم فأقام بها زمانا، ثم خرج هاربا فخرجوا في طلبه فقرأ بهن فصاروا يكونون معه على طريقه ولا يبصرونه. قال الثعلبي : وهذا الذي يروونه عن كعب حدثت به رجلا من أهل الري فأسر بالديلم، فمكث زمانا ثم خرج هاربا فخرجوا في طلبه فقرأ بهن حتى جعلت ثيابهن لتلمس ثيابه فما يبصرونه. قلت : ويزاد إلى هذه الآية أول سورة يس إلى قوله { فهم لا يبصرون} . فإن في السيرة في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومقام علي رضي الله عنه في فراشه قال : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده، وأخذ الله عز وجل على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس { يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم - إلى قوله - وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس : 6]. حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب. قلت : ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا. وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن؛ فعبرا علي ثم رجعا من حيث جاءا وأحدهما يقول للآخر : هذا ديبله؛ يعنون شيطانا. وأعمى الله عز وجل أبصارهم فلم يروني، والحمد لله حمدا كثيرا على ذلك. وقيل : الحجاب المستور طبع الله على قلوبهم حتى لا يفقهوه ولا يدركوا ما فيه من الحكمة؛ قاله قتادة. وقال الحسن : أي أنهم لإعراضهم عن قراءتك وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب في عدم رؤيته لك حتى كأن على قلوبهم أغطية. وقيل : نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن، وهم أبو جهل وأبو سفيان والنضر بن الحارث وأم جميل امرأة أبي لهب وحويطب؛ فحجب الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن أبصارهم عند قراءة القرآن، وكانوا يمرون به ولا يرونه؛ قاله الزجاج وغيره. وهو معنى القول الأول بعينه، وهو الأظهر في الآية، والله أعلم. وقوله { مستورا} فيه قولان : أحدهما - أن الحجاب مستور عنكم لا ترونه. والثاني : أن الحجاب ساتر عنكم ما وراءه؛ ويكون مستورا به بمعنى ساتر.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الاسراء الايات 44 - 47

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق سبحانه وتعالى يعدل الأشياء تنفيذاً لأشياء أخرى، ويصنع أحداثاً أوّلية لتكون بمثابة المقدمة والتمهيد لأحداث أخرى أهم منها. وكفار مكة ما ادَّخروا وُسْعاً، وما تركوا وسيلة من وسائل الإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتنكيل به إلا فعلوها.

ومع ذلك لم يُفَاجأ بها رسول الله، ولم تُثبِّط من عزيمته، لماذا؟ لأنه كان مُتوقِّعاً لكل هذا الإيذاء، ولديه من سوابق الأحداث ما يعطيه الحصانة الكافية لمقابلة كل الشدائد.

فالمسألة لم تُفاجئ رسول الله؛ لأنه عرفها حتى قبل أن يُبعث، فحينما جاءه جبريل للمرة الأولى في الغار، وعاد إلى السيدة خديجة فَزِعاً ذهبتْ به إلى ابن عمها ورقة بن نوف، فطمأنه بأن هذا هو الناموس الإلهي، وأنه صلى الله عليه وسلم سيكون مبعوث السماء إلى الأرض، وأنه نبيُّ هذه الأمة، وقال فيما قال: ليتني أكون حياً حين يُخرِجك قومك، فقال صلى الله عليه وسلم: " أَمُخرجيّ هم؟ ".

قال: نعم، لم يأتي رجل بمثل ما جئتَ به إلا عودِي، وإنْ يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.

إذن: فالحق سبحانه وتعالى حَصَّن رسوله صلى الله عليه وسلم ضد ما سيأتي من أحداث؛ لكي يكون على توقُّع لها، ولا تحدث له المفاجأة التي ربما ولدتْ الانهيار، وأعطاه الطُّعْم المناسب للداء قبل حدوثه؛ لتكون لديه المناعة الكافية عند وقوع الأحداث، واليقين الثابت في نصر الله له مهما ادْلهَمتْ الخطوب، وضاق الخناق عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه.

والحديث عن الذين لا يؤمنون بالآخرة، وما داموا كذلك فليس لهم إلا الدنيا، هي فرصتهم الوحيدة، لذلك يحرصون على استنفاد كل شهواتهم فيها، ولا يؤخرون منها شيئاً، فإنْ أجَّل المؤمن بعض مُتَعِه وشهواته انتظاراً لما في الآخرة فإلامَ يؤجل الكفار مُتعهم؟

إذن: الذي يجعل هؤلاء يتهافتون على شهواتهم في الدنيا أنهم غير مؤمنين بالآخرة.

فإذا جاء رسول بمنهج ليعدل حركة الناس لتنسجم مع الكون، فلا بُدّ أن يثور هؤلاء الكفار الحريصون على شهواتهم ومكانتهم، لا بُدَّ أنْ يصادموا هذه الدعوة، ويقاوموها في ذات الرسول وفي منهجه، في ذاته بالإيذاء، وفي دعوته ومنهجه بصَرْف الناس عنه، ألم يقل الكفار لمن يَرَوْن عنده مَيْلاً للإسلام:
{  لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }
[فصلت: 26]

وقولهم:
{  لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ.. }
[فصلت: 26]

شهادة منهم بصدق القرآن الكريم، وأنه ينفذ إلى القلوب ويؤثر فيها، وإلا لما قالوا هذا القول.

وقولهم:
{  وَٱلْغَوْاْ فِيهِ.. }
[فصلت: 26]

أي: هرَّجوا وشَوِّشوا عليه حتى لا يصل إلى آذان الناس، إذن: هم واثقون من صدق رسول الله وصدق دعوته، وقد دَلَّتْ تصرفاتهم على ذلك، فحينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلى الكعبة، ويجلس بجوارها يُدندِن بآيات القرآن كان صناديد الكفر في مكة يتعمدون سماع القرآن، والتلذُّذ بروعته وبلاغته.فقوله تعالى: { وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً } [الإسراء: 45]

يُرْوَى أن أبا جهل، وأبا سفيان، وأبا لهب، وأم جميل كانوا يتابعون رسول الله، ويتنصتون عليه وهو يقرأ القرآن ليروْا ما يقول، وليجدوا فرصة لإيذائه صلى الله عليه وسلم، فكان الحق سبحانه يصمُّ آذانهم عن سماع القرآن، فالرسول يقرأ وهم لا يسمعون شيئاً، فينصرفون عنه بغيظهم.

وكأن الحق سبحانه يريد من هذه الواقعة أن تكون تمهيداً لحدث أهم، وهو ما كان من رسول الله ليلة الهجرة، ليلة أنْ بيَّتوا له القتل بضربة رجل واحد، فتحرسه عناية الله وتقوم له: اخرج عليهم ولا تخف، فإن الذي جعلك تقرأ وجعل بينك وبينهم حجاباً فلا يستمعون إليك، هو الذي سينزل على أعينهم غشاوة فلا يرونك.

ومع إحكام خيوط هذه المؤامرة لم يخرج الرسول من بينهم صامتاً يحبس أنفاسه خَوْفاً، بل خرج وهو يقول " شاهت الوجوه " وهو لا يخشى انتباههم إليه، وأكثر من ذلك: يأخذ حفنة من التراب ويذروها على وجوههم، إنها الثقة واليقين في نصره وتأييده.

وقوله: { حِجَاباً مَّسْتُوراً } [الإسراء: 45]

الحجاب: هو المانع من الإدراك، فإنْ كان للعين فهو مانع للرؤية، وإنْ كان للأذن فهو مانع للسمع.

وكلمة { مَّسْتُوراً } اسم مفعول من الستر، فلم يقل الحق سبحانه وتعالى (ساتراً)، وهذا من قبيل المبالغة في الستر والإخفاء، فالمعنى أن الحجاب الذي يمنعهم من سماعك أو رؤيتك هو نفسه مستور، فإن كان الحجاب نفسه مستوراً، فما بالُكَ بما خلفه؟

ولاشكَّ أن الذِّهْن سينشغل هنا بالحجاب المادي، لكن هذا الحجاب الذي يتحدث عنه الحق سبحانه حجاب معنويّ ولا يراه أحد، كما في قوله تعالى:
{  رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا }
[الرعد: 2]

فلو قال: بغير عَمَد وسكت فقد نفى وجود عمد للسماء وانتهت المسألة، وأدخلناها تحت قوله تعالى:
{  إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ }
[فاطر: 41] فالأمر قائم على قدرة الله دون وجود عَمَدٍ تحمل السماء.

لكن قوله سبحانه: { تَرَوْنَهَا } تجعل المعنى صالحاً لأنْ نقول بغير عَمَد، وأنتم ترونها كذلك، فننظر هنا وهناك فلا نجد للسماء عمداً تحملها، أو نقول: إن لها عمداً لكِنَّا لا نراها، فهي عَمَد معنوية، فلا ينصرف ذهنك إلى ما نقيمه نحن من عَمد المسلح أو الرخام أو الحديد.

وفي هذا ما يدُكُّ الغرور في الإنسان، ليعلم أنه لا يدرك إلا ما أذن الله له في إدراكه، وأن حواسَّ الإدراك لديه قد تتوقف عن هذا الإدراك، فليس معنى أنها مدركة أن تظل مدركة دائماً، فليس لها طلاقة لتفعل ما تشاء، بل الحق سبحانه وتعالى يعطيها هذه القدرة، أو يسلبها إياها.فالقدرة الإلهية هي التي تُسيِّر هذا الكون، وتأمر كل شيء بأن تُؤدِّي مهمته في الحياة، وإنْ شاء عطّلها عن أداء هذه المهمة؛ لذلك نرفض قول الفلاسفة أن الحق سبحانه وتعالى زاول سلطانه في مُلْكه مرة واحدة، بأن جعل فيه النواميس والقوانين، وهي التي تحكم العالم وتُسيِّره.

ففي قصة موسى ـ عليه السلام ـ أنه سار بجيشه، يطارده فرعون وجنوده حتى وصل إلى شاطئ البحر فأصبح البحر من أمامه، وفرعون من خلفه حتى قال أصحاب موسى:
{  إِنَّا لَمُدْرَكُونَ.. }
[الشعراء: 61]

فأين المفر، وهاهو البحر من أمامنا، والعدو من خلفنا؟ وهذا كلام منطقي مع واقع الحديث البشري، لكن الأمر يختلف عند موسى ـ عليه السلام ـ فقال بملء فيه:
{  قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }
[الشعراء: 62]

فهل قالها موسى برصيد بشري؟ لا، بل بما عنده من ثقة في ربه، وهكذا انتقلت المسألة إلى ساحة الخالق سبحانه، فقال لنبيه موسى:
{  فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ }
[الشعراء: 63]

فخرق الله لموسى قانون سيولة الماء واستطراقه، ويتجمد الماء، ويصير كالجبل ويتحول البحر إلى يابسة، ويعبر موسى وقومه إلى الناحية الأخرى، وتنشرح صدورهم بفرحة النجاة، ويأخذ موسى ـ عليه السلام ـ عصاه ليضرب البحر ليعود إلى طبيعته، وحتى لا يعبره فرعون ويلحق به، لكن الحق سبحانه يأمره، أن يتركه على حاله:
{  وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ }
[الدخان: 24]

فعندما نزل فرعون وجنوده البحر واكتمل عددهم في قاعه أطلق الخالق سبحانه للماء قانون سيولته، فأطبق على فرعون وجنوده، وكانت آيةً من آيات الله، شاهدة على قدرته سبحانه، وأنه إنْ شاء أنجى وأهلك بالشيء الواحد، وشاهدة على قيوميته تعالى على خَلْقه، فليس الأمر ـ كما يقولون ـ أمر قانون أو ناموس يعمل، ويدير حركة الكون، فكل المعجزات التي مرَّتْ في تاريخ البشرية جاءت من باب خرق النواميس.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً... }.


www.alro7.net