سورة
اية:

وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً على برهان نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم، حيث أخبر بالغيوب الماضية خبراً كأن سامعه شاهدٌ وراءٍ لما تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئاً من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئاً من ذلك، كما أنه لما أخبره عن مريم، قال تعالى‏:‏ ‏ { ‏وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} ، ولما أخبره عن نوح وإغراق قومه، قال تعالى: { تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} الآية. وقال بعد ذكر قصة يوسف { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} الآية، وقال في سورة طه: { كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق} الآية، وقال ههنا بعدما أخبر عن قصة موسى { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} يعني ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلّم اللّه فيه موسى من الشجرة على شاطئ الوادي، { وما كنت من الشاهدين} لذلك، ولكن اللّه سبحانه وتعالى أوحى إليك ذلك، ليكون حجة وبرهاناً على قرون قد تطاول عهدها، ونسوا حجج اللّه عليهم، وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين، وقال تعالى: { وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا} أي وما كنت مقيماً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، حين أخبرت عن نبيها شعيب وما قاله لقومه وما ردوا عليه، { ولكنا كنا مرسلين} أي ولكن نحن أوحينا إليك ذلك، وأرسلناك إلى الناس رسولاً، { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} قيل: المراد أمة محمد، نودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني وأجبتكم قبل أن تدعوني "أخرجه النسائي في سننه عن أبي هريرة موقوفاً، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم أيضاً" وقال قتادة: { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} موسى، وهذا أشبه بقوله تعالى: { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} ، ثم أخبر ههنا بصيغة أخرى أخص من ذلك وهو النداء، كما قال تعالى: { وإذ نادى ربك موسى} ، وقال تعالى: { إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى} ، وقال تعالى: { وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا} ، وقوله تعالى: { ولكن رحمة من ربك} أي ما كنت مشاهداً لشيء من ذلك، ولكن اللّه تعالى أوحاه إليك وأخبرك به رحمة منه بك وبالعباد بإرسالك إليهم، { لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} أي لعلهم يهتدون بما جئتهم به من اللّه عزَّ وجلَّ، { ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا} الآية، أي وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة، ولينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من اللّه بكفرهم، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، كما قال تعالى: { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين} ، وقال تعالى: { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير} والآيات في هذه كثيرة.

تفسير الجلالين

{ وما كنت } يا محمد { بجانب } الجبل أو الوادي أو المكان { الغربي } من موسى حين المناجاة { إذ قضينا } أوحينا { إلى موسى الأمر } بالرسالة إلى فرعون وقومه { وما كنت من الشاهدين } لذلك فتعلمه فتخبر به.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمَا كُنْت } يَا مُحَمَّد { بِجَانِبِ } غَرْبِيّ الْجَبَل. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20919 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا كُنْت } يَا مُحَمَّد { بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ } يَقُول : بِجَانِبِ غَرْبِيّ الْجَبَل } إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْر } . 20920 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : غَرْبِيّ الْجَبَل . 20921 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا الضَّحَّاك بْن مَخْلَد , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَلِيّ بْن مُدْرِك , عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو , قَالَ : إِنَّكُمْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُجِبْتُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُوا , وَقَرَأَ : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْر } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمَا كُنْت } يَا مُحَمَّد { بِجَانِبِ } غَرْبِيّ الْجَبَل. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20919 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا كُنْت } يَا مُحَمَّد { بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ } يَقُول : بِجَانِبِ غَرْبِيّ الْجَبَل } إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْر } . 20920 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : غَرْبِيّ الْجَبَل . 20921 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا الضَّحَّاك بْن مَخْلَد , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَلِيّ بْن مُدْرِك , عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو , قَالَ : إِنَّكُمْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُجِبْتُمْ قَبْل أَنْ تَسْأَلُوا , وَقَرَأَ : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْر } . ' يَقُول : إِذْ فَرَضْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْر فِيمَا أَلْزَمْنَاهُ وَقَوْمه , وَعَهِدْنَا إِلَيْهِ مِنْ عَهْد .يَقُول : إِذْ فَرَضْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْر فِيمَا أَلْزَمْنَاهُ وَقَوْمه , وَعَهِدْنَا إِلَيْهِ مِنْ عَهْد .' يَقُول : وَمَا كُنْت لِذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ.يَقُول : وَمَا كُنْت لِذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وما كنت} أي ما كنت يا محمد { بجانب الغربي} أي بجانب الجبل الغربي قال الشاعر : أعطاك من أعطى الهدى النبيا ** نورا يزين المنبر الغربيا { إذ قضينا إلى موسى الأمر} إذ كلفناه أمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا وقيل : أي إذ قضينا إلى موسى أمرك وذكرناك بخير ذكر وقال ابن عباس { إذ قضينا} أي أخبرنا أن أمة محمد خير الأمم { وما كنت من الشاهدين} أي من الحاضرين. قوله تعالى: { ولكنا أنشأنا قرونا} أي من بعد موسى { فتطاول عليهم العمر} حتى نسوا ذكر الله أي عهده وأمره نظيره { فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} الحديد 16 وظاهر هذا يوجب أن يكون جرى لنبينا عليه السلام ذكر في ذلك الوقت، وأن الله سيبعثه، ولكن طالت المدة، وغلبت القسوة، فنسي القوم ذلك وقيل : آتينا موسى الكتاب وأخذنا على قومه العهود، ثم تطاول العهد فكفروا، فأرسلنا محمدا مجددا للدين وداعيا الخلق إليه. وقوله { وما كنت ثاويا في أهل مدين} أي مقيما كمقام موسى وشعيب بينهم قال العجاج : فبات حيث يدخل الثوي أي الضيف المقيم. وقوله { تتلو عليهم آياتنا} أي تذكرهم بالوعد والوعيد. { ولكنا كنا مرسلين} أي أرسلناك في أهل مكة، وأتيناك كتابا فيه هذه الأخبار : ولولا ذلك لما علمتها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 44 - 47

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله: { بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ... } [القصص: 44] أي: الجانب الغربي من البقعة المباركة من الشجرة، وهو المكان الذي كلَّم الله فيه موسى وأرسله { إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ... } [القصص: 44] يعني: أمرناه به أمراً مقطوعاً به، وهو الرسالة.

{ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ } [القصص: 44].

ولك أنْ تسأل: إذا لم يكُنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهداً لهذه الأحداث، فمَنْ أخبره بها؟ نقول: أخبره الله تعالى، فإنْ قُلْت فربما أخبره بها شخص آخر، أو قرأها في كتب السابقين.

نقول: لقد شهد له قومه بأنه أُميٌّ، لا يقرأ ولا يكتب، ولم يُعْلَم عنه أنه جلس في يوم من الأيام إلى مُعلِّم، كذلك كانوا يعرفون سيرته في حياته وسفرياته ورحلاته، ولم يكُنْ فيها شيء من هذه الأحداث.

لذلك لما اتهموا رسول الله أنه جلس إلى معلم، وقالوا: كما حكى القرآن:
{  وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ... }
[النحل: 103] ردَّ القرآن عليهم في بساطة:
{  لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }
[النحل: 103].

وكانوا يقصدون بذلك حدادين روميين تردد عليهما رسول الله. وكذلك كانت الأمة التي بُعِث فيها رسول الله أمة أمية، فمَّمن تعلَّم إذن؟

وإذا كانت الأمية صفة مذمومة ننفر منها، حتى أن أحد سطحيي الفهم يقول: لا تقولوا لرسول الله أميٌّ ونقول: إن كانت الأمية مَذمَّة، فهي ميزة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأمي يعني المنسوب إلى الأم وما يزال على طبيعته لا يعرف شيئاً.

واقرأ قوله تعالى:
{  وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً... }
[النحل: 78] ونقول في المثل (فلان زي ما ولدتْه أمه) يعني: لا يعرف شيئاً، وهذه مذمة في عامة البشر؛ لأنه لم يتعلم ممَّنْ حوله، ولم يستفِدْ من خبرات الحياة.

أما الأمية عند رسول الله فشرف؛ لأن قصارى المتعلِّم في أيِّ أمة من الأمم أنْ يأخذ بطرفٍ من العلم من أمثاله من البشر، فيكون مديناً له بهذا العلم، أمَّا رسول الله فقد تعلم من العليم الأعلى، فلم يتأثر في علمه بأحد، وليس لأحد فضل عليه ولا منة.

لذلك تعجب الدنيا كلها من أمة العرب، هذه الأمة الأمية المتبدية التي لا يجمعها قانون، إنما لكل قبيلة فيها قانونها الخاص، يعجبون: كيف سادتْ هذه الأمةُ العالمَ، وغزتْ حضارتهم الدنيا في نصف قرن من الزمان.

ولو أن العرب أمة حضارة لقالوا عن الإسلام قفزة حضارية، كما قالوا بعد انتصارنا في أكتوبر، وبعد أن رأى رجالنا أشياء غير عادية تقاتل معهم، حتى أنهم لم يشكُّوا في أنها تأييد من الله تعالى لجيش بدأ المعركة بصيحة الله أكبر، لكن ثالث أيام المعركة طلع علينا في جرائدنا من يقول: إنه نصر حضاري، وفي نفس اليوم فُتحت الثغرة في (الدفرسوار).وعجيب أمر هؤلاء من أبناء جلدتنا؛ لماذا تردُّون فضل الله وتنكرون تأييده لكم؟ وماذا يضايقكم في نصر جاء بمدد من عند الله؟ ألم تقرأوا:
{  وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ... }
[المدثر: 31] وبعد أن فُتحت الثغرة ماذا قدمتم لسدِّها، تعالوا بفكركم الحضاري وأخرجونامن هذا المأزق.

وإذا ثَقُلَ على هؤلاء الاعتراف بجنود الله بين صفوفهم، أليس المهندس الذي اهتدى إلى فكرة استخدام ضغط الماء في فتح الطريق في (بارليف) لينفذ منه الجنود، أليس من جنود الله؟

لقد أخذتْ منَّا هذه الفكرة كثيراً من الوقت والجهد دون فائدة، إلى أن جاء هذا الرجل الذي نوَّر الله بصيرته وهداه إلى هذه العملية التي لم تَأْتِ اعتباطاً، إنما نتيجة إيمان بالله وقُرْب منه سبحانه وتضرُّع إليه، فجزاه الله عن مصر وعن الإسلام خيراً.

ومن العجيب، بعد نهاية الحرب أنْ يُجروا للحرب بروفة تمثيلية، فلم يستطيعوا اجتياز خط بارليف، وهم في حال أمْن وسلام.

نعود إلى قضية الأمية ونقول لمن ينادي بمحو الأمية عند الناس بأن يعلمهم من علم البشر؛ ليتكم قُلْتُم نمحو الأمية عندهم لنعلمهم عن الله.

إذن: فقوله تعالى: { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ } [القصص: 44] يعني: ما رأى محمد هذه الأحداث ولا حضرها، ومنه قوله تعالى عن شهر رمضان:
{  فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ... }
[البقرة: 185] يعني: حضره.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ... }.


www.alro7.net