سورة
اية:

بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المشركين إنما غرهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال: أنهم متعوا في الحياة الدنيا ونعّموا، وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء؛ ثم قال واعظاً لهم: { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} اختلف المفسرون في معناه، وقد أسلفناه في سورة الرعد، وأحسن ما فسر بقوله تعالى: { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون} ، وقال الحسن البصري: يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر، والمعنى: أفلا يعتبرون بنصر اللّه لأوليائه على أعدائه؟ وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإنجائه لعباده المؤمنين؟ ولهذا قال: { أفهم الغالبون} يعني بل هم المغلبون الأخسرون الأرذلون، وقوله: { قل إنما أنذركم بالوحي} أي إنما أنا مبلغ عن اللّه ما أنذركم به من العذاب والنكال، ليس ذلك إلا عما أوحاه اللّه إليَّ ولكن لا يجدي هذا عمن أعمى اللّه بصيرته وختم على سمعه وقلبه، ولهذا قال: { ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون} ، وقوله: { ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين} ، أي ولئن مسَّ هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب اللّه، ليعترفن بذنوبهم وأنهم كانوا ظالمين أنفسهم في الدنيا، وقوله: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا} أي ونضع الموازين العدل ليوم القيامة، الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه، وقوله: { فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} ، كما قال تعالى: { ولا يظلم ربك أحدا} ، وقال: { إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة} ، وقال لقمان: { يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها اللّه إن اللّه لطيف خبير} . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقليتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن سبحان اللّه وبحمده سبحان اللّه العظيم) ""الحديث أخرجه الشيخان وختم البخاري رحمه اللّه صحيحه بهذا الحديث الشريف""، وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن اللّه عزَّ وجلَّ يستخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، قال: أفلك عذر أو حسنة؟ قال: فبهت الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمداً رسول اللّه، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، قال: ولا يثقل شيء مع بسم اللّه الرحمن الرحيم) ""الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب""، وقال الإمام أحمد، عن عائشة، أن رجلاً من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جلس بين يديه فقال: يا رسول اللّه إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يُحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك)، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويهتف، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما له لا يقرأ كتاب اللّه { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} فقال الرجل: يا رسول اللّه ما أجد شيئاً خيراً من فراق هؤلاء - يعني عبيده - إني أشهدك أنهم أحرار كلهم ""أخرجه الإمام أحمد في المسند"".

تفسير الجلالين

{ بل متعنا هؤلاء وآباءهم } بما أنعمنا عليهم { حتى طال عليهم العمر } فاغتروا بذلك { أفلا يرون أنا نأتي الأرض } نقصد أرضهم { ننقصها من أطرافها } بالفتح على النبي { أفهم الغالبون } ؟ لا، بل النبي وأصحابه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُر } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ آلِهَة تَمْنَعهُمْ مِنْ دُوننَا , وَلَا جَار يُجِيرهُمْ مِنْ عَذَابنَا , إِذَا نَحْنُ أَرَدْنَا عَذَابهمْ , فَاتَّكَلُوا عَلَى ذَلِكَ , وَعَصَوْا رُسُلنَا اِتِّكَالًا مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ ; وَلَكِنَّا مَتَّعْنَاهُمْ بِهَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا وَآبَاءَهُمْ مِنْ قَبْلهمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُر , وَهُمْ عَلَى كُفْرهمْ مُقِيمُونَ , لَا تَأْتِيهِمْ مِنَّا وَاعِظَة مِنْ عَذَاب وَلَا زَاجِرَة مِنْ عِقَاب عَلَى كُفْرهمْ وَخِلَافهمْ أَمْرنَا وَعِبَادَتهمْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , فَنَسُوا عَهْدنَا وَجَهِلُوا مَوْقِع نِعْمَتنَا عَلَيْهِمْ , وَلَمْ يَعْرِفُوا مَوْضِع الشُّكْر . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُر } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ آلِهَة تَمْنَعهُمْ مِنْ دُوننَا , وَلَا جَار يُجِيرهُمْ مِنْ عَذَابنَا , إِذَا نَحْنُ أَرَدْنَا عَذَابهمْ , فَاتَّكَلُوا عَلَى ذَلِكَ , وَعَصَوْا رُسُلنَا اِتِّكَالًا مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ ; وَلَكِنَّا مَتَّعْنَاهُمْ بِهَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا وَآبَاءَهُمْ مِنْ قَبْلهمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُر , وَهُمْ عَلَى كُفْرهمْ مُقِيمُونَ , لَا تَأْتِيهِمْ مِنَّا وَاعِظَة مِنْ عَذَاب وَلَا زَاجِرَة مِنْ عِقَاب عَلَى كُفْرهمْ وَخِلَافهمْ أَمْرنَا وَعِبَادَتهمْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , فَنَسُوا عَهْدنَا وَجَهِلُوا مَوْقِع نِعْمَتنَا عَلَيْهِمْ , وَلَمْ يَعْرِفُوا مَوْضِع الشُّكْر .' وَقَوْله : { أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْض نَنْقُصهَا مِنْ أَطْرَافهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَلَا يَرَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ السَّائِلُو مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَات الْمُسْتَعْجِلُو بِالْعَذَابِ , أَنَّا نَأْتِي الْأَرْض نُخَرِّبهَا مِنْ نَوَاحِيهَا بِقَهْرِنَا أَهْلهَا , وَغَلَبَتِنَاهُمْ , وَإِجْلَائِهِمْ عَنْهَا , وَقَتْلهمْ بِالسُّيُوفِ , فَيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ وَيَتَّعِظُوا بِهِ , وَيَحْذَرُوا مِنَّا أَنْ نَنْزِل مِنْ بَأْسنَا بِهِمْ نَحْو الَّذِي قَدْ أَنْزَلْنَا بِمَنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِ مِنْ أَهْل الْأَطْرَاف ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الْقَائِلِينَ بِقَوْلِنَا هَذَا وَمُخَالِفِيهِ بِالرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ فِي سُورَة الرَّعْد بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .وَقَوْله : { أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْض نَنْقُصهَا مِنْ أَطْرَافهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَلَا يَرَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ السَّائِلُو مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَات الْمُسْتَعْجِلُو بِالْعَذَابِ , أَنَّا نَأْتِي الْأَرْض نُخَرِّبهَا مِنْ نَوَاحِيهَا بِقَهْرِنَا أَهْلهَا , وَغَلَبَتِنَاهُمْ , وَإِجْلَائِهِمْ عَنْهَا , وَقَتْلهمْ بِالسُّيُوفِ , فَيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ وَيَتَّعِظُوا بِهِ , وَيَحْذَرُوا مِنَّا أَنْ نَنْزِل مِنْ بَأْسنَا بِهِمْ نَحْو الَّذِي قَدْ أَنْزَلْنَا بِمَنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِ مِنْ أَهْل الْأَطْرَاف ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الْقَائِلِينَ بِقَوْلِنَا هَذَا وَمُخَالِفِيهِ بِالرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ فِي سُورَة الرَّعْد بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .' وَقَوْله : { أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ } يَقُول تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَفَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْتَعْجِلُو مُحَمَّد بِالْعَذَابِ الْغَالِبُونَا , وَقَدْ رَأَوْا قَهْرنَا مَنْ أَحْلَلْنَا بِسَاحَتِهِ بَأْسنَا فِي أَطْرَاف الْأَرَضِينَ ؟ لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , بَلْ نَحْنُ الْغَالِبُونَ . وَإِنَّمَا هَذَا تَقْرِيع مِنْ اللَّه تَعَالَى لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ بِجَهْلِهِمْ , يَقُول : أَفَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا وَيَقْهَرُونَهُ , وَقَدْ قَهَرَ مَنْ نَاوَأَهُ مِنْ أَهْل أَطْرَاف الْأَرْض غَيْرهمْ ؟ كَمَا : 18576 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ } يَقُول : لَيْسُوا بِغَالِبِينَ , وَلَكِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْغَالِب . وَقَوْله : { أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ } يَقُول تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَفَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْتَعْجِلُو مُحَمَّد بِالْعَذَابِ الْغَالِبُونَا , وَقَدْ رَأَوْا قَهْرنَا مَنْ أَحْلَلْنَا بِسَاحَتِهِ بَأْسنَا فِي أَطْرَاف الْأَرَضِينَ ؟ لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , بَلْ نَحْنُ الْغَالِبُونَ . وَإِنَّمَا هَذَا تَقْرِيع مِنْ اللَّه تَعَالَى لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ بِجَهْلِهِمْ , يَقُول : أَفَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا وَيَقْهَرُونَهُ , وَقَدْ قَهَرَ مَنْ نَاوَأَهُ مِنْ أَهْل أَطْرَاف الْأَرْض غَيْرهمْ ؟ كَمَا : 18576 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ } يَقُول : لَيْسُوا بِغَالِبِينَ , وَلَكِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْغَالِب . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قل من يكلؤكم} أي يحرسكم ويحفظكم. والكلاءة الحراسة والحفظ؛ كلاه الله كلاء (بالكسر) أي حفظه وحرسه. يقال : اذهب في كلاءة الله؛ واكتلأت منهم أي احترست، قال الشاعر هو ابن هرمة : إن سليمى والله يكلؤها ** ضنت بشيء ما كان يرزؤها وقال آخر : أنخت بعيري واكتلأت بعينه وحكى الكسائي والفراء { قل من يكْلَوكم} بفتح اللام وإسكان الواو. وحكيا { من يكلاكم} على تخفيف الهمزة في الوجهين، والمعروف تحقيق الهمزة وهي قراءة العامة. فأما { يكلاكم} فخطأ من وجهين فيما ذكره النحاس : أحدهما : أن بدل الهمزة. يكون في الشعر. والثاني : أنهما يقولان في الماضي كليته، فينقلب المعنى؛ لأن كليته أوجعت كليته، ومن قال لرجل : كلاك الله فقد دعا عليه بأن يصيبه الله بالوجع في كليته. ثم قيل : مخرج اللفظ مخرج الاستفهام والمراد به النفي. وتقديره : قل لا حافظ لكم { بالليل} إذا نمتم { والنهار} إذا قمتم وتصرفتم في أموركم. { من الرحمن} أي من عذابه وبأسه؛ كقوله تعالى { فمن ينصرني من الله} [هود : 63] أي من عذاب الله. والخطاب لمن اعترف منهم بالصانع؛ أي إذا أقررتم بأنه الخالق، فهو القادر على إحلال العذاب الذي تستعجلونه. { بل هم عن ذكر ربهم} أي عن القرآن. وقيل : عن مواعظ ربهم وقيل : عن معرفته. { معرضون} لاهون غافلون. قوله تعالى { أم لهم آلهة} المعنى : ألهم والميم صلة. { تمنعهم من دوننا} أي من عذابنا. { لا يستطيعون} يعني الذين زعم هؤلاء الكفار. أنهم ينصرونهم لا يستطيعون { نصر أنفسهم} فكيف ينصرون عابديهم. { ولا هم منا يصحبون} قال ابن عباس : يمنعون. وعنه : يجارون؛ وهو اختيار الطبري. تقول العرب : أنا لك جار وصاحب. من فلان؛ أي مجير منه؛ قال الشاعر : ينادي بأعلى صوته متعوذا ** ليصحب منها والرماح دواني وروى معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال { ينصرون} أي يحفظون. قتادة : أي لا يصحبهم الله بخير، ولا يجعل رحمته صاحبا لهم. قوله تعالى { بل متعنا هؤلاء وآباءهم} قال ابن عباس : يريد أهل مكة. أي بسطنا لهم ولآبائهم في نعيمها { حتى طال عليهم العمر} في النعمة. فظنوا أنها لا تزول عنهم، فاغتروا وأعرضوا عن تدبر حجج { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} أي بالظهور عليها لك يا محمد أرضا بعد أرض، وفتحها بلدا بعد بلد مما حول مكة؛ قال معناه الحسن وغيره. وقيل : بالقتل والسبي؛ حكاه الكلبي. والمعنى واحد. وقد مضى في [الرعد] الكلام في هذا مستوفى. { أفهم الغالبون} يعني، كفار مكة بعد أن نقصنا من أطرافهم، بل أنت تغلبهم وتظهر عليهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 42 - 48

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: أنهم مكثوا فترة طويلة من الزمن يتقلَّبون في نعَم الله، لكن انظروا ماذا حدث لهم بعد ذلك، فخذوا منهم عبرةً:
{  أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا.. }
[الروم: 9].

ومع ذلك أُخذوا أَخْذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى:
{  أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ }
[الأنعام: 6].

ثم يقول سبحانه: { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ... } [الأنبياء: 44].

وفي موضع آخر:
{  أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }
[الرعد: 41].

وهذه آية من الآيات التي وقف عندها بعض علماءنا من النبيين بعلميات القرآن، فلما أعلن العلماء أن الأرض بيضاوية الشكل، وليست كاملة الاستدارة، يعني: أقطارها مختلفة بالنسبة لمركزها، سارع بعضهم من منطلق الغَيْرة على دين الله ومحاولة إثبات صِدْق القرآن، وأنه سبق إلى ذِكْر هذه المسألة فقالوا: لقد ذكر القرآن هذا الإكتشاف في قوله تعالى: { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ... } [الأنبياء: 44] يعني: من ناحية خط الاستواء، لا من ناحية القطبين.

وغفل هؤلاء أن الآية تقول: { نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ.. } [الأنبياء: 44] لا من طرفها، فالنقص من جميع الأطراف، فمِثْل هذه الأقوال تفتح الباب للطعن في القرآن والخوْض فيه.

ونتساءل { أَفَلاَ يَرَوْنَ... } [الأنبياء: 44] رأي هنا علمية أم بصرية؟ لو قلنا: إنها بصرية فهذه ظاهرة لم تُعْرَف إلا في القرن العشرين، ولم ينتبه لها أحد قبل ذلك، إذن: فهي ليست بصرية. وأيضاً ليست علمية، فلم تصل هذه المعلومة إلى هؤلاء، ولم يكُنْ العرب حينذاك أمةَ علم، ولا أمة ثقافة، ولاشيء من ذلك أبداً. فإذا ما استبعدنا هذا التفسير، فما المعنى المناسب؟

نقول: إنْ كانت رأي بصرية، فقد رأوا هذه الظاهرية في الأمم السابقة، وقد كانوا يصادمون دين الله ويحاربونه؛ لأنه جاء ليقضي على سلطتهم الزمنية، ويجعل الناس سواء، ومع ذلك كان الدين ينتشر كل يوم وتزيد رقعته وتقلّ رُقعة الكفر.

فالمعنى: ننقص أرض الكفر إما من الناس، أو من العمائر التي تُهدم وتخرب بالزلازل والخسف وغيره، فننقص الأرض، وننقص الناس، وننقص مظاهر العمران في جانب الكفر، وهذا النقص هو نفسه الزيادة في أرض الإيمان. وهذه الظاهرة حدثت في جميع الرسالات.

فإنْ قال قائل: كيف نقبل هذا التفسير، وزيادة أرض الإيمان لم تحدث إلا بعد الهجرة، والآية مكية؟ تقول: كَوْن الآية مكية لا يقدح في المعنى هنا، فليس من الضروري أن يَروْا ذلك في أنفسهم، ويكفي أنْ يروها في الأمم السابقة، كما جاء في قوله تعالى:
{  وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ }
[الصافات: 137].

وقال:
{  وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ }
[الفجر: 9-12].

وإن اعتبرنا (رأي) علمية، فقد علموا ذلك من أهل الكتاب ممَّنْ تحالفوا معهم، فما حدث للأمم السابقة سيحدث لكم.

وقوله تعالى: { أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ } [الأنبياء: 44] يعني: أفلم يشاهدوا أنَّا ننقص الأرض من أطرافها، أم أن هذا لم يحدث، وهم الغالبون؟ أيهما الغالب: رسل الله، أم الكافرون؟ الإجابة أنهم غُلِبوا واندحروا، فقال تعالى:
{  وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ }
[الصافات: 173] وقال:
{  إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا... }
[غافر: 51]

ويخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم: { قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ... }.


www.alro7.net