سورة
اية:

تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى تقدسه السماوات السبع والأرض ومن فيهن، أي من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتبجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته: ففي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد كما قال تعالى: { تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا . أن دعوا للرحمن ولدا} . وقوله: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده} أي وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد اللّه { ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أي لا تفهمون تسبيحهم لأنها بخلاف لغاتكم، وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، وفي حديث أبي ذر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كحنين النحل، وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان رضي اللّه عنهم ""قال ابن كثير: وهو حديث مشهور في المسانيد"". وقال الإمام أحمد عن أنس رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم: (اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكراً منه) وفي سنن النسائي عن عبد اللّه بن عمرو قال: نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال: نقيقها تسبيح. وعن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوح عليه السلام قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول سبحان اللّه فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق)، قال اللّه تعالى: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده} ""أخرجه ابن جرير، قال ابن كثير: في إسناده ضعف"". وقال عكرمة في قوله تعالى: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال: الأسطوانة تسبح، والشجرة تسبح، وقال بعض السلف: صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه. وقال آخرون: إنما يسبح من كان فيه روح من حيوان ونبات، قال قتادة في قوله: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال: كل شيء فيه روح يسبح من شجر أو شيء فيه، وقال الحسن والضحّاك: كل شيء فيه الروح. وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرّ بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة ثم قال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ""أخرجه الشيخان عن ابن عباس مرفوعاً""، قال بعض من تكلم عن هذا الحديث من العلماء، إنما قال ما لم ييبسا: لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة فإذا يبسا انقطع تسبيحهما، واللّه أعلم. وقوله: { إنه كان حليما غفورا} أي إنه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز مقتدر كما جاء في الصحيحين: (إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة} الآية. وقال تعالى: { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة} الآية. وقال: { وكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة} الآيتين ومن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان ورجع إلى اللّه وتاب إليه، تاب عليه كما قال تعالى: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر اللّه} الآية. وقال ههنا: { إنه كان حليما غفورا} كما قال في آخر فاطر: { إن اللّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا} إلى أن قال: { ولو يؤاخذ اللّه الناس} إلى آخر السورة.

تفسير الجلالين

{ تسبح له } تنزهه { السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن } ما { من شيء } من المخلوقات { إلا يسبح } متلبسا { بحمده } أي يقول سبحان الله وبحمده { ولكن لا تفقهون } تفهمون { تسبيحهم } لأنه ليس بلغتكم { إنه كان حليما غفورا } حيث لم يعاجلكم بالعقوبة .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { تُسَبِّح لَهُ السَّمَاوَات السَّبْع وَالْأَرْض وَمَنْ فِيهِنَّ } يَقُول : تَنَزَّهَ اللَّه أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ عَمَّا وَصَفْتُمُوهُ بِهِ إِعْظَامًا لَهُ وَإِجْلَالًا , السَّمَاوَات السَّبْع وَالْأَرْض , وَمَنْ فِيهِنَّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ الْمَلَائِكَة وَالْإِنْس وَالْجِنّ , وَأَنْتُمْ مَعَ إِنْعَامه عَلَيْكُمْ , وَجَمِيل أَيَادِيه عِنْدكُمْ , تَفْتَرُونَ عَلَيْهِ بِمَا تَفْتَرُونَ .وَقَوْله : { تُسَبِّح لَهُ السَّمَاوَات السَّبْع وَالْأَرْض وَمَنْ فِيهِنَّ } يَقُول : تَنَزَّهَ اللَّه أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ عَمَّا وَصَفْتُمُوهُ بِهِ إِعْظَامًا لَهُ وَإِجْلَالًا , السَّمَاوَات السَّبْع وَالْأَرْض , وَمَنْ فِيهِنَّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ الْمَلَائِكَة وَالْإِنْس وَالْجِنّ , وَأَنْتُمْ مَعَ إِنْعَامه عَلَيْكُمْ , وَجَمِيل أَيَادِيه عِنْدكُمْ , تَفْتَرُونَ عَلَيْهِ بِمَا تَفْتَرُونَ .' وَقَوْله : { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا مِنْ شَيْء مِنْ خَلْقه إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ , كَمَا : 16849 - حَدَّثَنِي بِهِ نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْدِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يَعْلَى , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا أُخْبِركُمْ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ نُوح اِبْنه ؟ إِنَّ نُوحًا قَالَ لِابْنِهِ يَا بُنَيّ آمُرك أَنْ تَقُول سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ فَإِنَّهَا صَلَاة الْخَلْق , وَتَسْبِيح الْخَلْق , وَبِهَا تُرْزَق الْخَلْق , قَالَ اللَّه { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ } . 16850 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا عِيسَى بْن عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول : لَا يَعِيبَن أَحَدكُمْ دَابَّته وَلَا ثَوْبه , فَإِنَّ كُلّ شَيْء يُسَبِّح بِحَمْدِهِ . 16851 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ } قَالَ : الشَّجَرَة تُسَبِّح , وَالْأُسْطُوَانَة تُسَبِّح . 16852 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح وَزَيْد بْن حُبَاب , قَالَا : ثنا جَرِير أَبُو الْخَطَّاب , قَالَ : كُنَّا مَعَ يَزِيد الرُّقَاشِيّ وَمَعَهُ الْحَسَن فِي طَعَام , فَقَدِمُوا الْخُوَان , فَقَالَ يَزِيد الرُّقَاشِيّ : يَا أَبَا سَعِيد يُسَبِّح هَذَا الْخُوَان : فَقَالَ : كَانَ يُسَبِّح مَرَّة . 16853 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , وَيُونُس , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْله : { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ } قَالَا : كُلّ شَيْء فِيهِ الرُّوح . 16854 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْكَبِير بْن عَبْد الْمَجِيد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : الطَّعَام يُسَبِّح . 16855 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ } قَالَ : كُلّ شَيْء فِيهِ الرُّوح يُسَبِّح , مِنْ شَجَر أَوْ شَيْء فِيهِ الرُّوح . 16856 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , أَنَّ الرَّجُل إِذَا قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَهِيَ كَلِمَة الْإِخْلَاص الَّتِي لَا يَقْبَل اللَّه مِنْ أَحَد عَمَلًا حَتَّى يَقُولهَا , فَإِذَا قَالَ الْحَمْد لِلَّهِ , فَهِيَ كَلِمَة الشُّكْر الَّتِي لَمْ يَشْكُر اللَّه عَبْد قَطُّ حَتَّى يَقُولهَا : فَإِذَا قَالَ اللَّه أَكْبَر , فَهِيَ تَمْلَأ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , فَإِذَا قَالَ سُبْحَان اللَّه , فَهِيَ صَلَاة الْخَلَائِق الَّتِي لَمْ يَدْعُ اللَّه أَحَد مِنْ خَلْقه إِلَّا نَوَّرَهُ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيح , فَإِذَا قَالَ لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ , قَالَ : أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ . وَقَوْله : { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا مِنْ شَيْء مِنْ خَلْقه إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ , كَمَا : 16849 - حَدَّثَنِي بِهِ نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْدِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يَعْلَى , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا أُخْبِركُمْ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ نُوح اِبْنه ؟ إِنَّ نُوحًا قَالَ لِابْنِهِ يَا بُنَيّ آمُرك أَنْ تَقُول سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ فَإِنَّهَا صَلَاة الْخَلْق , وَتَسْبِيح الْخَلْق , وَبِهَا تُرْزَق الْخَلْق , قَالَ اللَّه { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ } . 16850 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا عِيسَى بْن عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول : لَا يَعِيبَن أَحَدكُمْ دَابَّته وَلَا ثَوْبه , فَإِنَّ كُلّ شَيْء يُسَبِّح بِحَمْدِهِ . 16851 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ } قَالَ : الشَّجَرَة تُسَبِّح , وَالْأُسْطُوَانَة تُسَبِّح . 16852 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح وَزَيْد بْن حُبَاب , قَالَا : ثنا جَرِير أَبُو الْخَطَّاب , قَالَ : كُنَّا مَعَ يَزِيد الرُّقَاشِيّ وَمَعَهُ الْحَسَن فِي طَعَام , فَقَدِمُوا الْخُوَان , فَقَالَ يَزِيد الرُّقَاشِيّ : يَا أَبَا سَعِيد يُسَبِّح هَذَا الْخُوَان : فَقَالَ : كَانَ يُسَبِّح مَرَّة . 16853 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , وَيُونُس , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْله : { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ } قَالَا : كُلّ شَيْء فِيهِ الرُّوح . 16854 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْكَبِير بْن عَبْد الْمَجِيد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : الطَّعَام يُسَبِّح . 16855 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ } قَالَ : كُلّ شَيْء فِيهِ الرُّوح يُسَبِّح , مِنْ شَجَر أَوْ شَيْء فِيهِ الرُّوح . 16856 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , أَنَّ الرَّجُل إِذَا قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَهِيَ كَلِمَة الْإِخْلَاص الَّتِي لَا يَقْبَل اللَّه مِنْ أَحَد عَمَلًا حَتَّى يَقُولهَا , فَإِذَا قَالَ الْحَمْد لِلَّهِ , فَهِيَ كَلِمَة الشُّكْر الَّتِي لَمْ يَشْكُر اللَّه عَبْد قَطُّ حَتَّى يَقُولهَا : فَإِذَا قَالَ اللَّه أَكْبَر , فَهِيَ تَمْلَأ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , فَإِذَا قَالَ سُبْحَان اللَّه , فَهِيَ صَلَاة الْخَلَائِق الَّتِي لَمْ يَدْعُ اللَّه أَحَد مِنْ خَلْقه إِلَّا نَوَّرَهُ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيح , فَإِذَا قَالَ لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ , قَالَ : أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ . ' وَقَوْله : { وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيح مَا عَدَا تَسْبِيح مَنْ كَانَ يُسَبِّح بِمِثْلِ أَلْسِنَتكُمْ { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه كَانَ حَلِيمًا لَا يَعْجَل عَلَى خَلْقه , الَّذِينَ يُخَالِفُونَ أَمْره , وَيَكْفُرُونَ بِهِ , وَلَوْلَا ذَلِكَ جَلَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَهُ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد بِالْعُقُوبَةِ . { غَفُورًا } يَقُول : سَاتِرًا ذُنُوبهمْ , إِذَا هُمْ تَابُوا مِنْهَا بِالْعَفْوِ مِنْهُ لَهُمْ , كَمَا : 16857 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا } عَنْ خَلْقه , فَلَا يَعْجَل كَعَجَلَةِ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض { غَفُورًا } إِذَا تَابُوا . وَقَوْله : { وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيح مَا عَدَا تَسْبِيح مَنْ كَانَ يُسَبِّح بِمِثْلِ أَلْسِنَتكُمْ { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه كَانَ حَلِيمًا لَا يَعْجَل عَلَى خَلْقه , الَّذِينَ يُخَالِفُونَ أَمْره , وَيَكْفُرُونَ بِهِ , وَلَوْلَا ذَلِكَ جَلَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَهُ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد بِالْعُقُوبَةِ . { غَفُورًا } يَقُول : سَاتِرًا ذُنُوبهمْ , إِذَا هُمْ تَابُوا مِنْهَا بِالْعَفْوِ مِنْهُ لَهُمْ , كَمَا : 16857 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا } عَنْ خَلْقه , فَلَا يَعْجَل كَعَجَلَةِ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض { غَفُورًا } إِذَا تَابُوا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن} أعاد على السماوات والأرض ضمير من يعقل، لما أسند إليها فعل العاقل وهو التسبيح. وقوله { ومن فيهن} يريد الملائكة والإنس والجن، ثم عمّ بعد ذلك الأشياء كلها في قوله { وإن من شيء إلا يسبح بحمده} . واختلف في هذا العموم، هل هو مخصص أم لا؛ فقالت فرقة : ليس مخصوصا والمراد به تسبيح الدلالة، وكل محدث يشهد على نفسه بأن الله عز وجل خالق قادر. وقالت طائفة : هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان ما قاله الأولون من أنه أثر الصنعة والدلالة لكان أمرا مفهوما، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه. وأجيبوا بأن المراد بقوله { لا تفقهون} الكفار الذين يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله سبحانه وتعالى في الأشياء. وقالت فرقة : قوله { من شيء} عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات. ومن هذا قول عكرمة : الشجرة تسبح والاسطوان لا يسبح. وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام وقد قدم الخوان : أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال : قد كان يسبح مرة؛ يريد أن الشجرة في زمن ثمرها واعتدالها كانت تسبح، وأما الآن فقد صار خوانا مدهونا. قلت : ويستدل لهذا القول من السنة بما ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال : (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول) قال : فدعا بعسيب رطب فشقه اثنين، ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال : (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا). فقوله عليه الصلاة والسلام. (ما لم ييبسا) إشارة إلى أنهما ما داما رطبين يسبحان، فإذا يبسا صارا جمادا. والله أعلم. وفي مسند أبي داود الطيالسي : فتوضع على أحدهما نصفا وعلى الآخر نصفا وقال : (لعله أن يهون عليهما العذاب ما دام فيهما من بلوتهما شيء). قال علماؤنا : ويستفاد من هذا غرس، الأشجار وقراءة القرآن على القبور، وإذا خفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن. وقد بينا هذا المعنى في كتاب التذكرة بيانا شافيا، وأنه يصل إلى الميت ثواب ما يهدى إليه. والحمد لله على ذلك. وعلى التأويل الثاني لا يحتاج إلى ذلك؛ فإن كل شيء من الجماد وغيره يسبح. قلت : ويستدل لهذا التأويل وهذا القول من الكتاب بقوله سبحانه وتعالى { واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب. إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق} [ص : 17]، وقوله { وإن منها لما يهبط من خشية الله} [البقرة : 74] - على قول مجاهد - ، وقوله { وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا} [مريم : 90]. وذكر ابن المبارك في (دقائقه) أخبرنا مسعر عن عبدالله بن واصل عن عوف بن عبدالله قال: قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : إن الجبل يقول للجبل : يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكر لله عز وجل؟ فإن قال نعم سر به. ثم قرأ عبدالله { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} الآية. قال : أفتراهن يسمعن الزور ولا يسمعن الخير. وفيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ما من صباح ولا رواح إلا تنادي بقاع الأرض بعضها بعضا. يا جاراه؛ هل مر بك اليوم عبد فصلى لله أو ذكر الله عليك؟ فمن قائلة لا، ومن قائلة نعم، فإذا قالت نعم رأت لها بذلك فضلا عليها. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر ولا مدر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة). رواه ابن ماجه في سننه، ومالك في موطئه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وخرج البخاري عن عبدالله رضي الله عنه قال : لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. في غير هذه الرواية عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : كنا نأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطعام ونحن نسمع تسبيحه. وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن). قيل : إنه الحجر الأسود، والله أعلم. والأخبار في هذا المعنى كثيرة؛ وقد أتينا على جملة منها في اللمع اللؤلئية في شرح العشرينيات النبوية للفاداري رحمه الله، وخبر الجذع أيضا مشهور في هذا الباب خرجه البخاري في موضع من كتابه. وإذا ثبت ذلك في جماد واحد جاز في جميع الجمادات، ولا استحالة في شيء من ذلك؛ فكل شيء يسبح للعموم. وكذا قال النخعي وغيره : هو عام فيما فيه روح وفيما لا روح فه حتى صرير الباب. واحتجوا بالأخبار التي ذكرنا. وقيل : تسبيح الجمادات أنها تدعو الناظر إليها إلى أن يقول : سبحان الله! لعدم الإدراك منها. وقال الشاعر : تُلقى بتسبيحة من حيث ما انصرفت ** وتستقر حشا الرائي بترعاد أي يقول من رآها : سبحان خالقها. فالصحيح أن الكل يسبح للأخبار الدالة على ذلك لو كان ذلك التسبيح تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود، وإنما ذلك تسبيح المقال بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح كما ذكرنا. وقد نصت السنة على ما دل عليه ظاهر القرآن من تسبيح كل شيء فالقول به أولى. والله أعلم. وقرأ الحسن وأبو عمرو ويعقوب وحفص وحمزة والكسائي وخلف { تفقهون} بالتاء لتأنيث الفاعل. الباقون بالياء، واختاره أبو عبيد، قال : للحائل بين الفعل والتأنيث. { إنه كان حليما} عن ذنوب عباده في الدنيا. { غفورا} للمؤمنين في الآخرة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الاسراء الايات 36 - 44


سورة الاسراء الايات 44 - 47

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

التسبيح: هو حيثية الإيمان بالله؛ لأنك لا تؤمن بشيء في شيء إلاَّ أنْ تثق أن مَنْ آمنت به فوقك في ذلك الشيء، فأنت لا تُوكِّل أحداً بعمل إلا إذا أيقنتَ أنه أقدر منك وأحكم وأعلم.

فإذا كنت قد آمنت بإله واحد، فحيثية ذلك الإيمان أن هذا الإله الواحد فوق كل المألوهين جميعاً، وليس لأحد شبه به، وإن اشترك معه في مُطْلَق الصفات، فالله غنيّ وأنت غِنَي، لكن غنى الله ذاتيّ وغِنَاك موهوب، يمكن أنْ يُسلب منك في أي وقت.

وكذلك في صفة الوجود، فالله تعالى موجود وأنت موجود، لكن وجوده تعالى لا عن عدم، بل هو وجود ذاتي ووجودك موهوب سينتهي في أي وقت.

إذن: فتسبيح الله هو حيثية الإيمان به كإله، وإلا لو أشبهناه في شيء أو أشبهنا في شيء ما استحق أن يكون إلهاً.

والتسبيح: هو التنزيه، وهذا ثابت لله تعالى قبل أن يوجد منْ خَلْقه مَنْ يُنزِّهه، والحق سبحانه مُنزَّه بذاته والصفة كائنة له قبل أن يخلق الخلق؛ لأنه خالق قبل أن يخلق، كما نقول: فلان شاعر، أهو شاعر لأنه قال قصيدة؟ أم شاعر بذاته قبل أن يقول شعراً؟

الواقع أن الشعر موهبة، وملَكة عنده، ولولاها ما قال شعراً، إذن: هو شاعر قبل أن يقول.

كذلك فصفات الكمال في الله تعالى موجودة قبل أن يوجد الخَلْق.

لذلك فإن المتتبع لهذه المادة في القرآن الكريم مادة (سبح) يجدها بلفظ (سُبْحان) في أول الإسراء:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ.. }
[الإسراء: 1]

ومعناها أن التنزيه ثابت لله تعالى قبل أن يخلق من ينزهه.

ثم بلفظ:
{  سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ.. }
[الحديد: 1]

بصيغة الماضي، والتسبيح لا يكون من الإنسان فقط، بل من السماوات والأرض، وهي خَلْق سابق للإنسان.

ثم يأتي بلفظ:
{  يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. }
[الجمعة: 1]

بصيغة المضارع؛ ليدل على أن تسبيح الله ليس في الماضي، بل ومستمر في المستقبل لا ينقطع. إذن: ما دام التسبيح والتنزيه ثابتاً لله تعالى قبل أن يخلق مَنْ يُنزِّهه، وثابتاً لله من جميع مخلوقاته في السماوات والأرض، فلا تكُنْ أيها الإنسان نشازاً في منظومة الكون، ولا تخرج عن هذا النشيد الكوني:
{  سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ }
[الأعلى: 1]

وقوله تعالى: { وَإِن مِّن شَيْءٍ.. } [الإسراء: 44]

أي: ما من شيء، كل ما يُقال له شيء. والشيء هو جنس الأجناس، فالمعنى أن كل ما في الوجود يُسبِّح بحمده تعالى.

وقد وقف العلماء أمام هذه الآية، وقالوا: أي تسبيح دلالة على عظمة التكوين، وهندسة البناء، وحكمة الخلق، وهذا يلفتنا إلى أن الله تعالى مُنزَّه ومُتعَالٍ وقادر، ولكنهم فهموا التسبيح على أنه تسبيح دلالة فقط؛ لأنهم لم يسمعوا هذا التسبيح ولم يفهموه.وقد أخرجنا الحق سبحانه وتعالى من هذه المسألة بقوله: { وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. } [الإسراء: 44]

إذن: يوجد تسبيح دلالة فعلاً، لكنه ليس هو المقصود، المقصود هنا التسبيح الحقيقي كُلّ بِلُغتِه.

فقوله تعالى: { وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. } [الإسراء: 44]

يدل على أنه تسبيح فوق تسبيح الدلالة الذين آمن بمقتضاه المؤمنون، إنه تسبيح حقيقيّ ذاتيّ ينشأ بلغة كل جنس من الأجناس، وإذا كنا لا نفقه هذا التسبيح، فقد قال تعالى:
{  كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ.. }
[النور: 41]

إذن: كل شيء في الوجود عَلِم كيف يُصلّي لله، وكيف يُسبِّح لله، وفي القرآن آياتٌ تدل بمقالها ورمزيتها على أن كل عَالَم في الوجود له لغة يتفاهم بها في ذاته، وقد يتسامى الجنس الأعلى ليفهم عن الجنس الأدنى لُغته، فكيف نستبعد وجود هذه اللغة لمجرد أننا لا نفهمها؟

وها هم الناس أنفسهم ولهم في الأداء القوليّ لغة يتفاهمون بها، ومع ذلك تختلف بينهم اللغات، ولا يفهم بعضهم بعضاً، فإذا ما تكلم الإنجليزي ـ مع أنه يتكلم بألفاظ العربي ـ ومع ذلك لا يفهمه؛ لأنه ما تعلَّم هذه اللغة.

واللغة ظاهرة اجتماعية، بمعنى أن الإنسان يحتاج للغة؛ لأنه في مجتمع يريد أن يتفاهم معه ليعطيه ما عنده من أفكار، ويسمع ما عنده من أفكار فلا بُدَّ من اللغة لنقل هذه الأفكار، ولو أن الإنسان وحده ما كان في حاجة إلى لغة؛ لأنه سيفعل ما يخطر بباله وتنتهي المسألة.

واللغة لا ترتبط بالدم أو الجنس أو البيئة؛ لأنك لو أتيتَ بطفل إنجليزي مثلاً، ووضعتَه في بيئة عربية سيتكلم العربية؛ لأن اللغة ظاهرة اجتماعية تعتمد على السمع والمحاكاة؛ لذلك إذا لم تسمع الأذن لا تستطيع أن تتكلم، ومن ذلك قوله تعالى:
{  صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.. }
[البقرة: 18]

فهم بُكْم لا يتكلمون؛ لأنهم صُمٌّ لم يسمعوا شيئاً، فإذا لم يسمع الإنسان اللفظ لا يستطيع أن يتحدثَ به؛ لأن ما تسمعه الأذن يحكيه اللسان.

إذن: بالسماع انتقلتْ اللغة، وكُلٌّ سمع من أبيه، ومن البيئة التي يعيش فيها، فإذا ما سلسلْتَ هذه المسألة ستصل إلى آدم ـ عليه السلام ـ وهنا يأتي السؤال: وممَّنْ سمع آدم اللغة التي تكلم بها؟

وقد حلَّ لنا القرآن الكريم هذه القضية في قوله تعالى:
{  وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا }
[البقرة: 31]

وأكثر من ذلك، فقد يتكلم العربي بنفس لغتك ولا تفهم عنه ما يقول، واللغة هي اللغة، كما حدث مع أبي علقمة النحوي، وكان يتقعَّر في كلامه ويأتي بألفاظ شاذة غير مشتهرة، وقد أتعب بذلك مَنْ حوله، وخاصة غلامه الذي ضاق به ذَرْعاً لكثرة ما سمع منه من هذا التقعر.

ويُروَي أنه في ذات ليلة قال أبو علقمة لغلامه: (أَصَقَعَتِ العَتَارِيفُ)؟ فردَّ عليه الغلام قائلاً: (زقْفَيْلَم).وكانت المرة الأولى التي يستفهم فيها أبو علقمة عن كلمة، فقال: يا بني وما (زقْفَيْلَم)؟ قال: وما (صقعت العتاريف)؟ قال: أردتُ: أصاحت الديكة؟ فقال الغلام: وأنا أردتُ لم تَصِحْ.

إذن: فكيف نستبعد أننا لا نعلم لغة المخلوقات الأخرى من حيوان ونبات وجماد؟ ألم يكْفِنا ما أخبرنا الله به من وجود لغة لجميع المخلوقات، وإنْ كنا لا نفهمها؛ لأننا نعتقد أن اللغة هي النطق باللسان فقط، ولكن اللغة أوسع من ذلك.

فهناك ـ مثلاً ـ لغة الإشارة، ولغة النظرات، ولغة التلغراف.

إذن: اللغة ليست اللسان فقط، بل هي استعداد لاصطلاح يُفْهم ويُتعارف عليه، فالخادم مثلاً يكفي أن ينظرَ إليه سيّده نظرة يفهم منها ما يريد، فهذه النظرة لَوْنٌ من ألوان الأداء.

والآن بدأنا نسمع عن قواميس يُسجّل بها لغات بعض الحيوانات لمعرفة ما تقول.

وقد أعطانا الحق تبارك وتعالى إشارات تدل على أن لكل عَالَم لغة يتفاهم بها، كما في قوله تعالى:
{  وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ.. }
[الأنبياء: 79]

فالجبال تُسبّح مع داود، وتُسبِح مع غيره، ولكن المراد هنا أنها تُسبّح معه ويوافق تسبيحها تسبيحه، وكأنهما في أنشودة جماعية منسجمة. إذن: فلا بُدَّ أن داود عليه السلام قد فَهِم عنها وفهمتْ عنه.

وكذلك النملة التي تكلمتْ أمام سليمان عليه السلام ففهم كلامها، وتبسَّم ضاحكاً من قولها. وقد علَّمه الله منطقَ الطير. إذن: لكل جنس من الأجناس منطق يُسبّح الله به، ولكن لا نفقه هذا التسبيح؛ لأنه تسبيح بلغة مُؤدِّية مُعبّرة يتفاهم بها مَنْ عرف التواضع عليها.

وقد جعل الحق سبحانه وتعالى تنزيهه مطلقاً ينقاد له الجميع، حتى الكافر ينقاد لتنزيه الله قَهْراً عنه، مع أن لديه ملكةَ الاختيار بين الكفر أو الإيمان، لكن أراد الحق سبحانه أن يكون تنزيهه مُطْلقاً من الجماد والنبات والحيوان، ومن المؤمن والكافر. كيف ذلك؟

أطلق الحق سبحانه على ذاته لفظ الجلالة (الله) فهو عَلَم على واجب الوجود، ثم تحدّى الكافرين أنْ يُسمُّوا أحداً بهذا الاسم، فقال:
{  هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً }
[مريم: 65]

ومع ما عندهم من إِلْفٍ بالمخالفة وعناد بالإلحاد، مع ذلك لم يجرؤ أحد منهم أنْ يُسمِّي ابناً له بهذا الاسم، ومعلوم أن التسمية أمر اختياريّ يطرأ على الجميع.

إذن: فهذا تنزيه لله تعالى، حتى من الكافر رَغْماً عنه، وهو دليل على عظمته سبحانه وجلاله، هذه العظمة وهذا الجلال الذي لم يجرؤ حتى الكافر على التشبُّه به؛ ذلك لأنهم في كفرهم غير مقتنعين بالكفر، ويخافون بطش الله وانتقامه إنْ أقدموا على هذا العمل، لذلك لا يجرؤ أحد منهم أنْ يُجرِّب في نفسه مثل هذه التسمية.

وفي مجال العبادات، فقد اختار الحق سبحانه لنفسه عبادة لا يشاركه فيها أحد، ولا يقدمها أحد لغيره تعالى؛ لأن الناس كثيرا ما يتقربون لأمثالهم من البشر بأعمال أشبه ما تكون بعبادة الله تعالى، فمنهم مَنْ ينحني خضوعاً لغيره؛ كأنه راكع أو ساجد، ومنهم مَنْ يمدح جباراً بأنه لا مثيلَ له، وتصل به المبالغة إلى جَعْله إلهاً في الأرض، ومنهم مَنْ يسجدُ للشمس كما فعل أهل سبأ وأخبر الهدهد عنهم بقوله:
{  وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ }
[النمل: 24]

ألسْنَا نرى إنساناً يتقرّب لأحد الحكام، بأن ينفق فيما يحبه هذا الحاكم، وكأنه يُخرِج زكاة ماله؟ ألسْنا نرى أحدهم يذهب كل يوم إلى قصر سيده، ويُوقّع في سجل التشريفات باسمه ليقدم بذلك فروض الولاء والطاعة؟

إذن: فالإيمان بالوحدانية في شيء متميز وارد عند الناس، والخضوع الزائد بالسجود أو بالركوع أو بالكلام وارد عند الناس.

لذلك تفرّد الحق سبحانه بفريضة الصوم، وجعلها خالصة له سبحانه، لا يتقرب بها أحد لأحد، وهل رأيت إنساناً يتقرّب لآخر بصوم؟ فانظر إلى هذه السُّبْحانية وهذا التنزيه في ذاته سبحانه، فلا يجرؤ أحد أنْ يتسمى باسمه.

وفي العبادة لا يُصَام لأحد غيره تعالى، فلو تصوَّرنا أن يقول واحد للآخر: أنا سأتقرّب إليك بصوم هذا اليوم أو هذا الشهر، إذن: أنت تريد منه أن يجلس بجوارك يحرسك ويراعي صومك، فكأنك تريد له العنت والمشقة من حيث تريد أنت أنْ تتقرّب إليه.

لذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي: " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ".

يعني من الممكن أن يتقرب بأيِّ ركن من أركان الإسلام لغيري، إلا الصوم، فلا يجرؤ أحد أنْ يتطوّع به أو يتقرب به لأحد.

إذن: فالسُّبحانية هي الدليل السائد الشامل الجامع لكل الخَلْق؛ لذلك نقول للكافر: أيها الكافر لقد تأبَّيْتَ على الإيمان بالله، وللعاصي: لقد تأبيتَ على أوامر الله، وما دُمْتُم قد تأبيتم على الله، وألفتم هذا التأبِّي وهذا التمرد، فلماذا لا تتأبون على المرض إنْ أصابكم، وعلى الموت إنْ طرق بابكم؟

لماذا لا تتمرد على ملك الموت وتقول له: لن أموت اليوم؟! إنها قاهرية الحق سبحانه وتعالى حتى على الكافر، فلا يستطيع أحد أن يخرج عليها أو يتمرد.

وكذلك العاصي حينما ينحرف عن الجادّة، وتمتد يده إلى مال غيره بالسرقة أو الاختلاس أو التعدِّي على المال العام، فإن الحق سبحانه يفتح عليه أبواباً للإنفاق تبتلع ما جمع من الحرام، وربما أخذت في طريقها الحلال أيضاً، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: " من جمع مالاً من مهاوش أذهبه الله في نهابر ".

فالتسبيح إذن لغة الكون كله، منه ما نفهمه، ومنه ما لا نفهمه، إلا مَنْ أطلعه الله عليه، فإذا مَنَّ الله على أحد وعلّمه لغة الطير أو الحيوان أو النبات أو الجماد، فهمها وفقه عنها، كما أنعم بهذه النعم على داود وسليمان عليهما السلام.ويقول سليمان ـ عليه السلام ـ شاكراً هذه النعمة:
{  رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ }
[النمل: 19]

فقول الحق سبحانه: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ.. } [الإسراء: 44]

يجب على العلماء أنْ ينقلوها من خاطر الدلالة إلى خاطر المقالة أيضاً، ولكنها مقالة، ولكنها مقالة بلغة يفهمها أصحابها إذا شاء الله لهم ذلك.

ثم يُذيّل الحق سبحانه هذه الآية بقوله: { إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً.. } [الإسراء: 44]

لأن الإنسانَ كثيراً ما يغفل الاستدلال بظواهر الكون وآياته دلالة الحال، فيقف على قدرة الله وبديع صُنْعه، وكذلك كثيراً ما يغفل عن تسبيح الله تسبيح المقالة؛ لذلك أخبر سبحانه أنه حليمٌ لا يعاجل الغافلين بالعقوبة، وغفور لمن تاب وأناب.

وهذا من رحمته سبحانه بعباده، فلولا أنْ يتداركَ الله العباد بهذه الرحمة لكان الإنسان سيد الكون أقلّ حظاً من الحيوان، ويكفي أن تتدبر قوله تعالى عن تسبيح المخلوقات له سبحانه:
{  أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ.. }
[الحج: 18]

فها هي جميع الأجناس من جماد ونبات وحيوان تسجد لله لا يتخلف منها شيء، فهي تسجد وتُسبّح بالإجماع، ولم ينقسم الأمر إلا في الإنسان السيّد المكرّم، ولكن لماذا الإنسان بالذات هو الذي يشذُّ عن منظومة التسبيح في الكون؟

نقول: لأنه المخلوق الوحيد الذي مَيَّزَهُ الله بالاختيار، وجعل له الحرية في أنْ يفعل أو لا يفعل، أما باقي المخلوقات فهي مُسخّرة مقهورة، فإن قال قائل: لماذا لم يجعل الحق سبحانه وتعالى الإنسان أيضاً مقهوراً كباقي المخلوقات؟

لقد جعل الله تعالى في الإنسان الاختيار لحكمة عالية، فالقهر يُثبتُ للحق سبحانه صفة القدرة على مخلوقه، فإذا قهره على شيء لا يشذ ولا يتخَلف، ولكنه لا يثبت صفة المحبوبية لله تعالى.

أما الاختيار فيثبت المحبوبية لله؛ لأنه خلقك مختاراً تؤمن أو تكفر، ومع ذلك اخترْتَ الإيمان حُباً في الله تعالى، وطاعة وخضوعاً، فأثبتَّ بذلك صفة المحبوبية.

وإياك أن تظن أن مَنْ يَعْصي الله يعصيه قهراً عن الله، بل بما ركَّب فيه من الاختيار، وقد يقول قائل: وما ذنب الإنسان أن يكون مختاراً من بين جميع المخلوقات؟

لو حققتَ هذه القضية منطقياً وفلسفياً لوجدتَ الكون كله كان مختاراً، وليس الإنسان فقط، لكن اختارت جميع المخلوقات أنْ تُسلِّم الأمر لله، وفضَّلتْ أن تكون مقهورة مسخرة من البداية، أما الإنسان ففضَّل الاختيار، وقال: سأعمل بحرص، وسأحمل الأمانة بإخلاص، وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى:
{  إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }
[الأحزاب: 72]

وفي رَفْض هذه المخلوقات لتحمُّل الأمانة والاختيار دليل على العلم الواسع؛ لأنه يوجد فَرْق كبير بين قبول الأمانة وقت التحمُّل ووقت الأداء. فقد تتحمل الأمانة وأنت واثق من أدائها، لكن يطرأ عليك وقت الأداء مَا يحول بينك وبين أداء الأمانة.

والأمانة كما هو معروف لا تُوثَّق ولا تُكتب، وكثيراً ما يقع فيها التلاعب؛ لأنها لا تثبتُ إلا بذمّّة الآخذ الذي قد يضعف عن الأداء وتُلجِئه الأحداث إلى هذا التلاعب أو الإنكار، والأحداث قد تكون أقوى من الرجال.

فالإنسان ـ إذن ـ لا يضمن نفسه وقت الأداء، وإنْ كان يضمنها وقت التحمُّل، ولهذا اختارت جميع المخلوقات أن تكون مقهورة مُسيَّرة، أما الإنسان فقال: لي عقل وأستطيع التصرُّف والترجيح بين البدائل، فكان بذلك ظالماً لنفسه؛ لأنه لا يضمنها وقت الأداء، وجهولاً بما يكون من تغيُّر أحواله.

فالكون ـ إذن ـ ليس مقهوراً رَغْماً عنه، بل بإرادته واختياره، وكذلك الإنسان ليس مختاراً رَغْماً عنه، بل بإرادته واختياره.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net