سورة
اية:

أُولَٰئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخاطباً للناس: { إنكم لذائقوا العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين، كما قال تعالى: { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً} وقال تعالى: { كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين} ولهذا قال جلَّ وعلا ههنا { إلا عباد اللّه المخلصين} أي ليسوا يذوقون العذاب الأليم، ولا يناقشون في الحساب، بل يتجاوز عن سيئاتهم إن كان لهم سيئات، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وقوله جلَّ وعلا { أولئك لهم رزق معلوم} قال السدي: يعني الجنة، ثم فسره بقوله تعالى: { فواكه} أي متنوعة { وهم مكرمون} أي يخدمون ويرفهون وينّعمون { في جنات النعيم على سرر متقابلين} ، قال مجاهد: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وقوله تعالى: { يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} كما قال تعالى: { لا يصدّعون عنها ولا ينزفون} نزّه اللّه سبحانه وتعالى خمر الجنة عن الآفات التي في خمر الدنيا، من صداع الرأس، ووجع البطن، وهو الغول وذهابها بالعقل جملة، فقال تعالى: { يطاف عليهم بكأس من معين} أي بخمر من أنهار جارية، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها، قال زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء، أي لونها مشرق حسن بهي، لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء، من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة، إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم، وقوله عزَّ وجلَّ: { لذة للشاربين} أي طعمها طيب كلونها، وطيب الطعم دليل على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك، وقوله تعالى: { لا فيها غول} يعني وجع البطن قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد كما تفعله خمر الدنيا، وقيل: المراد بالغول ههنا صداع الرأس، وروي عن ابن عباس، وقال قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن؛ وقال السدي: لا تغتال عقولهم، كما قال الشاعر: فما زالت الكأس تغتالنا ** وتذهب بالأول الأول. وقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها ولا أذى، والصحيح قول مجاهد: أنه وجع البطن، وقوله تعالى: { ولا هم عنها ينزفون} قال مجاهد: لا تذهب عقولهم وكذا قال ابن عباس والحسن وعطاء والسدي ، وقال ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول ، فذكر اللّه تعالى خمر الجنة، فنّزهها عن هذه الخصال، وقوله تعالى: { وعندهم قاصرات الطرف} أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن، كذا قال ابن عباس ومجاهد، وقوله تبارك وتعالى: { عين} أي حسان الأعين، وقيل ضخام الأعين، وهي النجلاء العيناء، فوصف عيونهن بالحسن والعفة، كقول زليخا في يوسف عليه السلام { ولقد روادته عن نفسه فاستعصم} أي هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي، وهكذا الحور العين { خيرات حسان} ولهذا قال عزَّ وجلَّ: { وعندهم قاصرات الطرف عين} . وقوله جلَّ جلاله: { كأنهن بيض مكنون} وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان، قال ابن عباس { كأنهن بيض مكنون} يقول: اللؤلؤ المكنون، وأنشد قول الشاعر: وهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ** ميزت من جوهر مكنون وقال الحسن: { كأنهن بيض مكنون} يعني مصون لم تمسه الأيدي، وقال سعيد بن جبير: { كأنهن بيض مكنون} يعني بطن البيض، وقال السدي { كأنهن بيض مكنون} يقول بياض البيض حين ينزع قشره، واختاره ابن جرير لقوله { مكنون} قال: والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش، وتنالها الأيدي بخلاف داخلها، وفي الحديث عن أنَس رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على اللّه عزَّ وجلَّ ولا فخر، يطوف علي ألف خادم كأنهن البيض المكنون - أو اللؤلؤ المكنون" "أخرجه ابن أبي حاتم وروى بعضه الترمذي".

تفسير الجلالين

{ أولئك لهم } في الجنة { رزق معلوم } بكرة وعشيا .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْق مَعْلُوم } يَقُول : هَؤُلَاءِ هُمْ عِبَاد اللَّه الْمُخْلَصُونَ لَهُمْ رِزْق مَعْلُوم ; وَذَلِكَ الرِّزْق الْمَعْلُوم : هُوَ الْفَوَاكِه الَّتِي خَلَقَهَا اللَّه لَهُمْ فِي الْجَنَّة , كَمَا : 22486 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْق مَعْلُوم } فِي الْجَنَّة . 22487 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَا : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْق مَعْلُوم } قَالَ : فِي الْجَنَّة . وَقَوْله : { أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْق مَعْلُوم } يَقُول : هَؤُلَاءِ هُمْ عِبَاد اللَّه الْمُخْلَصُونَ لَهُمْ رِزْق مَعْلُوم ; وَذَلِكَ الرِّزْق الْمَعْلُوم : هُوَ الْفَوَاكِه الَّتِي خَلَقَهَا اللَّه لَهُمْ فِي الْجَنَّة , كَمَا : 22486 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْق مَعْلُوم } فِي الْجَنَّة . 22487 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَا : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْق مَعْلُوم } قَالَ : فِي الْجَنَّة . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { أولئك لهم رزق معلوم} يعني المخلصين؛ أي لهم عطية معلومة لا تنقطع. قال قتادة : يعني الجنة. وقال غيره : يعني رزق الجنة. وقيل : هي الفواكه التي ذكر قال مقاتل : حين يشتهونه. وقال ابن السائب : إنه بمقدار الغداة والعشي؛ قال الله تعالى: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} { مريم : 62]. { فواكه} جمع فاكهة؛ قال الله تعالى: { وأمددناهم بفاكهة} [الطور : 22] وهي الثمار كلها رطبها ويابسها؛ قاله ابن عباس. { وهم مكرمون} أي ولهم إكرام من الله جل وعز برفع الدرجات وسماع كلامه ولقائه. { في جنات النعيم} أي في بساتين يتنعمون فيها. وقد تقدم أن الجنان سبع في سورة { يونس} منها النعيم. قوله تعالى: { على سرر متقابلين} قال عكرمة ومجاهد : لا ينظر بعضهم في قفا بعض تواصلا وتحاببا. وقيل : الأسرة تدور كيف شاءوا فلا يرى أحد قفا أحد. وقال ابن عباس : على سرر مكللة بالدر والياقوت والزبرجد؛ السرير ما بين صنعاء إلى الجابية، وما بين عدن إلى أيلة. وقيل : تدور بأهل المنزل الواحد. والله أعلم. { يطاف عليهم بكأس من معين} لما ذكر مطاعمهم ذكر شرابهم. والكأس عند أهل اللغة اسم شامل لكل إناء مع شرابه؛ فإن كان فارغا فليس بكأس. قال الضحاك والسدي : كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا إناء وقدح. النحاس : وحكى من يوثق به من أهل اللغة أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر : كأس؛ فإذا لم يكن فيه خمر فهو قدح؛ كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام : مائدة؛ فإذا لم يكن عليه طعام لم تقل له مائدة. قال أبو الحسن بن كيسان : ومنه ظعينة للهودج إذا كان فيه المرأة. وقال الزجاج: { بكأس من معين} أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض. والمعين : الماء الجاري الظاهر. { بيضاء} صفة للكأس. وقيل : للخمر. قال الحسن : خمر الجنة أشد بياضا من اللبن. وقيل: { بيضاء} أي لم يعتصرها الرجال بأقدامهم. { لذة للشاربين} { لذة} قال الزجاج : أي ذات لذة فحذف المضاف. وقيل : هو مصدر جعل اسما أي بيضاء لذيذة؛ يقال شراب لذ ولذيذ، مثل نبات غض وغضيض. فأما قول القائل : ولذ كطعم الصرخدي تركته ** بأرض العدا من خشية الحدثان فإنه يريد النوم. { لا فيها غول} أي لا تغتال عقولهم، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع. { ولا هم عنها ينزفون} أي لا تذهب عقولهم بشربها؛ يقال : الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس؛ أي تذهب بها. وقال : نزف الرجل ينزف فهو منزوف ونزيف إذا سكر. قال امرؤ القيس : وإذا هي تمشي كمشي النزيـ ** ـف يصرعه بالكثيــب البهر وقال أيضا : نزيف إذا قام لوجه تمايلـت ** تراشي الفؤاد الرخص ألا تخترا وقال آخر : فلثمت فاها آخذا بقرونها ** شرب النزيف ببرد ماء الحشرج وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي؛ من أنزف القوم إذا حان منهم النزف وهو السكر. يقال : أحصد الزرع إذا حان حصاده، وأقطف الكرم إذا حان قطافه، وأركب المهر إذا حان ركوبه. وقيل : المعنى لا ينفدون شرابهم؛ لأنه دأبهم؛ يقال : أنزف الرجل فهو منزوف إذا فنيت خمره. قال الحطيئة : لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ** لبئس الندامى كنتم آل أبجرا النحاس : والقراءة الأولى أبين وأصح في المعنى؛ لأن معنى { ينزفون} عند جلة أهل التفسير منهم مجاهد لا تذهب عقولهم؛ فنفى الله عز وجل عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع والسكر. ومعنى { ينزفون} الصحيح فيه أنه يقال : أنزف الرجل إذا نفد شرابه، وهو يبعد أن يوصف به شراب الجنة؛ ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفد أبدا. وقيل: { لا ينزفون} بكسر الزاي لا يسكرون؛ ذكره الزجاج وأبو علي على ما ذكره القشيري. المهدوي : ولا يكون معناه يسكرون؛ لأن قبله { لا فيها غول} . أي لا تغتال عقولهم فيكون تكرارا؛ ويسوغ ذلك في { الواقعة} . ويجوز أن يكون معنى { لا فيها غول} لا يمرضون؛ فيكون معنى { ولا هم عنها ينزفون} لا يسكرون أو لا ينفد شرابهم. قال قتادة الغول وجع البطن. وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد { لا فيها غول} قال لا فيها وجع بطن. الحسن : صداع. وهو قول ابن عباس { لا فيها غول} لا فيها صداع. وحكى الضحاك عنه أنه قال : في الخمر أربع خصال : السكر والصداع والقيء والبول؛ فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال. مجاهد : داء. ابن كيسان : مغص. وهذه الأقوال متقاربة. وقال الكلبي: { لا فيها غول} أي إثم؛ نظيره: { لا لغو فيها ولا تأثيم { الطور : 23]. وقال الشعبي والسدي وأبو عبيدة : لا تغتال عقولهم فتذهب بها. ومنه قول الشاعر : وما زالت الكأس تغتالنا ** وتذهب بالأول الأول أي تصرع واحدا واحدا. وإنما صرف الله تعالى السكر عن أهل الجنة لئلا ينقطع الالتذاذ عنهم بنعيمهم. وقال أهل المعاني : الغول فساد يلحق في خفاء. يقال : اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية. ومنه الغول والغيلة : وهو القتل خفية. قوله تعالى: { وعندهم قاصرات الطرف} أي نساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم؛ قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغيرهم. عكرمة: { قاصرات الطرف} أي محبوسات على أزواجهن. والتفسير الأول أبين؛ لأنه ليس في الآية مقصورات ولكن في موضع آخر { مقصورات} يأتي بيانه. و { قاصرات} مأخوذ من قولهم : قد اقتصر على كذا إذا اقتنع به وعدل عن غيره؛ قال امرؤ القيس : من القاصرات الطرف لو دب مُحول ** من الذر فوق الإتب منها لأثرا ويروى : فوق الخد. والأول أبلغ. والإتب القميص، والمحول الصغير من الذر. وقال مجاهد أيضا : معناه لا يغرن. { عين} عظام العيون الواحدة عيناء؛ وقال السدي. مجاهد { عين} حسان العيون. الحسن : الشديدات بياض العين، الشديدات سوادها. والأول أشهر في اللغة. يقال : رجل أعين واسع العين بيّن العين، والجمع عين. وأصله فعل بالضم فكسرت العين؛ لئلا تنقلب الواو ياء. ومنه قيل لبقر الوحش عين، والثور أعين، والبقرة عيناء. { كأنهن بيض مكنون} أي مصون. قال الحسن وابن زيد : شبهن ببيض النعام، تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار، فلونها أبيض في صفرة وهو حسن ألوان النساء. وقال ابن عباس وابن جبير والسدي : شبهن ببطن البيض قبل أن يقشر وتمسه الأيدي. وقال عطاء : شبهن بالسحاء الذي يكون بين القشرة العليا ولباب البيض. وسحاة كل شيء : قشره والجمع سحا؛ قاله الجوهري. ونحوه قول الطبري، قال : هو القشر الرقيق، الذي على البيضة بين ذلك. وروي نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. والعرب تشبه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها؛ قال امرؤ القيس : وبيضةِ خدر لا يرام خباؤها ** تمتعت من لهو بها غير معجَل وتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن والنظافة : كأنه بيض النعام المغطى بالريش. وقيل : المكنون المصون عن الكسر؛ أي إنهن عذارى. وقيل : المراد بالبيض اللؤلؤ؛ كقوله تعالى: { وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون} [الواقعة : 23] أي في أصدافه؛ قاله ابن عباس أيضا. ومنه قول الشاعر : وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغـ ** ـواص ميزت من جوهر مكنون وإنما ذكر المكنون والبيض جمع؛ لأنه رد النعت إلى اللفظ.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الصّافات الايات 19 - 47

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

سبق الحديث عن جزاء الكافرين، وهنا استثناء { إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } [الصافات: 40] فهم مُسْتَثْنون بعيدون من هذا المصير، وكلمة { ٱلْمُخْلَصِينَ } [الصافات: 40] جمع مخلَص بالفتح، فهي اسم مفعول. يعني: الذين أخلصهم الله واصطفاهم لطاعته وعبادته { أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ } [الصافات: 41] أي: في الآخرة لأن رزق الدنيا ليس معلوماً؛ لأنك تكدُّ وتتعب في الدنيا، وقد تُحرَم ثمرة هذا الكَدِّ، فالزراعة قد تبور، والتجارة قد تخسر.

إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير معلوم، أما في الآخرة فرزْقُكَ معلوم مُخصَّص لك لا يتخلف أبداً، ولا تحول دونه الأسباب؛ لأنك تعيشُ في الآخرة - كما قلنا - مع المسبِّب سبحانه.

وسبق أنْ عرّفنا الرزق وقلنا: إنه كلُّ ما يُنتفَعُ به، حتى ما يُؤخذ من الحرام يُعَدُّ رزقاً؛ لذلك قال تعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }
[البقرة: 172].

ثم ينتقل السياق إلى تفصيل ما أجمل في كلمة (رزق). وأهم رزق ينتفع به المرء هو القُوت الضروري الذي به قِوَام حياته، ثم التفكّه بما يُرفِّه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ذكر الترف الزائد على الضروريات { فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ } [الصافات: 42] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة والتَّرَفيات، مثل قوله سبحانه:
{  لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ }
[يس: 35].

إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، إنما يكون متعةً وتفكُّهاً بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام قد ضمن لك التفكُّه، فمن باب أوْلَى ضمن لك القُوتَ الضروري.

ومعنى { وَهُم مُّكْرَمُونَ } [الصافات: 42] أي: أنهم لا يُرْمَى لهم الأكل ليأكلوا، كما نرمي الحشيش للبهائم مثلاً، لا نقصد بذلك إكرامهم، إنما يُسَاق لهم هذا الرزق { وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ } [الصافات: 42-43] لأنه رِزْقُ المحبِّ لأحبابه.

وقوله تعالى: { عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [الصافات: 44] يعني: لا يكلِّفهم مشقة التزاور، فالسُّررُ التي يجلسون عليها متقابلةٌ، بحيث إنْ أردتَ أنْ تزورَ أخاً لك تجده أمامك، دون أن تنتقل إليه، فهذه مسألة مضمونة.

{ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ } [الصافات: 45]، وفي آية أخرى بيَّن سبحانه الذين يطوفون بهذه الكأس
{  يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ }
[الواقعة: 17-18].

الكأس يُرَاد بها الخمر أو القدح الذي يُوضَع فيه الخمر { مِّن مَّعِينٍ } [الصافات: 45] يعني: من شيء تراه بعينيك، أو من عيون تجري كما تجري عيون الماء. ثم يصف هذه الخمر بأنها (بيضاء) والبيضاء هي أصْفى أنواع الخمر عند العرب.

{ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ } [الصافات: 46] ولم يقُلْ لذيذة.إنما (لَذَّةٍ) أي: هي في ذاتها لذّة، وكأن اللذة تجسدتْ في هذه الكأس، كما تقول: فلان عادل. فإنْ أردتَ المبالغة في هذا الوصف قُلْتَ: فلان عَدْلٌ.

ووصف الخمر في الآخرة بأنها { لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ } [الصافات: 46] لِيُفرِّق بينها وبين خَمْر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما نراهم يشربونها في الأفلام لا تُشرَب للذة، لأنه يضع القليل منها في الكأس، ثم يصبُّها في فمه صَبّاً، ويتناولها على مَضَضٍ لكراهية طعمها.

لكن طالما أن خمر الدنيا لا لَذَّةَ في تعاطيها، فَلِمَ يشربونها؟ يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يُعَدُّ حارساً على الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس؛ لذلك فأجوَدُ أنواع الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تُغيِّبه عن وَعْيه، وتفعل به كذا وكذا.

أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسْب، خمر الآخرة لذَّة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفةً رشفةً على مهل لتتذوَّقَ حلاوتها، ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } [الصافات: 47] أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها.

{ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } [الصافات: 47] نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء بالتدريج إلى نهايته، ونزفَ الدمُ يعني: سَالَ من الجسم واحدة واحدة، إلى أنْ يموتَ الإنسان.

ومن أنواع الخمر ما يُسبِّب نَزْفاً لما في البطن، بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويُخرِج كلَّ ما في جَوْفه. أما خمر الآخرة فلا تُسبِّب هذا النزف.

أو: يكون المعنى { وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } [الصافات: 47] أي: لا تُستنزف عقولهم، ولا يَسْكَرون بسببها، كما تُسكِر خَمْر الدنيا.


www.alro7.net