سورة
اية:

بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { حم تنزيل من الرحمن الرحيم} يعني القرآن منزل من الرحمن الرحيم، كقوله: { قل نزله روح القدس من ربك بالحق} ، وقوله: { كتاب فصلت آياته} أي بينت معانيه وأحكمت أحكامه، { قرآناً عربياً} أي في حال كونه قرآناً عربياً بيناً واضحاً، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحة، كقوله تعالى: { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} أي هو معجز من حيث لفظه ومعناه، وقوله تعالى: { لقوم يعلمون} أي إنما يعرف هذا العلماء الراسخون { بشيراً ونذيراً} أي تارة يبشر المؤمنين، وتارة ينذر الكافرين، { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} أي أكثر قريش فهم لا يفهمون منه شيئاً مع بيانه ووضوحه، { وقالوا قلوبنا في أكنة} أي في غلف مغطاة، { مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر} أي صمم عما جئتنا به { ومن بيننا وبينك حجاب} فلا يصل إلينا شيء مما تقول، { فاعمل إننا عاملون} أي اعمل أنت على طريقتك ونحن على طريقتنا لا نتابعك، روى البغوي في تفسيره عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: اجتمعت قريش يوماً فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولننظر ماذا يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد: فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد اللّه؟ فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى يسمع قولك، إنا واللّه ما رأينا سِخَلَةً قط أشأم على قومك منك، فرّقت جماعتنا وشتّت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، واللّه ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف، حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحداً وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (فرغت؟) قال: نعم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: { بسم اللّه الرحمن الرحيم، حم تنزيل من الرحمن الرحيم - حتى بلغ - فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش واللّه ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك له إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فقال أبو جهل: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم محمداً أبداً، وقال: واللّه لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة، فأجابني بشيء واللّه ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب. وروى محمد بن إسحاق في كتاب السيرة عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيداً، قال يوماً وهو جالس في نادي قريش ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً، لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي اللّه عنه، ورأوا أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (قل يا أبا الوليد أسمع)، قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تسطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستمع منه قال: (أفرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم، قال: (فاستمع مني)، قال: أفعل، قال: { بسم اللّه الرحمن الرحيم، حم تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون، بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} ، ثم مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها وهو يقرؤها عليه، فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يستمع منه، حتى انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: (قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك)، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً واللّه ما سمعت مثله قط، واللّه ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة. يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فواللّه ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك واللّه يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. وهذا السياق أشبه من الذي قبله واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ بشيراً } صفة قرآناً { ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } سماع قبول .

تفسير الطبري

بَشِيرًا لَهُمْ يُبَشِّرهُمْ إِنْ هُمْ آمَنُوا بِهِ , وَعَمِلُوا بِمَا أَنْزَلَ فِيهِ مِنْ حُدُود اللَّه وَفَرَائِضه بِالْجَنَّةِ , { وَنَذِيرًا } يَقُول وَمُنْذِرًا مَنْ كَذَّبَ بِهِ وَلَمْ يَعْمَل بِمَا فِيهِ بِأَمْرِ اللَّه فِي عَاجِل الدُّنْيَا , وَخُلُود الْأَبَد فِي نَار جَهَنَّم فِي آجِل الْآخِرَة .بَشِيرًا لَهُمْ يُبَشِّرهُمْ إِنْ هُمْ آمَنُوا بِهِ , وَعَمِلُوا بِمَا أَنْزَلَ فِيهِ مِنْ حُدُود اللَّه وَفَرَائِضه بِالْجَنَّةِ , { وَنَذِيرًا } يَقُول وَمُنْذِرًا مَنْ كَذَّبَ بِهِ وَلَمْ يَعْمَل بِمَا فِيهِ بِأَمْرِ اللَّه فِي عَاجِل الدُّنْيَا , وَخُلُود الْأَبَد فِي نَار جَهَنَّم فِي آجِل الْآخِرَة .' وَقَوْله : { فَأَعْرَضَ أَكْثَرهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَاسْتَكْبَرَ عَنِ الْإِصْغَاء لَهُ وَتَدَبُّر مَا فِيهِ مِنْ حُجَج اللَّه , وَأَعْرَضَ عَنْهُ أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ أُنْزِلَ هَذَا الْقُرْآن بَشِيرًا لَهُمْ وَنَذِيرًا , وَهُمْ قَوْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .وَقَوْله : { فَأَعْرَضَ أَكْثَرهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَاسْتَكْبَرَ عَنِ الْإِصْغَاء لَهُ وَتَدَبُّر مَا فِيهِ مِنْ حُجَج اللَّه , وَأَعْرَضَ عَنْهُ أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ أُنْزِلَ هَذَا الْقُرْآن بَشِيرًا لَهُمْ وَنَذِيرًا , وَهُمْ قَوْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .' يَقُول : فَهُمْ لَا يُصْغُونَ لَهُ فَيَسْمَعُوهُ إِعْرَاضًا عَنْهُ وَاسْتِكْبَارًا .يَقُول : فَهُمْ لَا يُصْغُونَ لَهُ فَيَسْمَعُوهُ إِعْرَاضًا عَنْهُ وَاسْتِكْبَارًا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { حم، تنزيل من الرحمن الرحيم} قال الزجاج: { تنزيل} رفع بالابتداء وخبره { كتاب فصلت آياته} وهذا قول البصريين. وقال الفراء : يجوز أن يكون رفعه على إضمار هذا. ويجوز أن يقال: { كتاب} بدل من قوله: { تنزيل} . وقيل : نعت لقوله: { تنزيل} . وقيل: { حم} أي هذه { حم} كما تقول باب كذا، أي هو باب كذا فـ { حم} خبر ابتداء مضمر أي هو { حم} ، وقوله: { تنزيل} مبتدأ آخر، وقوله: { كتاب} خبره. { فصلت آياته} أي بينت وفسرت. قال قتادة : ببيان حلاله من حرامه، وطاعته من معصيته. الحسن : بالوعد والوعيد. سفيان : بالثواب والعقاب. وقرئ: { فصلت} أي فرقت بين الحق والباطل، أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها؛ من قولك فصل أي تباعد من البلد. { قرآنا عربيا} في نصبه وجوه؛ قال الأخفش : هو نصب على المدح. وقيل : على إضمار فعل؛ أي اذكر { قرآنا عربيا} . وقيل : على إعادة الفعل؛ أي فصلنا { قرآنا عربيا} . وقيل : على الحال أي { فصلت آياته} في حال كونه { قرآنا عربيا} . وقيل : لما شغل { فصلت} بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل انتصب { قرآنا} لوقوع البيان عليه. وقيل : على القطع. { لقوم يعلمون} قال الضحاك : أي إن القرآن منزل من عند الله. وقال مجاهد : أي يعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل. وقيل : يعلمون العربية فيعجزون عن مثله ولو كان غير عربي لما علموه. قلت : هذا أصح، والسورة نزلت تقريعا وتوبيخا لقريش في إعجاز القرآن. قوله تعالى: { بشيرا ونذيرا} حالان من الآيات والعامل فيه { فصلت} . وقيل : هما نعتان للقرآن { بشيرا} لأولياء الله { نذيرا} لأعدائه. وقرئ: { بشير ونذير} صفة للكتاب. أو خبر مبتدأ محذوف { فأعرض أكثرهم} يعني أهل مكة { فهم لا يسمعون} سماعا ينتفعون به. وروي أن الريان بن حرملة قال : قال الملأ من قريش وأبو جهل قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم آتانا ببيان من أمره؛ فقال عتبة بن ربيعة : والله لقد سمعت الكهانة والشعر والسحر، وعلمت من ذلك علما لا يخفى علي إن كان كذلك. فقالوا : إيته فحدثه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : يا محمد أنت خير أم قصي بن كلاب؟ أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبدالمطلب؟ أنت خير أم عبدالله؟ فبم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، وتسفه أحلامنا، وتذم ديننا؟ فإن كنت إنما تريد الرياسة عقدنا إليك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كنت تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ قال : (قد فرغت يا أبا الوليد)؟ قال : نعم. فقال : (يا ابن أخي اسمع) قال : أسمع. قال: { بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون} إلى قوله: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} [فصلت : 13] فوثب عتبة ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم، وناشده الله والرحم ليسكتن، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فجاءه أبو جهل؛ فقال : أصبوت إلى محمد؟ أم أعجبك طعامه؟ فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، ثم قال : والله لقد تعلمون أني من أكثر قريش مالا، ولكني لما قصصت عليه القصة أجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر؛ ثم تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله: { مثل صاعقة عاد وثمود} [فصلت : 13] وأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فوالله لقد خفت أن ينزل بكم العذاب؛ يعني الصاعقة. وقد ""روى هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد له عن محمد بن كعب القرظي"" وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: { حم. فصلت} حتى انتهى إلى السجدة فسجد وعتبة مصغ يستمع، قد اعتمد على يديه من وراء ظهره. فلما قطع رسول الله صلى الله علييه وسلم القراءة قال له : (يا أبا الوليد قد سمعت الذي قرأت عليك فأنت وذاك) فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها فقالوا : والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي مضى به من عندكم. ثم قالوا : ما وراءك أبا الوليد؟ قال : والله لقد سمعت كلاما من محمد ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة، فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي؛ خلوا محمدا وشأنه واعتزلوه، فوالله ليكونن لما سمعت من كلامه نبأ، فإن أصابته العرب كفيتموه بأيدي غيركم، وإن كان ملكا أو نبيا كنتم أسعد الناس به؛ لأن ملكه ملككم وشرفه شرفكم. فقالوا : هيهات سحرك محمد يا أبا الوليد. وقال : هذا رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم. قوله تعالى: { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} الأكنة جمع كنان وهو الغطاء. وقد مضى في { البقرة} . قال مجاهد : الكنان للقلب كالجنة للنبل. { وفي آذاننا وقر} أي صمم؛ فكلامك لا يدخل أسماعنا، وقلوبنا مستورة من فهمه. { ومن بيننا وبينك حجاب} أي خلاف في الدين، لأنهم يعبدون الأصنام وهو يعبد الله عز وجل. قال معناه الفراء وغيره. وقيل : ستر مانع عن الإجابة. وقيل : إن أبا جهل استغشى على رأسه ثوبا وقال : يا محمد بيننا وبينك حجاب. استهزاء منه. حكاه النقاش وذكره القشيري. فالحجاب هنا الثوب. { فاعمل إننا عاملون} أي اعمل في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك؛ قاله الكلبي. وقال مقاتل : اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها. وقيل : أعمل بما يقتضيه دينك، فإنا عاملون بما يقتضيه ديننا. ويحتمل خامسا : فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا؛ ذكره الماوردي.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فُصّلت الايات 1 - 6

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { بَشِيراً وَنَذِيراً.. } [فصلت: 4] هذا أول شيء في التفصيل، كما قلنا: فصَّل الحق والباطل، والحلال والحرام، هنا بشيراً ونذيراً { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } [فصلت: 4] إعراض الكثرة يدل على أن القلة هي التي آمنتْ وهي القلة المستضعفة، أما أكثرهم فكانوا أهل السيادة وأهل القوة الذين لم يقبلوا الدعوة الجديدة التي تسويهم بهؤلاء الضعفاء والعبيد.

لذلك سيدنا أبو بكر لما تولى الخلافة، وجاءه جماعة من هؤلاء الصناديد، وكان عنده جماعة من المستضعفين السابقين للإسلام أخّر الصناديد والكبراء حتى يفرغ ممَّنْ عنده فشقَّ ذلك عليهم، ووجدوا في أنفسهم شيئاً، كيف يُقدِّم أبو بكر عليهم العبيد والضعفاء، فقال الصِّدِّيق: ما بال هؤلاء؟ كلهم ورم أنفه أنْ قدَّمتْ عليه فلاناً وفلاناً، فما بالهم إذا قدَّمهم الله عليهم يوم القيامة في الجنة؟

لكن ما وجهة الإعراض في قوله تعالى: { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ.. } [فصلت: 4] قالوا: وجهة الإعراض أنهم يفهمون مطلوب الدين الجديد بقولهم: لا إله إلا الله.

وأن السيادة لن تكون إلا لهذه الكلمة، ولن تكون سيطرة إلا لهذه الكلمة، وأن العباد سيكونون سواء أمامها، إذن: كيف يقولون لا إله إلا الله، وهم يعرفون مطلوبها؟ لذلك لم يقولوها، ولو كانت مجرد كلمة تُقال لقالوها، لكنهم يعرفون معناها فوقفوا.

وقوله: { فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } [فصلت: 4] أي: لا يسمعون سماعاً نافعاً، وسماعاً واعياً مقبولاً، وإلا فقوله تعالى: { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ.. } [فصلت: 4] دلَّ على أنهم سمعوا دعوة رسول الله، سمعوها بالآذان فقط، ولم يستفيدوا بهذا السماع، لذلك قال تعالى فيهم:
{  وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً.. }
[محمد: 16].

لذلك يختلف الناس في تلقِّي القرآن، فواحد يسمع وينفعل ويسجد لعظمة القرآن، وآخر يسمع ويقول: ماذا قال!! على سبيل الاستهزاء والاستقلال. لأنه لا يسمع بأذن الاعتبار والتأمل، لماذا؟ لأن منافذ القلب من العقل مُضببة بالمطلوب الذي يطلبه الإيمان منهم، فقد ألفوا السيادة، فساعةَ يسمعون ما يعارض سيادتهم وسلطتهم الزمنية يعرضوا.

لذلك قلنا في قصة إسلام سيدنا عمر أنه لما سمع القرآن أولاً عاد وثار، لأنه قلبه لم يكُنْ مُعداً للاستقبال السليم، فلما لطم أخته وسال الدم منها رقَّ قلبه ولاَنَ، وزال عنه الضباب، فلما سمع القرآن تأثر به وانفعل به فآمن.


www.alro7.net