سورة
اية:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً على قدرته العظيمة، وأنه لا نظير له وأنه على ما يشاء قادر: { ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر} أي أنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يفتران، والشمس ونورها وإشراقها والقمر وضياءه وتقديره منازله في فلكه، واختلاف سيره في سمائه، ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار، والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول أوقات العبادات والمعاملات، ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره فقال: { لاتسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا للّه الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} أي ولا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به، ولهذا قال تعالى: { فإن استكبروا} أي عن إفراده العبادة له وأبوا إلا إن يشركوا معه غيره، { فالذين عند ربك} يعني الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} كقوله عزَّ وجلَّ: { فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} . وروى الحافظ أبو يعلى، عن جابر رضي اللّه عنهما قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:(لا تسبوا الليل ولا النهار ولا الشمس ولا القمر ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم وعذاباً لقوم) وقوله: { ومن آياته} أي على قدرته على إعادة الموتى { أنك ترى الأرض خاشعة} أي هامدة لا نبات فيها بل هي ميتة، { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} أي أخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار، { إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} .

تفسير الجلالين

{ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعةً } يابسة لا نبات فيها { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت } تحركت { وربت } انتفخت وعلت { إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاته أَنَّك تَرَى الْأَرْض خَاشِعَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ حُجَج اللَّه أَيْضًا وَأَدِلَّته عَلَى قُدْرَته عَلَى نَشْر الْمَوْتَى مِنْ بَعْد بِلَاهَا , وَإِعَادَتهَا لِهَيْئَتِهَا كَمَا كَانَتْ مِنْ بَعْد فَنَائِهَا أَنَّك يَا مُحَمَّد تَرَى الْأَرْض دَارِسَة غَبْرَاء , لَا نَبَات بِهَا وَلَا زَرْع , كَمَا : 23584 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَهُ : ثنا يَزِيد , قَالَهُ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمِنْ آيَاته أَنَّك تَرَى الْأَرْض خَاشِعَة } : أَيْ غَبْرَاء مُتَهَشِّمَة . 23585 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَمِنْ آيَاته أَنَّك تَرَى الْأَرْض خَاشِعَة } قَالَ : يَابِسَة مُتَهَمِّشَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاته أَنَّك تَرَى الْأَرْض خَاشِعَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ حُجَج اللَّه أَيْضًا وَأَدِلَّته عَلَى قُدْرَته عَلَى نَشْر الْمَوْتَى مِنْ بَعْد بِلَاهَا , وَإِعَادَتهَا لِهَيْئَتِهَا كَمَا كَانَتْ مِنْ بَعْد فَنَائِهَا أَنَّك يَا مُحَمَّد تَرَى الْأَرْض دَارِسَة غَبْرَاء , لَا نَبَات بِهَا وَلَا زَرْع , كَمَا : 23584 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَهُ : ثنا يَزِيد , قَالَهُ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمِنْ آيَاته أَنَّك تَرَى الْأَرْض خَاشِعَة } : أَيْ غَبْرَاء مُتَهَشِّمَة . 23585 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَمِنْ آيَاته أَنَّك تَرَى الْأَرْض خَاشِعَة } قَالَ : يَابِسَة مُتَهَمِّشَة . ' { فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِذَا أَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاء غَيْثًا عَلَى هَذِهِ الْأَرْض الْخَاشِعَة اهْتَزَّتْ بِالنَّبَاتِ . يَقُول : تَحَرَّكَتْ بِهِ , كَمَا : 23586 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { اهْتَزَّتْ } قَالَ : بِالنَّبَاتِ . { وَرَبَتْ } يَقُول : انْتَفَخَتْ , كَمَا : 23587 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , { وَرَبَتْ } انْتَفَخَتْ . 23588 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } يُعْرَف الْغَيْثُ فِي سَحْتهَا وَرَبْوهَا . 23589 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَرَبَتْ } لِلنَّبَاتِ , قَالَ : ارْتَفَعَتْ قَبْل أَنْ تُنْبِت . { فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِذَا أَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاء غَيْثًا عَلَى هَذِهِ الْأَرْض الْخَاشِعَة اهْتَزَّتْ بِالنَّبَاتِ . يَقُول : تَحَرَّكَتْ بِهِ , كَمَا : 23586 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { اهْتَزَّتْ } قَالَ : بِالنَّبَاتِ . { وَرَبَتْ } يَقُول : انْتَفَخَتْ , كَمَا : 23587 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , { وَرَبَتْ } انْتَفَخَتْ . 23588 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } يُعْرَف الْغَيْثُ فِي سَحْتهَا وَرَبْوهَا . 23589 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَرَبَتْ } لِلنَّبَاتِ , قَالَ : ارْتَفَعَتْ قَبْل أَنْ تُنْبِت . ' وَقَوْله : { إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِي أَحْيَا هَذِهِ الْأَرْض الدَّارِسَة فَأَخْرَجَ مِنْهَا النَّبَات , وَجَعَلَهَا تَهْتَزّ بِالزَّرْعِ مِنْ بَعْد يُبْسهَا وَدُثُورهَا بِالْمَطَرِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهَا لَقَادِرٌ أَنْ يُحْيِي أَمْوَات بَنِي آدَم مِنْ بَعْد مَمَاتهمْ بِالْمَاءِ الَّذِي يُنْزِل مِنَ السَّمَاء لِإِحْيَائِهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23590 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَالَ : كَمَا يُحْيِي الْأَرْض بِالْمَطَرِ , كَذَلِكَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِالْمَاءِ يَوْم الْقِيَامَة بَيْن النَّفْخَتَيْنِ . يَعْنِي بِذَلِكَ تَأْوِيل قَوْله : { إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى } . وَقَوْله : { إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِي أَحْيَا هَذِهِ الْأَرْض الدَّارِسَة فَأَخْرَجَ مِنْهَا النَّبَات , وَجَعَلَهَا تَهْتَزّ بِالزَّرْعِ مِنْ بَعْد يُبْسهَا وَدُثُورهَا بِالْمَطَرِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهَا لَقَادِرٌ أَنْ يُحْيِي أَمْوَات بَنِي آدَم مِنْ بَعْد مَمَاتهمْ بِالْمَاءِ الَّذِي يُنْزِل مِنَ السَّمَاء لِإِحْيَائِهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23590 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَالَ : كَمَا يُحْيِي الْأَرْض بِالْمَطَرِ , كَذَلِكَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِالْمَاءِ يَوْم الْقِيَامَة بَيْن النَّفْخَتَيْنِ . يَعْنِي بِذَلِكَ تَأْوِيل قَوْله : { إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى } . ' وَقَوْله : { إِنَّهُ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد عَلَى إِحْيَاء خَلْقه بَعْد مَمَاتهمْ وَعَلَى كُلّ مَا يَشَاء ذُو قُدْرَة لَا يُعْجِزهُ شَيْء أَرَادَهُ , وَلَا يَتَعَذَّر عَلَيْهِ فِعْل شَيْء شَاءَهُ .وَقَوْله : { إِنَّهُ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد عَلَى إِحْيَاء خَلْقه بَعْد مَمَاتهمْ وَعَلَى كُلّ مَا يَشَاء ذُو قُدْرَة لَا يُعْجِزهُ شَيْء أَرَادَهُ , وَلَا يَتَعَذَّر عَلَيْهِ فِعْل شَيْء شَاءَهُ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ومن آياته} علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته { الليل والنهار والشمس والقمر} وقد مضى في غير موضع. { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر} نهى عن السجود لهما؛ لأنهما وإن كانا خلقين فليس ذلك لفضيلة لهما في أنفسهما فيستحقان بها العبادة مع الله؛ لأن خالقهما هو الله ولو شاء لأعدمهما أو طمس نورهما. { واسجدوا لله الذي خلقهن} وصورهن وسخرهن؛ فالكناية ترجع إلى الشمس والقمر والليل والنهار. وقيل : للشمس والقمر خاصة؛ لأن الاثنين جمع. وقيل : الضمير عائد على معنى الآيات { إن كنتم إياه تعبدون} وإنما أنث على جمع التكثير ولم يجر على طريق التغليب للمذكر والمؤنث لأنه فيما لا يعقل. { فإن استكبروا} يعني الكفار عن السجود لله { فالذين عند ربك} من الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} أي لا يملون عبادته. قال زهير : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ** ثمانين حولا لا أبا لك يسأم مسألة : هذه الآية آية سجدة بلا خلاف؛ واختلفوا في موضع السجود منها. فقال مالك : موضعه { إن كنتم إياه تعبدون} ؛ لأنه متصل بالأمر. وكان علي وابن مسعود وغيرهم يسجدون عند قوله: { تعبدون} . وقال ابن وهب والشافعي : موضعه { وهم لا يسأمون} لأنه تمام الكلام وغاية العبادة والامتثال. وبه قال أبو حنيفة. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: { يسأمون} . وقال ابن عمر : اسجدوا بالآخرة منهما. وكذلك يروى عن مسروق وأبي عبدالرحمن السلمي وإبراهيم النخعي وأبي صالح ويحيى بن وثاب وطلحة وزبيد الياميين والحسن وابن سيرين. وكان أبو وائل وقتادة وبكر بن عبدالله يسجدون عند قوله: { يسأمون} . قال ابن العربي : والأمر قريب. مسألة : ذكر ابن خويز منداد : أن هذه الآية تضمنت صلاة كسوف القمر والشمس؛ وذلك أن العرب كانت تقول : إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت عظيم، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف. قلت : صلاة الكسوف ثابتة في الصحاح البخاري ومسلم وغيرهما. واختلفوا في كيفيتها اختلافا كثيرا، لاختلاف الآثار، وحسبك ما في صحيح مسلم من ذلك، وهو العمدة في الباب. والله الموفق للصواب. قوله تعالى: { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} الخطاب لكل عاقل أي { ومن آياته} الدالة على أنه يحيي الموتى { أنك ترى الأرض خاشعة} أي يابسة جدبة؛ هذا وصف الأرض بالخشوع؛ قال النابغة : رماد ككحل العين لأيا أبينه ** ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع والأرض الخاشعة؛ الغبراء التي تنبت. وبلدة خاشعة : أي مغبرة لا منزل بها. ومكان خاشع. { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت} أي بالنبات؛ قال مجاهد. يقال : اهتز الإنسان أي تحرك؛ ومنه : تراه كنصل السيف يهتز للندى ** إذا لم تجد عند امرئ السوء مطمعا { وربت} أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت؛ قال مجاهد. أي تصعدت عن النبات بعد موتها. وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم وتأخير وتقديره : ربت واهتزت. والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض؛ وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض؛ فربوها ارتفاعها. ويقال للموضع المرتفع : ربوة ورابية؛ فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولا وعرضا. وقرأ أبو جعفر وخالد { وربأت} ومعناه عظمت؛ من الربيئة. وقيل: { اهتزت} أي استبشرت بالمطر { وربت} أي انتفخت بالنبات. والأرض إذا انشقت بالنبات : وصفت بالضحك، فيجوز وصفها بالاستبشار أيضا. ويجوز أن يقال الربو والاهتزاز واحد؛ وهي حالة خروج النبات. وقد مضى هذا المعنى في { الحج} { إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} تقدم في غير موضع.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فُصّلت الايات 37 - 40

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ما يزال السياق القرآني يأخذنا إلى الآيات الكونية التي تثبت قدرة الخالق سبحانه { وَمِنْ آيَاتِهِ.. } [فصلت: 39] من هنا قلنا للتبعيض. يعني: هذه بعض آيات الله (آياته) أي: الكونية الدالة على قدرته تعالى، وهي الشيء العجيب الدالّ على بديع الصنعة { أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً.. } [فصلت: 39] أي: ساكنة مستقرة لا شيء عليها من زرع مثلاً، لأن الأرض خُلقت لتكون تربة للنبات، وكأنَّ الأرض التي لا زرعَ عليها أرضٌ حزينةَ خاشعة ساكتة ساكنة لأنها لم تنبت، وربما شابهت في ذلك المرأة التي لا تنجب.

{ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ.. } [فصلت: 39] اهتزَّتْ: تحركت (وَرَبَتْ) زادت وانتفشتْ، تروْنَ حبة الفول النابت مثلاً تكون جافة جامدة، فإذا بللتها بالماء زادتْ في الحجم وانتفشَتْ، والمراد: اهتزتْ وتحركت بما يخرج منها من نبات.

{ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا.. } [فصلت: 39] أي: أحيا هذه الأرض الساكنة بالنبات وحوَّلها إلى هذا البساط الأخضر النضر { لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ.. } [فصلت: 39] إذن: خُذْ من هذه الآية الحسّية المشاهدة لك دليلاً علَى صِدْق ما غاب عنك وأخبرك الله به من أمر إحياء الموتى، فيا مَنْ تكذِّب بالبعث وإحياء الموتى، أما لك عبرةٌ في إحياء الأرض القَفْر الجدباء بالنبات.

{ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [فصلت: 39] يعني: قدرة الله فيها طلاقة، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء، والذي خلق الخَلْق الأول من عدم أقدرُ على إعادته؛ لأن بعث الميت يبعث شيئاً موجوداً وهذا أهون لو قلنا تجاوزاً في حَقِّ الله تعالى هيِّن وأهون، لكي نفهم نحن، يقول تعالى:
{  أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ }
[ق: 15].

الحق سبحانه وتعالى أخبرنا عن كيفية خَلْق الإنسان والذي يعرف كيفية البناء يعرف منها كيفية الهدم، وقلنا: إنها عكس البناء، فما بُنِي أولاً يُهدم آخراً، وآخر شيء في البناء أول شيء في الهدم وهنا الروح.

ولا بدَّ أن نذكر هنا أن الحق سبحانه حذَّرنا من المضلين الذين يضلون الناس في مسألة الخَلْق. فقال: لا تُصدِّقوا مَنْ يخبركم بشيء في هذا الموضوع لأنه لم يشهد عملية الخَلْق:
{  مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً }
[الكهف: 51].

إذن: فكان الذين قالوا إن الإنسان أصله قرد جنودٌ لهذه الآية ودليل على صدقها، فالحق سبحانه يعلم ذلك ويتنبأ لنا به، وها هو يحدث فلا تُصدِّقوهم، إنهم كاذبون بدليل أن الإنسان عاش على هذه الأرض آلاف السنين لم يَرَ إنساناً تحوَّل إلى قرد، ولا قرداً تحوَّل إلى إنسان.

ولقد توصَّل العلم الحديث إلى صدق القرآن في مسألة خَلْق الإنسان من طين الأرض، حيث وجدوا أن عناصر تكوين الإنسان هي نفس عناصر تكوين الأرض، وهي ستة عشر عنصراً، وحين يموت الإنسان تتحلَّل هذه العناصر وتذوب في الأرض، فأجزاؤه موجودة يعلمها الله ويُحصيها وهو وحده القادر على إعادتها.واقرأ:
{  قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ }
[ق: 4] فالمسألة صعبة بالنسبة لك، لكنها سهلة هيِّنة على الخالق سبحانه، فهو عز وجل يعلم كم نقص منك من عناصر ومقدار هذه العناصر ونحن بنو البشر نختلف في أشكالنا وألواننا، لكن المادة واحدة هي الستة عشر عنصراً في الكل، لكن الجزاء تختلف، ونسبة هذه العناصر تختلف من إنسان لآخر، ولذلك تختلف شخصياتنا.

فقوله:
{  قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ.. }
[ق: 4] يعني: كم أخذتْ منك من الأكسوجين، وكم أخذت من الكربون، وكم أخذت من الحديد.. وهكذا فهي إذن مقادير معلومة في علم الله سبحانه وفي هذا الكتاب الحفيظ الذي يحفظ كل شيء بكل دقَّة، وحفيظ فعيل يعني: صيغة مبالغة من الحفظ. فلا تُكذِّب بالبعث، وخُذْ مما ترى دليلاً على صِدْق ما أخبرك ربُّك به من الغيبيات.

قلنا: لو أن إنساناً يزِنُ مائة كيلو مثلاً ثم مرض، فنزل وزنه إلى ستين، فكم فقد من وزنه؟ فقد أربعين، أين هي؟ نزلتْ فضلات إلى الأرض، نعم، ثم ذهب إلى الطبيب فعالجه وشفاه الله وبدأ يأكل حتى عاد إلى وزنه الأول.

هل أخذ نفس العناصر ذاتها التي فقدها؟ لا بل أخذ مثلها، مثل المريض مثلاً بنقص الحديد فيعطيه الطبيب دواء غنياً بالحديد حتى تعتدل عنده نسبة الحديد في الدم، إذن: أخذ نفس العناصر التي فقدها من عنصر الحديد، لكن ليستْ هي هي التي فقدها من قبل.


www.alro7.net