سورة
اية:

يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ

تفسير بن كثير

يقول المؤمن لقومه ممن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الجبار الأعلى فقال لهم: { يا قوم اتبعونِ أهدكم سبيل الرشاد} لا كما كذب فرعون في قوله: { وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} ، ثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروها على الأخرى، وصدتهم عن التصديق برسول اللّه موسى عليه الصلاة والسلام، فقال: { يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع} أي قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب وتضمحل، { وإن الآخرة هي دار القرار} أي الدار التي لا زوال ولا انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم، ولهذا قال جلت عظمته { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها} أي واحدة مثلها، { ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} أي لا يتقدر بجزاء، بل يثيبه اللّه عزَّ وجلَّ ثواباً كبيراً، لا انقضاء له ولا نفاذ.

تفسير الجلالين

{ يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع } تمتع يزول { وإن الآخرة هي دار القرار } .

تفسير الطبري

يَقُول : { إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا مَتَاع } يَقُول لِقَوْمِهِ : مَا هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا الْعَاجِلَة الَّتِي عُجِّلَتْ لَكُمْ فِي هَذِهِ الدَّار إِلَّا مَتَاع تَسْتَمْتِعُونَ بِهَا إِلَى أَجَل أَنْتُمْ بَالِغُوهُ , ثُمَّ تَمُوتُونَ وَتَزُول عَنْكُمْ { وَإِنَّ الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرَار } يَقُول : وَإِنَّ الدَّار الْآخِرَة , وَهِيَ دَار الْقَرَار الَّتِي تَسْتَقِرُّونَ فِيهَا فَلَا تَمُوتُونَ وَلَا تَزُول عَنْكُمْ , يَقُول : فَلَهَا فَاعْمَلُوا , وَإِيَّاهَا فَاطْلُبُوا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَإِنَّ الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرَار } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23409 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَإِنَّ الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرَار } اِسْتَقَرَّتْ الْجَنَّة بِأَهْلِهَا , وَاسْتَقَرَّتْ النَّار بِأَهْلِهَا. يَقُول : { إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا مَتَاع } يَقُول لِقَوْمِهِ : مَا هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا الْعَاجِلَة الَّتِي عُجِّلَتْ لَكُمْ فِي هَذِهِ الدَّار إِلَّا مَتَاع تَسْتَمْتِعُونَ بِهَا إِلَى أَجَل أَنْتُمْ بَالِغُوهُ , ثُمَّ تَمُوتُونَ وَتَزُول عَنْكُمْ { وَإِنَّ الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرَار } يَقُول : وَإِنَّ الدَّار الْآخِرَة , وَهِيَ دَار الْقَرَار الَّتِي تَسْتَقِرُّونَ فِيهَا فَلَا تَمُوتُونَ وَلَا تَزُول عَنْكُمْ , يَقُول : فَلَهَا فَاعْمَلُوا , وَإِيَّاهَا فَاطْلُبُوا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَإِنَّ الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرَار } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23409 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَإِنَّ الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرَار } اِسْتَقَرَّتْ الْجَنَّة بِأَهْلِهَا , وَاسْتَقَرَّتْ النَّار بِأَهْلِهَا. '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وقال الذي آمن ياقوم اتبعون} هذا من تمام ما قاله مؤمن آل فرعون؛ أي اقتدوا بي في الدين. { سبيل الرشاد} أي طريق الهدى وهو الجنة. وقيل : من قول موسى. وقرأ معاذ بن جبل { الرشاد} بتشديد الشين وهو لحن عند أكثر أهل العربية؛ لأنه إنما يقال أرشد يرشد ولا يكون فعال من أفعل إنما يكون من الثلاثي، فإن أردت التكثير من الرباعي قلت : مفعال. قال النحاس : يجوز أن يكون رشاد بمعنى يرشد لا على أنه مشتق منه، ولكن كما يقال لآل من اللؤلؤ فهو بمعناه وليس جاريا عليه. ويجوز أن يكون رشاد من رشد يرشد أي صاحب رشاد؛ كما قال : كليني لهم يا أميمة ناصب الزمخشري : وقرئ { الرشاد} فعال من رشد بالكسر كعلام أو من رشد بالفتح كعباد. وقيل : من أرشد كجبار من أجبر وليس بذاك؛ لأن فعالا من أفعل لم يجئ إلا في عدة أحرف؛ نحو دراك وسار وقصار وجبار. ولا يصح القياس على هذا القليل. ويجوز أن يكون نسبته إلى الرشد كعواج وبتات غير منظور فيه إلى فعل. ووقع في المصحف { اتبعون} بغير ياء. وقرأها يعقوب وابن كثير بالإثبات في الوصل والوقف. وحذفها أبو عمرو ونافع في الوقف وأثبتوها في الوصل، إلا ورشا حذفها في الحالين، وكذلك الباقون؛ لأنها وقعت في المصحف بغير ياء ومن أثبتها فعلى الأصل. قوله تعالى: { ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع} أي يتمتع بها قليلا ثم تنقطع وتزول. { وإن الآخرة هي دار القرار} أي الاستقرار والخلود. ومراده بالدار الآخرة الجنة والنار لأنهما لا يفنيان. بين ذلك بقوله: { من عمل سيئة} يعني الشرك { فلا يجزى إلا مثلها} وهو العذاب. { ومن عمل صالحا} قال ابن عباس : يعني لا إله إلا الله. { وهو مؤمن} مصدق بقلبه لله وللأنبياء. { فأولئك يدخلون الجنة} بضم الياء على ما لم يسم فاعله. وهي قراءة ابن كثير وابن محيصن وأبي عمرو ويعقوب وأبي بكر عن عاصم؛ يدل عليه { يرزقون فيها بغير حساب} الباقون { يدخلون} بفتح الياء. قوله تعالى: { وياقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة} أي إلى طريق الإيمان الموصل إلى الجنان { وتدعونني إلى النار} بين أن ما قال فرعون من قوله: { وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} [غافر : 29] سبيل الغي عاقبته النار وكانوا دعوه إلى اتباعه؛ ولهذا قال: { تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم} وهو فرعون { وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار} . { لا جرم} تقدم الكلام فيه، ومعناه حقا. { أنما تدعونني إليه} { ما} بمعنى الذي { ليس له دعوة} قال الزجاج : ليس له استجابة دعوة تنفع؛ وقال غيره : ليس له دعوة توجب له الألوهية { في الدنيا ولا في الآخرة} وقال الكلبي : ليس له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة. وكان فرعون أولا يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، ثم دعاهم إلى عبادة البقر، فكانت تعبد ما كانت شابة، فإذا هرمت أمر بذبحها، ثم دعا بأخرى لتعبد، ثم لما طال عليه الزمان قال أنا ربكم الأعلى. { وأن المسرفين هم أصحاب النار} قال قتادة وابن سيرين يعني المشركين. وقال مجاهد والشعبي : هم السفهاء والسفاكون للدماء بغير حقها. وقال عكرمة : الجبارون والمتكبرون. وقيل : هم الذي تعدوا حدود الله. وهذا جامع لما ذكر. و { أن} في المواضع في موضع نصب بإسقاط حرف الجر. وعلى ما حكاه سيبويه عن الخليل من أن { لا جرم} رد لكلام يجوز أن يكون موضع { أن} رفعا على تقدير وجب أن ما تدعونني إليه، كأنه قال : وجب بطلان ما تدعونني إليه، والمرد إلى الله، وكون المسرفين هم أصحاب النار. قوله تعالى: { فستذكرون ما أقول لكم} تهديد ووعيد. و { ما} يجوز أن تكون بمعنى الذي أي الذي أقوله لكم. ويجوز أن تكون مصدرية أي فستذكرون قولي لكم إذا حل بكم العذاب. { وأفوض أمري إلى الله} أي أتوكل عليه وأسلم أمري إليه. وقيل : هذا يدل على أنهم أرادوا قتله. وقال مقاتل : هرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه. وقد قيل : القائل موسى. والأظهر أنه مؤمن آل فرعون؛ وهو قول ابن عباس.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 35 - 50

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا قوْل الرجل المؤمن من آل فرعون يعظ قومه وكأنه نبيّ، فإنْ قُلْتَ: وماذا أسكته عن فرعون حتى وصل بضلاله إلى أنْ يدَّعي الألوهية؟ قالوا: هذه من ضمن قولنا إن للحق صَوْلة لكن لها وقتها المناسب، وساعةَ ينطق الحق على لسان هذا المؤمن فكأن الحق سبحانه هو الذي يتكلم، لذلك لم يعارضه أحدٌ لأن وارد الرحمن لا يُعارَض إنما يُعارض وارد البشر.

لذلك لما قال الحق سبحانه:
{  وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ }
[القصص: 7] لم تعارض هذا الرأي، ومَنْ يقول للمرأة: إنْ خافت على وليدها ألقيه في اليم؟ والله لو قالها أحدٌ غير الحق سبحانه لَعُورضت لكن قبلتها أم موسى ولن تعترض، لأن وارد الرحمن لا يُعارض ولا يُناقَش، وإلا لَكانَ لها أنْ تقول: أأنجيه من موت مظنون إلى موت مُحقَّق؟

إذن: لا عجبَ أنْ يقول الرجل المؤمن هذا الكلام على مَرْأىً ومَسْمع من فرعون، ومع ذلك لم يعارضه.

{ يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ } [غافر: 39] هذه تلفتنا إلى أن الإنسان في أحداث الحياة معه لا بُدَّ له أن يخدم غاية، ويُشترط في الغاية التي تخدم ألاَّ يكون بعدها غاية أخرى، فإنْ كان بعدها غايةٌ أخرى فليستْ بغاية، بل هي مرحلة مُوصَّلة للغاية، مثل الولد تعلمه ليأخذ الإعدادية مثلاً، فهل الإعدادية غاية؟ لا إنما هي مرحلة مُوصًّلة إلى مرحلة أخرى هي الثانوية، كذلك الثانوية مرحلة مُوصِّلة ما بعدها. فالشيء ما دام له بَعْد فليس بغاية، الغاية هي التي ليس لها بَعْد، لذلك يقول لهم الرجل المؤمن: إن الدنيا كلها بما فيها متاع مجرد متاع ليست غاية، إنما الغاية الحقيقية هي الآخرة.

والنظرة المتأملة ترى أن الإنسان له عمر مظنون في الكون غير مُحدَّد أبهمه الله، وجاء هذا الإبهام عين البيان وأرفع درجاته، لأنه سبحانه حين أبهمه في الزمان وفي المكان جعلنا نتوقعه وننتظره في كل لحظة وفي أيِّ مكان، لذلك قالوا: الموت سهمٌ أُرسِل إليك وهو في الطريق إليك بالفعل وعمرك بقدر سفره إليك.

وحين تتأمل الكون من حولك تجد الخالق سبحانه خلق لك كوناً منسجماً يخدمك، شمس وقمر ونجوم وهواء وماء ونبات.. الخ فانظر يا مَنْ خُلِقت له هذه الأكوان كيف تفنى أنت وتبقى هي، تموت أنت والشمس كما هي والقمر والنجوم والهواء والماء، لم يتغير في كون الله شيء، حتى الماء الذي نظنه ينقص هو في الكون كما هو منذ خلقه الله لا يزيد ولا ينقص.

فالماء الذي أخذته من الكون في حياتك خرج منك مرة أخرى في صورة عرق وفضلات، حتى النسبة التي تبقي فينا بعد الموت تخرج وتمتصّها الأرض، كذلك الماء في الوردة مثلاً وفي كل الكائنات، إذن: فالكون كله كذلك عبارة عن تغيُّرات في مُتحد.لكن أيُعقل أن يكون الخادمُ أطولَ عمراً من المخدوم، أموت وتبقى الشمس التي تخدمني والتي خُلِقت من أجلي؟ نعم لتعلم أنَّ خادمك أطول عمراً منك في الدنيا مع أَنك المكرَّم المخدوم، إذن: لا بدَّ أن لي عمراً آخر يناسب هذا التكريم، عمراً يبقى بعد فناء هذه المخلوقات حيث تنتهي الشمس والقمر والنجوم.. وأبقى أنا، وهذا لا يكون إلا في الآخرة
{  يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }
[إبراهيم: 48].

ولا بدَّ للمؤمن أن يقوم بهذا اليوم، وأنْ يؤمن به ليكون هو المكرّم حقاً وهو الأطول عمراً. حتى الموت نفسه يموت وتبقى أنت في الآخرة خالداً لا تفوتك النعمة ولا يدركك الموت.

لذلك يريد منا الحق سبحانه أن ننظر إلى هذه الغاية، لا أن ننظر تحت أقدامنا، ونعيش فقط للحظة التي نحن فيها، فالغاية الحقيقية لكل مؤمن هي الآخرة لأنها ليس لها بُعْد
{  وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }
[العنكبوت: 64] والحيوان مبالغة من الحياة. أي: الحياة الحقيقية.

وهنا يقول الرجل المؤمن: { يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ } [غافر: 39] أي: المستقر التي لا عدولَ عنها، ولا سُكْنى غيرها، ولا بُدَّ أن نعمل لها.


www.alro7.net