سورة
اية:

وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه، وافترائه في دعواه الإلهية لعنه اللّه، كما قال اللّه تعالى: { فاستخف قومه فأطاعوه} الآية، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم؛ ولهذا قال: { يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} ، وقال تعالى إخباراً عنه { فحشر فنادى . فقال أنا ربكم الأعلى} يعني أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مصرحاً لهم بذلك فأجابوه سامعين مطيعين، ولهذا انتقم اللّه تعالى منه فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك، فقال: { لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} ، وقوله: { فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى} يعني أمر وزيره هامان مدير رعيته أن يوقد له على الطين يعني يتخذ له آجرا لبناء الصرح، وهو القصر المنيف الرفيع العالي، كما قال في الآية الأخرى: { وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب . أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً} الآية. وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم ير في الدنيا بناء أعلى منه إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون، ولهذا قال: { وإني لأظنه من الكاذبين} أي في قوله إن ثَمَّ ربا غيري، لا أنه كذبه في أن اللّه تعالى أرسله لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع جل وعلا، فإنه قال: { وما رب العالمين} ؟ وقال: { وما رب العالمين} ؟ وقال: { لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} ، وقال: { يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} وهذا قول ابن جرير، وقوله تعالى: { واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} أي طغوا وتجبروا وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد، { فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد} ، ولهذا قال تعالى ههنا: { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} أي أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة فلم يبق منهم أحد، { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين . وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} أي لمن سلك وراءهم وأخذ بطريقهم في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع، { ويوم القيامة لا ينصرون} أي فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى: { أهلكناهم فلا ناصر لهم} ، وقوله تعالى: { وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} أي وشرع اللّه لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين لرسله كما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك، { ويوم القيامة هم من المقبوحين} قال قتادة: هذه الآية كقوله تعالى: { وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود} .

تفسير الجلالين

{ واستكبر هو وجنوده في الأرض } أرض مصر { بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرَجِعون } بالبناء للفاعل وللمفعول.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُوده فِي الْأَرْض بِغَيْرِ الْحَقّ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاسْتَكْبَرَ فِرْعَوْن وَجُنُوده فِي أَرْض مِصْر عَنْ تَصْدِيق مُوسَى , وَاتِّبَاعه عَلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَالْإِقْرَار بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ { بِغَيْرِ الْحَقّ } يَعْنِي تَعَدِّيًا وَعُتُوًّا عَلَى رَبّهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُوده فِي الْأَرْض بِغَيْرِ الْحَقّ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاسْتَكْبَرَ فِرْعَوْن وَجُنُوده فِي أَرْض مِصْر عَنْ تَصْدِيق مُوسَى , وَاتِّبَاعه عَلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَالْإِقْرَار بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ { بِغَيْرِ الْحَقّ } يَعْنِي تَعَدِّيًا وَعُتُوًّا عَلَى رَبّهمْ .' يَقُول : وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ بَعْد مَمَاتهمْ لَا يُبْعَثُونَ , وَلَا ثَوَاب , وَلَا عِقَاب , فَرَكِبُوا أَهْوَاءَهُمْ , وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ , وَأَنَّهُ لَهُمْ مُجَازٍ عَلَى أَعْمَالهمْ الْخَبِيثَة .يَقُول : وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ بَعْد مَمَاتهمْ لَا يُبْعَثُونَ , وَلَا ثَوَاب , وَلَا عِقَاب , فَرَكِبُوا أَهْوَاءَهُمْ , وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ , وَأَنَّهُ لَهُمْ مُجَازٍ عَلَى أَعْمَالهمْ الْخَبِيثَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات} أي ظاهرات واضحات { قالوا ما هذا إلا سحر مفترى} مكذوب مختلق { وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} أي في الأمم الماضية؛ قال ابن عباس. والباء في { بهذا} زائدة؛ أي ما سمعنا هذا كائنا في أبائنا الأولين، وقيل : إن هذه الآيات وما احتج به موسى في إثبات التوحيد من الحجج العقلية وقيل : هي معجزاته. قوله تعالى: { وقال موسى} قراءة العامة بالواو وقرأ مجاهد وابن كثير وابن محيصن { قال} بلا واو؛ وكذلك هو في مصحف أهل مكة { ربي أعلم بمن جاء بالهدى} أي بالرشاد. { من عنده} { ومن تكون له} قرأ الكوفيون إلا عاصما { يكون} بالياء والباقون بالتاء وقد تقدم هذا { عاقبة الدار} أي دار الجزاء { إنه} الهاء ضمير الأمر والشأن { لا يفلح الظالمون} . قوله تعالى: { وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} قال ابن عباس : كان بينها وبين قوله { أنا ربكم الأعلى} النازعات 24] أربعون سنة، وكذب عدو الله بل علم أن له ثم ربا هو خالقه وخالق قومه { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } الزخرف 87 . { فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى} أي أطبخ لي الآجر؛ عن ابن عباس رضي الله عنه وقال قتادة : هو أول من صنع الآجر وبنى به ولما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع هامان العمال - قيل خمسين ألف بناء سوى الأتباع والأجراء - وأمر بطبخ الآجر والجص، ونشر الخشب وضرب المسامير، فبنوا ورفعوا البناء وشيدوه بحيث لم يبلغه بنيان منذ خلق الله السموات والأرض، فكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه، حتى أراد الله أن يفتنهم فيه فحكى السدي : أن فرعون صعد السطح ورمى بنشابة نحو السماء، فرجعت متلطخة بدماء، فقال قد قتلت إله موسى فروي أن جبريل عليه السلام بعثه الله تعالى عند مقالته، فضرب الصرح بجناحه فقطعه ثلاث قطع؛ قطعة على عسكر فرعون قتلت منهم ألف ألف، وقطعة في البحر، وقطعة في الغرب، وهلك كل من عمل فيه شيئا والله أعلم بصحة ذلك. { وإني لأظنه من الكاذبين} الظن هنا شك، فكفر على الشك؛ لأنه قد رأى من البراهين ما لا يخيل على ذي فطرة. قوله تعالى: { واستكبر} أي تعظم { هو وجنوده} أي تعظموا عن الإيمان بموسى { بغير الحق} أي بالعدوان، أي لم تكن له حجة تدفع ما جاء به موسى { وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} أي توهموا أنه لا معاد ولا بعث. وقرأ نافع وابن محيصن وشيبة وحميد ويعقوب وحمزة والكسائي { لا يرجعون} بفتح الياء وكسر الجيم على أنه مسمى الفاعل الباقون { يرجعون} على الفعل المجهول وهو اختيار أبي عبيد، والأول اختيار أبي حاتم. { فأخذناه وجنوده} وكانوا ألفي ألف وستمائة ألف { فنبذناهم في اليم} أي طرحناهم في البحر المالح. قال قتادة : بحر من وراء مصر يقال له إساف أغرقهم الله فيه وقال وهب والسدي : المكان الذي أغرقهم الله فيه بناحية القلزم يقال له بطن مريرة، وهو إلى اليوم غضبان وقال مقاتل، يعني نهر النيل وهذا ضعيف والمشهور الأول. { فانظر} يا محمد { كيف كان عاقبة الظالمين} أي آخر أمرهم. قوله تعالى: { وجعلناهم أئمة} أي جعلناهم زعماء يتبعون على الكفر، فيكون عليهم وزرهم ووزر من اتبعهم حتى يكون عقابهم أكثر وقيل : جعل الله الملأ من قومه رؤساء السفلة منهم، فهم يدعون إلى جهنم وقيل : أئمة يأتم بهم ذوو العبر ويتعظ بهم أهل البصائر { يدعون إلى النار} أي إلى عمل أهل النار { ويوم القيامة لا ينصرون} . { وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} أي أمرنا العباد بلعنهم فمن ذكرهم لعنهم وقيل : أي ألزمناهم اللعن أي البعد عن الخير { ويوم القيامة هم من المقبوحين} أي من المهلكين الممقوتين قاله ابن كيسان وأبو عبيدة وقال ابن عباس : المشوهين الخلقة بسواد الوجوه وزرقة العيون وقيل : من المبعدين يقال : قبحه الله أي نحاه من كل خير، وقبَحَه وقبّحه إذا جعله قبيحا وقال أبو عمرو : قبحت وجهه بالتخفيف معناه قبحت قال الشاعر : ألا قبح الله البراجم كلها ** وقبح يربوعا وقبح دارما وانتصب يوما على الحمل على موضع { في هذه الدنيا} واستغنى عن حرف العطف في قوله { من المقبوحين} كما استغنى عنه في قوله { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} الكهف 22 ويجوز أن يكون العامل في { يوم} مضمرا يدل عليه قوله { هم من المقبوحين} فيكون كقوله { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين} الفرقان 22 ويجوز أن يكون العامل في { يوم} قوله { هم من المقبوحين} وإن كان الظرف متقدما ويجوز أن يكون مفعولا على السعة، كأنه قال : وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 38 - 43

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: تكبروا دون حق، وبغير مبررات للكِبْر، فليس لديهم هذه المبررات؛ لأن الإنسان يتكبَّر حين تكون عظمَته ذاتية فيه، أمّا العظمة المخلوقة لك من الغير فلا تتكبر بها، مَنْ يتكبر يتكبَّر بشيء ذاتي فيه، كما يقولون (اللي يخرز يخرز على وركه).

وكذلك في دواعي الكِبْر الأخرى: الغِنَى، القوة، الجاه، والسلطان... إلخ.

لذلك يكره الله تعالى المتكبرين، ويقول في الحديث القدسي: " الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما أدخلته جهنم ".

والكبرياء والعظمة صفة جلال وجمال لله تعالى تجعل الجميع أمام كبرياء الله سواء، فلا يتكبَّر أحد على أحد (ونرعى جميعاً مساوي) في ظل كبرياء الله الذي يحمي تواضعنا، فلو تكبَّر أحدنا على الآخر لتكبَّر بشيء موهوب له، ليس ذاتياً فيه؛ لذلك ينتصر الله لمن تكبَّرت عليه، ويجعله أعلى منك، وعندنا في الأرياف يقولون: (اللي يرمي أخاه بعيب لن يموت حتى يراه في نفسه).

والمتكبّر في الحقيقة ناقصُ الإيمان؛ لأنه لا يتكبَّر إلا حين يرى الناس جميعاً دونه، ولو أنه استحضر كبرياء خالقه لاستحيا أنْ يتكبَّر أمامه، وهكذا كان استكبار فرعون وجنوده في الأرض بغير حق.

أما إنْ كان الاستكبار من أجل حماية الضعيف ليعيش في ظلاله فهو استكبار بحق؛ لذلك نقول حين يصف الحق - تبارك وتعالى - نفسه بأنه العظيم المتكبّر نقول: هذا حق. لأنه حماية لنا جميعا من أنْ يتكبَّر بعضنا على بعض.

وقوله تعالى: { وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } [القصص: 39] فاستكبارهم في الأرض جاء نتيجة ظنهم بأنهم لن يرجعوا إلى الله، وأنه تعالى خلقهم ورزقهم، ثم تفلَّتوا منه، ولن يعودوا إليه، لكن هيهات، لا بُدَّ - كما نقول - لهم رَجْعة.


www.alro7.net