سورة
اية:

لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن المشركين أنهم يستعجلون أيضاً بوقوع العذاب بهم، تكذبياً وجحوداً وكفراً وعناداً فقال: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} ؟ قال اللّه تعالى: { لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم} أي لو تيقنوا أنها واقعة بهم لا محالة لما استعجلوا، ولو يعلمون حين يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} ، وقال في هذه الآية: { حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم} ، فالعذاب محيط بهم من جميع جهاتهم { ولا هم ينصرون} أي لا ناصر لهم، كما قال: { وما لهم من اللّه من واق} ، وقوله: { بل تأتيهم بغتة} أي تأتيهم النار بغتة أي فجأة، { فتبهتهم} أي تذعرهم فيستسلمون لها، حائرين لا يدرون ما يصنعون { فلا يستطيعون ردها} أي ليس لهم حيلة في ذلك، { ولا هم ينظرون} أي ولا يؤخر عنهم ذلك ساعة واحدة.

تفسير الجلالين

قال تعالى: { لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون } يدفعون { عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون } يمنعون منها في القيامة وجواب لو ما قالوا ذلك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَوْ يَعْلَم الَّذِينَ كَفَرُوا حِين لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوههمْ النَّار وَلَا عَنْ ظُهُورهمْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَوْ يَعْلَم هَؤُلَاءِ الْكُفَّار الْمُسْتَعْجِلُونَ عَذَاب رَبّهمْ مَاذَا لَهُمْ مِنْ الْبَلَاء حِين تَلْفَح وُجُوههمْ النَّار , وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ , فَلَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوههمْ النَّار الَّتِي تَلْفَحهَا , وَلَا عَنْ ظُهُورهمْ فَيَدْفَعُونَهَا عَنْهَا بِأَنْفُسِهِمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَوْ يَعْلَم الَّذِينَ كَفَرُوا حِين لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوههمْ النَّار وَلَا عَنْ ظُهُورهمْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَوْ يَعْلَم هَؤُلَاءِ الْكُفَّار الْمُسْتَعْجِلُونَ عَذَاب رَبّهمْ مَاذَا لَهُمْ مِنْ الْبَلَاء حِين تَلْفَح وُجُوههمْ النَّار , وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ , فَلَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوههمْ النَّار الَّتِي تَلْفَحهَا , وَلَا عَنْ ظُهُورهمْ فَيَدْفَعُونَهَا عَنْهَا بِأَنْفُسِهِمْ .' يَقُول : وَلَا لَهُمْ نَاصِر يَنْصُرهُمْ , فَيَسْتَنْقِذهُمْ حِينَئِذٍ مِنْ عَذَاب اللَّه لَمَّا أَقَامُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ , وَلَسَارَعُوا إِلَى التَّوْبَة مِنْهُ وَالْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَلَمَا اِسْتَعْجَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ الْبَلَاء .يَقُول : وَلَا لَهُمْ نَاصِر يَنْصُرهُمْ , فَيَسْتَنْقِذهُمْ حِينَئِذٍ مِنْ عَذَاب اللَّه لَمَّا أَقَامُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ , وَلَسَارَعُوا إِلَى التَّوْبَة مِنْهُ وَالْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَلَمَا اِسْتَعْجَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ الْبَلَاء .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { خلق الإنسان من عجل} أي ركب على العجلة فخلق عجولا؛ كما قال الله تعالى { الله الذي خلقكم من ضعف} [الروم : 54] أي خلق الإنسان ضعيفا. ويقال : خلق الإنسان من الشر أي شريرا إذا بالغت في وصفه به. ويقال : إنما أنت ذهاب ومجيء. أي ذاهب جائي. أي طبع الإنسان العجلة، فيستعجل كثيرا من الأشياء وإن كانت مضرة. ثم قيل : المراد بالإنسان آدم عليه السلام. قال سعيد بن جبير والسدي : لما دخل الروح في عيني آدم عليه السلام نظر في ثمار الجنة، فلما دخل جوفه اشتهى الطعام، فوثب من قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة. فذلك قوله { خلق الإنسان من عجل} . وقيل خلق آدم يوم الجمعة. في آخر النهار، فلما أحيا الله رأسه استعجل، وطلب تتميم نفخ الروح فيه قبل غروب الشمس؛ قاله الكلبي ومجاهد وغيرهما. وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني : العجل الطين بلغة حمير. وأنشدوا : والنخل ينبت بين الماء والعجل وقيل : المراد بالإنسان الناس كلهم. وقيل المراد : النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار في تفسير ابن عباس؛ أي لا ينبغي لمن خلق من الطين الحقير أن يستهزئ بآيات الله ورسله. وقيل : إنه من المقلوب؛ أي خلق العجل من الإنسان. وهو مذهب أبي عبيدة. النحاس : وهذا القول لا ينبغي أن يجاب به في كتاب الله؛ لأن القلب إنما يقع في الشعر اضطرارا كما قال : كان الزناء فريضة الرجم ونظيره هذه الآية { وكان الإنسان عجولا} [الإسراء : 11] وقد مضى في { سبحان} [الإسراء : 1]. { سأريكم آياتي فلا تستعجلون} هذا يقوي القول الأول، وأن طبع الإنسان العجلة، وأنه خلق خلقا لا يتمالك، كما قال عليه السلام حسب ما تقدم في [الإسراء]. والمراد بالآيات ما دل على صدق محمد عليه السلام من المعجزات، وما جعله له. العاقبة المحمودة. وقيل : ما طلبوه من العذاب، فأرادوا الاستعجال وقالوا { متى هذا الوعد} [يونس : 48]؟ وما علموا أن لكل شيء أجلا مضروبا. نزلت في النضر بن الحرث. وقول { إن كان هذا هو الحق} [الأنفال : 32]. وقال الأخفش وسعيد : معنى { خلق الإنسان من عجل} أي قيل له كن فكان، فمعنى { فلا تستعجلون} على هذا القول أنه من يقول للشيء كن فيكون، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات. { ويقولون متى هذا الوعد} أي الموعود، كما يقال : الله رجاؤنا أي مرجونا. وقيل : معنى { الوعد} هنا الوعيد، أي الذي يعدنا من العذاب. وقيل : القيامة. { إن كنتم صادقين} يا معشر المؤمنين. قوله تعالى { لو يعلم الذين كفروا} العلم هنا بمعنى المعرفة فلا يقتضي مفعولا ثانيا مثل { لا تعلمونهم الله يعلمهم} [الأنفال : 60]. وجواب { لو} محذوف، أي لو علموا الوقت الذي { لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون} وعرفوه لما استعجلوا الوعيد. وقال الزجاج : أي لعلموا صدق الوعد. وقيل : المعنى لو علموه لما أقاموا على الكفر ولآمنوا. وقال الكسائي : هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة، أي لو علموه علم يقين لعلموا أن الساعة آتية. ودل عليه { بل تأتيهم بغتة} أي فجأة يعني القيامة. وقيل : العقوبة. وقيل : النار فلا يتمكنون حيلة { فتبهتهم} قال الجوهري : بهته بهتا أخذه بغتة، قال الله تعالى { بل تأتيهم بغتة فتهتهم} وقال الفراء { فتبهتهم} أي تحيرهم، يقال : بهته يبهته إذا واجهه بشيء يحيره. وقيل : فتفجأهم. { فلا يستطيعون ردها} أي صرفها عن ظهورهم. { ولا هم ينظرون} أي لا يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 32 - 43

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: لو يعلمون ما يحدث لهم في هذا الوقت حين لا يستطيعون دَفْع النار عن وجوههم، وذَكر الوجه بالذات لأنه أشرف أعضاء الإنسان وأكرمها؛ لذلك إذا أصابك أذىً في وجهك تحرص على إزالته بيدك، وأنت لم تفعل أكثر من أنك نقلْتَ الأذى من وجهك إلى يدك، لماذا؟ لأن الوجه عزيز عليك، لا تقبل إهانته، ولا تتحمَّل عليه أيَّ سوء.

فقوله تعالى: { لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ... } [الأنبياء: 39] دلاَلة على إهانتهم { وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ... } [الأنبياء: 39] لأنها تأتيهم من كل مكان: { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ.. } [الأنبياء: 39] أي: لا يجدون مَنْ ينقذهم، أو يأخذ بأيديهم ويدفع عنهم.

حتى الشيطان الذي أغواهم في الدنيا سيتبرّأ منهم يوم القيامة، ويقول:
{  مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ }
[إبراهيم: 22] وأصرخه: أزال سبب صراخه، والهمزة في أصرخه تسمى همزة إزالة، تقول: صرخ فلان إذا وقع عليه ما هو فوق طاقته واحتماله، فيصرخ صرخةً يستدعي بها مَنْ يغيثه ويُعينه، فإنْ أجابه وأزال ما هو فيه فقد أصرخه، يعني: أزال سبب صراخه. فالمعنى: لا أدافع عنكم، ولا تدافعون عني، ولا أنقذكم من العذاب، ولاتنقذونني.

وفي موضع آخر:
{  كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ }
[الحشر: 16] فحظُّ الشيطان أنْ يُوقِعك في المعصية، ثم يتبرأ منك.

فما جواب (لو) هنا؟ المعنى: لو يعلم الذين كفروا الوقت الذي لا يكفُّون فيه النار عن وجوههم، ولا عن ظهورهم ولا يُنصرون لكفّوا عما يُؤدِّي بهم إلى ذلك، وانتهَوْت عن أسبابه.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ... }.


www.alro7.net