سورة
اية:

ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس، { ولا تجعل مع اللّه إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما} أي تلومك نفسك، ويلومك اللّه والخلق { مدحورا} : أي مبعداً من كل خير، قال ابن عباس وقتادة: مطروداً، والمراد من هذا الخطاب الأمة بواسطة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فإنه صلوات اللّه وسلامه عليه معصوم.

تفسير الجلالين

{ ذلك مما أوحى إليك } يا محمد { ربك من الحكمة } الموعظة { ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا } مطرودا من رحمة الله .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْك رَبّك مِنْ الْحِكْمَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا الَّذِي بَيَّنَّا لَك يَا مُحَمَّد مِنْ الْأَخْلَاق الْجَمِيلَة الَّتِي أَمَرْنَاك بِجَمِيلِهَا , وَنَهَيْنَاك عَنْ قَبِيحهَا { مِمَّا أَوْحَى إِلَيْك رَبّك مِنْ الْحِكْمَة } يَقُول : مِنْ الْحِكْمَة الَّتِي أَوْحَيْنَاهَا إِلَيْك فِي كِتَابنَا هَذَا , كَمَا : 16843 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { ذَلِكَ مَا أَوْحَى إِلَيْك رَبّك مِنْ الْحِكْمَة } قَالَ : الْقُرْآن . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْحِكْمَة فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْك رَبّك مِنْ الْحِكْمَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا الَّذِي بَيَّنَّا لَك يَا مُحَمَّد مِنْ الْأَخْلَاق الْجَمِيلَة الَّتِي أَمَرْنَاك بِجَمِيلِهَا , وَنَهَيْنَاك عَنْ قَبِيحهَا { مِمَّا أَوْحَى إِلَيْك رَبّك مِنْ الْحِكْمَة } يَقُول : مِنْ الْحِكْمَة الَّتِي أَوْحَيْنَاهَا إِلَيْك فِي كِتَابنَا هَذَا , كَمَا : 16843 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { ذَلِكَ مَا أَوْحَى إِلَيْك رَبّك مِنْ الْحِكْمَة } قَالَ : الْقُرْآن . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْحِكْمَة فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .' يَقُول : وَلَا تَجْعَل مَعَ اللَّه شَرِيكًا فِي عِبَادَتك , فَتُلْقَى فِي جَهَنَّم مَلُومًا تَلُومك نَفْسك وَعَارِفُوك مِنْ النَّاس { مَدْحُورًا } يَقُول : مُبْعَدًا مَقْصِيًّا فِي النَّار , وَلَكِنْ أَخْلِصْ الْعِبَادَة لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار , فَتَنْجُو مِنْ عَذَابه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله { مَلُومًا مَدْحُورًا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16844 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { مَلُومًا مَدْحُورًا } يَقُول : مَطْرُودًا . 16845 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { مَلُومًا مَدْحُورًا } قَالَ : مَلُومًا فِي عِبَادَة اللَّه , مَدْحُورًا فِي النَّار . يَقُول : وَلَا تَجْعَل مَعَ اللَّه شَرِيكًا فِي عِبَادَتك , فَتُلْقَى فِي جَهَنَّم مَلُومًا تَلُومك نَفْسك وَعَارِفُوك مِنْ النَّاس { مَدْحُورًا } يَقُول : مُبْعَدًا مَقْصِيًّا فِي النَّار , وَلَكِنْ أَخْلِصْ الْعِبَادَة لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار , فَتَنْجُو مِنْ عَذَابه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله { مَلُومًا مَدْحُورًا } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16844 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { مَلُومًا مَدْحُورًا } يَقُول : مَطْرُودًا . 16845 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { مَلُومًا مَدْحُورًا } قَالَ : مَلُومًا فِي عِبَادَة اللَّه , مَدْحُورًا فِي النَّار . '

تفسير القرطبي

الإشارة بـ { ذلك} إلى هذه الآداب والقصص والأحكام التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة التي نزل بها جبريل عليه السلام. أي هذه من الأفعال المحكمة التي تقتضيها حكمة الله عز وجل في عباده، وخلقها لهم من محاسن الأخلاق والحكمة وقوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة. ثم عطف قوله { ولا تجعل} على ما تقدم من النواهي. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم المراد كل من سمع الآية من البشر. والمدحور : المهان المبعد المقصى. وقد تقدم في هذه السورة. ويقال في الدعاء : اللهم ادحر عنا الشيطان؛ أي أبعده.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الاسراء الايات 36 - 44

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ ذَلِكَ } أي: ما تقدّم من الوصايا.

{ ٱلْحِكْمَةِ } هي: وَضعْ الشيء في مَوْضِعه المؤدّي للغاية منه، لِتظلَّ الحكمة سائدة في المجتمع تحفظه من الخلل والحمْق والسَّفَه والفساد.

وقوله: { وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ.. } [الإسراء: 39]

لسائل أنْ يسأل: لماذا كرَّر هذا النهي، وقد سبق أنْ ذُكِر في استهلال المجموعة السابقة من الوصايا؟

الحق سبحانه وتعالى وضع لنا المنهج السليم الذي يُنظِّم حياة المجتمع، وقد بدأه بأن الإله واحد لا شريكَ له، ثم عدّل نظام المجتمع كله بطبقاته وطوائفه وأَرْسى قواعد الطُّهْر والعِفّة ليحفظ سلامة النسل، ودعا إلى تواضع الكُلِّ للكُلِّ.

فالحصيلة النهائية لهذه الوصايا أنْ يستقيم المجتمع، ويسعد أفراده بفضل هذا المنهج الإلهي.

إذن: فإياك أنْ تجعلَ معه إلهاً آخر، وكرَّر الحق سبحانه هذا النهي: { وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ.. } [الإسراء: 39]

لأنه قد يأتي على الناس وقتٌ يُحْسنون الظن بعقول بعض المفكرين، فيأخذون بأقوالهم ويسيرون على مناهجهم، ويُفضّلونها على منهج الحق تبارك وتعالى، فيفتنون الناس عن قضايا دينهم الحق إلى قضايا أخرى يُوهِمون الناس أنها أفضل مما جاء به الدين.

إذن: لا يكفي أن تؤمن أولاً، ولكن احذر أنْ يُزحزك أحد عن دينك فلا تجعل مع الله إلهاً آخر يفتنك عن دينك، فتكون النتيجة: { فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً } [الإسراء: 39] { مَلُوماً }: لأنك أتيتَ بما تُلاَم عليه، { مَّدْحُوراً }: أي: مطرود مُبْعَداً من رحمة الله، وهذا الجزاء في الآخرة.

أما الذي لا يؤمن بها، فلا بُدَّ لكي نستطيع العيش معه في الدنيا، أن يُذيقه الله بعض العذاب، ويُعجِّله له في الدنيا قبل عذاب الآخرة، كما قال تعالى:
{  فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً.. }
[طه: 123-124] أي: في الدنيا.

وقد ذكر الحق سبحانه وتعالى في قصة ذي القرنين:
{  حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً }
[الكهف: 86-87]

فقوله:
{  فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ.. }
[الكهف: 87] لأنه مُمكَّن في الأرض، ومَنُوط به حِفْظ ميزان الحياة واستقامتها، حتى عند الذين لا يُؤمنون بالآخرة، وإلا فلو أخَّرْنا العذاب عن هؤلاء إلى الآخرة لأفسدوا على الناس حياتهم، وعاثوا في الأرض يُعربِدون ويُفسِدون.

ولذلك لا يموت ظلوم في الكون حتى ينتقمَ الله منه، ويذيقه عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة، ولا بُدَّ أنْ يراه المظلوم ليعلم أن عاقبة الظلم وخيمة، في حين أن المظلوم في رعاية الله وتأييده ينصره بما يشاء من نعمه وفضله، حتى أن الظالم لو علم بما أعدَّه الله للمظلوم لَضَنَّ عليه بالظلم.

ثم يقول الحق سبحانه: { أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً... }.


www.alro7.net