سورة
اية:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم} قبل هؤلاء المكذبين { من قرن هم أشد منهم بطشاً} أي كانوا أكثر منهم وأشد قوة، ولهذا قال تعالى: { فنقبوا في البلاد هل من محيص} ، قال مجاهد: { فنقبوا في البلاد} ضربوا في الأرض، وقال قتادة: فساروا في البلاد أي ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب. ويقال لمن طوف في البلاد، نقب فيها، وقوله تعالى: { هل من محيص} أي هل من مفر لهم من قضاء اللّه وقدره؟ وهل نفعهم ما جمعوه لما كذبوا الرسل؟ فأنتم أيضاً لامفر لكم ولا محيد، وقوله عزَّ وجلَّ: { إن في ذلك لذكرى} أي لعبرة { لمن كان له قلب} أي لب يعي به، وقال مجاهد: عقل، { أو ألقى السمع وهو شهيد} أي استمع الكلام فوعاه، وتعقله بعقله وتفهمه بلبه، وقال الضحّاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه إذ استمع بأذنيه وهو شاهد بقلب غير غائب، وقوله سبحانه وتعالى: { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} فيه تقرير للمعاد، لأن من قدر على خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن، قادر على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى. وقال قتادة: قالت اليهود - عليهم لعائن اللّه - خلق اللّه السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة فأنزل اللّه تعالى تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه: { وما مسنا من لغوب} أي من إعياء ولا تعب ولا نصب، كما قال تعالى: { أولم يروا أن اللّه الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه على كل شيء قدير} وكما قال عزَّ وجلَّ: { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} وقال تعالى: { أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها} ؟ وقوله عزَّ وجلَّ: { فاصبر على ما يقولون} يعني المكذبين اصبر عليهم واهجرهم هجراً جميلاً { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} ، وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتان قبل طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجباً على النبي صلى اللّه عليه وسلم وعلى أمته حولاً، ثم نسخ في حق الأمة وجوبه، ثم بعد ذلك نسخ اللّه تعالى كله ليلة الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهن صلاة الصبح والعصر فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، وقد روى الإمام أحمد، عن جرير بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال: كنا جلوساً عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: (أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر لا تضامون فيه، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ثم قرأ: { وسبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} ""أخرجه الإمام أحمد، ورواه البخاري ومسلم وبقية الجماعة"". وقوله تعالى: { ومن الليل فسبحه} أي فصلِّ له كقوله: { ومن الليل فتهجد به نافلة لك} ، { وأدبار السجود} قال مجاهد، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: هو التسبيح بعد الصلاة، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال: جاء فقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول اللّه ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (وما ذاك؟) قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، قال صلى اللّه عليه وسلم: (أفلا أعلمكم شيئاً إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) قال، فقالوا: يا رسول اللّه سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال صلى اللّه عليه وسلم: (ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء) ""أخرجه الشيخان"". والقول الثاني أن المراد بقوله تعالى: { وأدبار السجود} هما الركعتان بعد المغرب، وبه يقول مجاهد وعكرمة والشعبي. روى الإمام أحمد، عن علي رضي اللّه عنه قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر، وقال عبد الرحمن: (دبر كل صلاة) ""أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي"". وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: بت ليلة عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فصلى ركعتين خفيفتين اللتين قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال: يا ابن عباس: (ركعتين قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتين بعد المغرب إدبار السجود) ""أخرجه ابن أبي حاتم والترمذي"".

تفسير الجلالين

( ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) أولها الأحد وآخرها الجمعة ( وما مسنا من لغوب ) تعب ، نزل ردا على اليهود في قولهم : إن الله استراح يوم السبت وانتفاء التعب عنه لتنزهه تعالى عن صفات المخلوقين ولعدم المماثلة بينه وبين غيره "" إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون "" .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَات السَّبْع وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا مِنْ الْخَلَائِق فِي سِتَّة أَيَّام , وَمَا مَسَّنَا مِنْ إِعْيَاء . كَمَا : 24764 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ أَبِي بَكْر , قَالَ : جَاءَتْ الْيَهُود إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد أَخْبَرَنَا مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ الْخَلْق فِي هَذِهِ الْأَيَّام السِّتَّة ؟ فَقَالَ : " خَلَقَ اللَّه الْأَرْض يَوْم الْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ , وَخَلَقَ الْجِبَال يَوْم الثُّلَاثَاء , وَخَلَقَ الْمَدَائِن وَالْأَقْوَات وَالْأَنْهَار وَعُمْرَانهَا وَخَرَابهَا يَوْم الْأَرْبِعَاء , وَخَلَقَ السَّمَوَات وَالْمَلَائِكَة يَوْم الْخَمِيس إِلَى ثَلَاث سَاعَات , يَعْنِي مِنْ يَوْم الْجُمُعَة , وَخَلَقَ فِي أَوَّل الثَّلَاث السَّاعَات الْآجَال , وَفِي الثَّانِيَة الْآفَة , وَفِي الثَّالِثَة آدَم , قَالُوا : صَدَقْت إِنْ أَتْمَمْت , فَعَرَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُرِيدُونَ , فَغَضِبَ , فَأَنْزَلَ اللَّه { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } . " 24765 - قَالَ ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } قَالَ : مِنْ سَآمَة . 24766 -حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } يَقُول : مِنْ إِزْحَاف . 24767 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } يَقُول : وَمَا مَسَّنَا مِنْ نَصَب . 24768 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } قَالَ : نَصَب . 24769 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض } . .. الْآيَة , أَكْذَبَ اللَّه الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَأَهْل الْفَرْي عَلَى اللَّه , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ اللَّه خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام , ثُمَّ اِسْتَرَاحَ يَوْم السَّابِع , وَذَلِكَ عِنْدهمْ يَوْم السَّبْت , وَهُمْ يُسَمُّونَهُ يَوْم الرَّاحَة . * -حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { مِنْ لُغُوب } قَالَتْ الْيَهُود : إِنَّ اللَّه خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام , فَفَرَغَ مِنْ الْخَلْق يَوْم الْجُمُعَة , وَاسْتَرَاحَ يَوْم السَّبْت , فَأَكْذَبَهُمْ اللَّه , وَقَالَ : { مَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } . 24770 -حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام } كَانَ مِقْدَار كُلّ أَلْف سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ . 24771 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } قَالَ : لَمْ يَمَسّنَا فِي ذَلِكَ عَنَاء , ذَلِكَ اللُّغُوب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَات السَّبْع وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا مِنْ الْخَلَائِق فِي سِتَّة أَيَّام , وَمَا مَسَّنَا مِنْ إِعْيَاء . كَمَا : 24764 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ أَبِي بَكْر , قَالَ : جَاءَتْ الْيَهُود إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد أَخْبَرَنَا مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ الْخَلْق فِي هَذِهِ الْأَيَّام السِّتَّة ؟ فَقَالَ : " خَلَقَ اللَّه الْأَرْض يَوْم الْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ , وَخَلَقَ الْجِبَال يَوْم الثُّلَاثَاء , وَخَلَقَ الْمَدَائِن وَالْأَقْوَات وَالْأَنْهَار وَعُمْرَانهَا وَخَرَابهَا يَوْم الْأَرْبِعَاء , وَخَلَقَ السَّمَوَات وَالْمَلَائِكَة يَوْم الْخَمِيس إِلَى ثَلَاث سَاعَات , يَعْنِي مِنْ يَوْم الْجُمُعَة , وَخَلَقَ فِي أَوَّل الثَّلَاث السَّاعَات الْآجَال , وَفِي الثَّانِيَة الْآفَة , وَفِي الثَّالِثَة آدَم , قَالُوا : صَدَقْت إِنْ أَتْمَمْت , فَعَرَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُرِيدُونَ , فَغَضِبَ , فَأَنْزَلَ اللَّه { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } . " 24765 - قَالَ ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } قَالَ : مِنْ سَآمَة . 24766 -حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } يَقُول : مِنْ إِزْحَاف . 24767 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } يَقُول : وَمَا مَسَّنَا مِنْ نَصَب . 24768 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } قَالَ : نَصَب . 24769 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض } . .. الْآيَة , أَكْذَبَ اللَّه الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَأَهْل الْفَرْي عَلَى اللَّه , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ اللَّه خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام , ثُمَّ اِسْتَرَاحَ يَوْم السَّابِع , وَذَلِكَ عِنْدهمْ يَوْم السَّبْت , وَهُمْ يُسَمُّونَهُ يَوْم الرَّاحَة . * -حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { مِنْ لُغُوب } قَالَتْ الْيَهُود : إِنَّ اللَّه خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام , فَفَرَغَ مِنْ الْخَلْق يَوْم الْجُمُعَة , وَاسْتَرَاحَ يَوْم السَّبْت , فَأَكْذَبَهُمْ اللَّه , وَقَالَ : { مَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } . 24770 -حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام } كَانَ مِقْدَار كُلّ أَلْف سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ . 24771 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب } قَالَ : لَمْ يَمَسّنَا فِي ذَلِكَ عَنَاء , ذَلِكَ اللُّغُوب . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وكم أهلكنا قبلهم من قرن} أي كم أهلكنا يا محمد قبل قومك من أمة هم أشد منهم بطشا وقوة. { فنقبوا في البلاد} أي ساروا فيها طلبا للمهرب. وقيل : أثروا في البلاد؛ قال ابن عباس. وقال مجاهد : ضربوا وطافوا. وقال النضر بن شميل : دوروا. وقال قتادة : طوفوا. وقال المؤرخ تباعدوا؛ ومنه قول امرئ القيس : وقد نقبت في الآفاق حتى ** رضيت من الغنيمة بالإياب ثم قيل : طافوا في أقاصي البلاد طلبا للتجارات، وهل وجدوا من الموت محيصا؟. وقيل : طوفوا في البلاد يلتمسون محيصا من الموت. قال الحرث بن حلزة : نقبوا في البلاد من حذر المو ** ت وجالوا في الأرض كل مجال وقرأ الحسن وأبو العالية { فنقبوا} بفتح القاف وتخفيفها. والنقب هو الخرق والدخول في الشيء. وقيل : النقب الطريق في الجبل، وكذلك المنقب والمنقبة؛ عن ابن السكيت. ونقب الجدار نقبا، واسم تلك النقبة نقب أيضا، وجمع النقب النقوب؛ أي خرقوا البلاد وساروا في نقوبها. وقيل : أثروا فيها كتأثير الحديد فيما ينقب. وقرأ السلمي يحيى بن يعمر { فنقبوا} بكسر القاف والتشديد على الأمر بالتهديد والوعيد؛ أي طوفوا البلاد وسيروا فيها فانظروا { هل من} الموت { محيص} ومهرب؛ ذكره الثعلبي. وحكى القشيري { فنقبوا} بكسر القاف مع التخفيف؛ أي أكثروا السير فيها حتى نقبت دوابهم. الجوهري : ونقب البعير بالكسر إذا رقت أخفافه، وأنقب الرجل، إذا نقب بعيره، ونقب الخف الملبوس أي تخرق. والمحيص مصدر حاص عنه يحيص حيصا وحيوصا ومحيصا ومحاصا وحيصانا؛ أي عدل وحاد. يقال : ما عنه محيص أي محيد ومهرب. والانحياص مثله؛ يقال للأولياء : حاصوا عن العدو وللأعداء انهزموا. { إن في ذلك لذكرى} أي فيما ذكرناه في هذه السورة تذكرة وموعظة { لمن كان له قلب} أي عقل يتدبر به؛ فكنى بالقلب عن العقل لأنه موضعه؛ قال معناه مجاهد وغيره. وقيل : لمن كان له حياة ونفس مميزة، فعبر عن النفس الحية بالقلب؛ لأنه وطنها ومعدن حياتها؛ كما قال امرؤ القيس : أغرك مني أن حبك قاتلي ** وأنك مهما تأمري القلب يفعل وفي التنزيل { لينذر من كان حيا} [يس : 70]. وقال يحيى بن معاذ : القلب قلبان؛ قلب محتشى بأشغال الدنيا حتى إذا حضر أمر من الأمور الآخرة لم يدر ما يصنع، وقلب قد أحتشى بأهوال الآخرة حتى إذا حضر أمر من أمور الدنيا لم يدر ما يصنع لذهاب قلبه في الآخرة. { أو ألقى السمع} أي استمع القرآن. تقول العرب : ألق إلى سمعك أي استمع. وقد مضى في [طه] كيفية الاستماع وثمرته. { وهو شهيد} أي شاهد القلب؛ قال الزجاج : أي قلبه حاضر فيما يسمع. وقال سفيان : أي لا يكون حاضرا وقلبه غائب. ثم قيل : الآية لأهل الكتاب؛ قال مجاهد وقتادة. وقال الحسن : إنها في اليهود والنصارى خاصة. وقال محمد بن كعب وأبو صالح : إنها في أهل القرآن خاصة. قوله تعالى { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} تقدم في [الأعراف] وغيرها. واللغوب التعب والإعياء، تقول منه : لغب يلغب بالضم لغوبا، ولغب بالكسر يلغب لغوبا لغة ضعيفة فيه. وألغبته أنا أي أنصبته. قال قتادة والكلبي : هذه الآية نزلت في يهود المدينة؛ زعموا أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت؛ فجعلوه راحة، فأكذبهم الله تعالى في ذلك.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ق الايات 24 - 38


سورة ق الايات 38 - 45

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق سبحانه وتعالى يُبيِّن لنا أنه خلق السماوات والأرض وما فيهن وما بينهما من الآيات الكونية فيما مجموعه ستة أيام { وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } [ق: 38] ما أصابنا من تعب ولا نَصَب.

وهذه الآية لها نظائر في القرآن الكريم دلتْ على أن أيام الخَلْق ثمانية أيام، اقرأ:
{  أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ }
[فصلت: 9] إذن: معنا الآن يومان.


{  وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ }
[فصلت: 10] هكذا يكون المجموع ستة أيام
{  ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ... }
[فصلت: 11-12].

إذن: المجموع الظاهر ثمانية أيام، وهذا جعل بعض المستشرقين يتهمون الآيات بالتضارب، أهي ستة أيام أم ثمانية. وهذا الاتهام وليد عدم فهمهم لأساليب اللغة ومراميها.

فالحق سبحانه تكلم أولاً عن خَلْق الأرض كجرم مستقل، ثم تكلم عن خَلْق ما يتبع الأرض في تمام أربعة أيام، فالزمن هنا متداخل، واليومان الأولان داخلان في تتمة الأربعة، لأنها في خلق شيء واحد هو الأرض.

لذلك بعد أنْ تحدَّث عن خَلْق الأرض قال سبحانه:
{  فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ }
[فصلت: 10] أي: استوتْ تتمة الأربعة أيام مثل لو قلت: سِرْنا من القاهرة إلى طنطا في ساعة، وإلى الإسكندرية في ساعتين. إذن: ليس في الآيات تعارض، بل هي منسجمة مع بعضه البعض.

ومن القضايا التي أثاروها حول هذه الآية قولهم: إن كان الحق سبحانه ينفذ إرادته ولا يحتاج في الفعل إلى معالجة، فلماذا لم يخلق هذا الكون بكلمة كُنْ، ولا يستغرق الخلق ستة أيام؟

وقلنا في بيان ذلك أن هناك فرقاً بين خَلْق الشيء وبين جَعْل مُقدِّمات للخلق، ثم يدور الشيء في نفسه ويتفاعل إلى ما يصير إليه.

ووضحنا هذا بصناعة علبة الزبادي، حيث نأتي باللبن والخميرة ونخلطهما، ثم نجعل هذا الخليط تحت درجة حرارة معينة، وبعد مدة تتفاعل هذه المكونات وتعطينا الزبادي.

إذن: عالجت هذه المسألة في عدة دقائق لكنها تفاعلت في عدة ساعات، حتى صار إلى ما نريد بعد أنْ وضعنا فيه الأصول والمواد التي تكوِِّنه، كذلك في مسألة خَلْق الكون في ستة أيام طبعاً من الأيام التي نعرفها.

ومعنى اللغوب هو القصور الذي يأتي بعد التعب من العمل، إذن: النُّصَب التعب يصاحب العمل، واللغوب قصور واسترخاء بعد الانتهاء، فإذا نفى الأقل فالأكثر من باب أوْلى لم يحدث.

إذن: المراد لم يحدث القصور ولم يحدث التعب، كما جاء في قوله تعالى:
{  لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ... }
[البقرة: 255] والسِّنَة غفلة تسبق النوم، فنَفْي السِّنة يعني نفي النوم من باب أوْلى.

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله عز وجل: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} . [38].
قال الحسن وقتادة: قالت اليهود: إن الله خلق الخلق في ستة أيام، واستراح يوم السابع وهو يوم السبت. [وهم] يسمونه يوم الراحة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخبرنا أحمد بن محمد التميمي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر الحافظ، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، قال: حدَّثنا هنّاد بن السَّرِي، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عَيَّاش، عن أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس:
أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت عن خلق السموات والأرض فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وما فيهن من المنافع] وخلق يوم الأربعاء [والشجر والماء] و [خلق يوم] الخميس [السماء] وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر. قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش. قالوا: قد أصبت لو تممت ثم استراح. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً. فنزلت: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} .


www.alro7.net