سورة
اية:

فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ۩

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً على قدرته العظيمة، وأنه لا نظير له وأنه على ما يشاء قادر: { ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر} أي أنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يفتران، والشمس ونورها وإشراقها والقمر وضياءه وتقديره منازله في فلكه، واختلاف سيره في سمائه، ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار، والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول أوقات العبادات والمعاملات، ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره فقال: { لاتسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا للّه الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} أي ولا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به، ولهذا قال تعالى: { فإن استكبروا} أي عن إفراده العبادة له وأبوا إلا إن يشركوا معه غيره، { فالذين عند ربك} يعني الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} كقوله عزَّ وجلَّ: { فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} . وروى الحافظ أبو يعلى، عن جابر رضي اللّه عنهما قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:(لا تسبوا الليل ولا النهار ولا الشمس ولا القمر ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم وعذاباً لقوم) وقوله: { ومن آياته} أي على قدرته على إعادة الموتى { أنك ترى الأرض خاشعة} أي هامدة لا نبات فيها بل هي ميتة، { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} أي أخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار، { إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} .

تفسير الجلالين

{ فإن استكبروا } عن السجود لله وحده { فالذين عند ربك } أي فالملائكة { يسبحون } يصلون { له بالليل والنهار وهم لا يسأمون } لا يملون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْد رَبّك يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِنِ اسْتَكْبَرَ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْتَ بَيْن أَظْهُرهمْ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش , وَتُعَظِّمُوا عَنْ أَنْ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَخَلَقَ الشَّمْس وَالْقَمَر , فَإِنَّ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ عِنْد رَبّك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ ذَلِكَ , وَلَا يَتَعَظَّمُونَ عَنْهُ , بَلْ يُسَبِّحُونَ لَهُ , وَيُصَلُّونَ لَيْلًا وَنَهَارًا , { وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } يَقُول وَهُمْ لَا يَفْتَرُونَ عَنْ عِبَادَتهمْ , وَلَا يَمَلُّونَ الصَّلَاة لَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23583 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي . عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْد رَبّك يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار } قَالَ : يَعْنِي مُحَمَّدًا , يَقُول : عِبَادِي , مَلَائِكَة صَافُّونَ يُسَبِّحُونَ وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْد رَبّك يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِنِ اسْتَكْبَرَ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْتَ بَيْن أَظْهُرهمْ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش , وَتُعَظِّمُوا عَنْ أَنْ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَخَلَقَ الشَّمْس وَالْقَمَر , فَإِنَّ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ عِنْد رَبّك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ ذَلِكَ , وَلَا يَتَعَظَّمُونَ عَنْهُ , بَلْ يُسَبِّحُونَ لَهُ , وَيُصَلُّونَ لَيْلًا وَنَهَارًا , { وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } يَقُول وَهُمْ لَا يَفْتَرُونَ عَنْ عِبَادَتهمْ , وَلَا يَمَلُّونَ الصَّلَاة لَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23583 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي . عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْد رَبّك يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار } قَالَ : يَعْنِي مُحَمَّدًا , يَقُول : عِبَادِي , مَلَائِكَة صَافُّونَ يُسَبِّحُونَ وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ومن آياته} علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته { الليل والنهار والشمس والقمر} وقد مضى في غير موضع. { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر} نهى عن السجود لهما؛ لأنهما وإن كانا خلقين فليس ذلك لفضيلة لهما في أنفسهما فيستحقان بها العبادة مع الله؛ لأن خالقهما هو الله ولو شاء لأعدمهما أو طمس نورهما. { واسجدوا لله الذي خلقهن} وصورهن وسخرهن؛ فالكناية ترجع إلى الشمس والقمر والليل والنهار. وقيل : للشمس والقمر خاصة؛ لأن الاثنين جمع. وقيل : الضمير عائد على معنى الآيات { إن كنتم إياه تعبدون} وإنما أنث على جمع التكثير ولم يجر على طريق التغليب للمذكر والمؤنث لأنه فيما لا يعقل. { فإن استكبروا} يعني الكفار عن السجود لله { فالذين عند ربك} من الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} أي لا يملون عبادته. قال زهير : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ** ثمانين حولا لا أبا لك يسأم مسألة : هذه الآية آية سجدة بلا خلاف؛ واختلفوا في موضع السجود منها. فقال مالك : موضعه { إن كنتم إياه تعبدون} ؛ لأنه متصل بالأمر. وكان علي وابن مسعود وغيرهم يسجدون عند قوله: { تعبدون} . وقال ابن وهب والشافعي : موضعه { وهم لا يسأمون} لأنه تمام الكلام وغاية العبادة والامتثال. وبه قال أبو حنيفة. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: { يسأمون} . وقال ابن عمر : اسجدوا بالآخرة منهما. وكذلك يروى عن مسروق وأبي عبدالرحمن السلمي وإبراهيم النخعي وأبي صالح ويحيى بن وثاب وطلحة وزبيد الياميين والحسن وابن سيرين. وكان أبو وائل وقتادة وبكر بن عبدالله يسجدون عند قوله: { يسأمون} . قال ابن العربي : والأمر قريب. مسألة : ذكر ابن خويز منداد : أن هذه الآية تضمنت صلاة كسوف القمر والشمس؛ وذلك أن العرب كانت تقول : إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت عظيم، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف. قلت : صلاة الكسوف ثابتة في الصحاح البخاري ومسلم وغيرهما. واختلفوا في كيفيتها اختلافا كثيرا، لاختلاف الآثار، وحسبك ما في صحيح مسلم من ذلك، وهو العمدة في الباب. والله الموفق للصواب. قوله تعالى: { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} الخطاب لكل عاقل أي { ومن آياته} الدالة على أنه يحيي الموتى { أنك ترى الأرض خاشعة} أي يابسة جدبة؛ هذا وصف الأرض بالخشوع؛ قال النابغة : رماد ككحل العين لأيا أبينه ** ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع والأرض الخاشعة؛ الغبراء التي تنبت. وبلدة خاشعة : أي مغبرة لا منزل بها. ومكان خاشع. { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت} أي بالنبات؛ قال مجاهد. يقال : اهتز الإنسان أي تحرك؛ ومنه : تراه كنصل السيف يهتز للندى ** إذا لم تجد عند امرئ السوء مطمعا { وربت} أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت؛ قال مجاهد. أي تصعدت عن النبات بعد موتها. وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم وتأخير وتقديره : ربت واهتزت. والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض؛ وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض؛ فربوها ارتفاعها. ويقال للموضع المرتفع : ربوة ورابية؛ فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولا وعرضا. وقرأ أبو جعفر وخالد { وربأت} ومعناه عظمت؛ من الربيئة. وقيل: { اهتزت} أي استبشرت بالمطر { وربت} أي انتفخت بالنبات. والأرض إذا انشقت بالنبات : وصفت بالضحك، فيجوز وصفها بالاستبشار أيضا. ويجوز أن يقال الربو والاهتزاز واحد؛ وهي حالة خروج النبات. وقد مضى هذا المعنى في { الحج} { إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} تقدم في غير موضع.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فُصّلت الايات 37 - 40

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ.. } [فصلت: 38] أي: عن طاعة الله في أمره ونَهْيه في الآية قبلها { لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ.. } [فصلت: 37]، والاستكبار هنا يدلُّ على عدم الإيمان بالله الآمر الناهي، لأنهم سجدوا للشمس وسجدوا للقمر سجود عبادة، والعبادة تعني طاعة العابد لأمر المعبود، والشمس والقمر ليس لها أوامر ولا نَوَاه، فعبادتهما باطلة، وتدل على غباء مَنْ عبدها وعلى كذبه في هذه العبادة، لأنها مخلوقات لا أمرَ لها ولا نهي ولا تكاليفَ، لا تثيب مَنْ أطاعها، ولا تعاقب مَنْ عصاها.

لذلك قلنا: إن كلمة العبادة هنا كذب وباطلة (فنطزية) يعني؛ المهم يكون لهم معبودٌ يُرضي عنده رغبته في التدين، وما أسهلَ أنْ يتخذَ الإنسانُ معبوداً لا تكاليفَ له.

لذلك لما قالوا:
{  مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. }
[الزمر: 3] قلنا: كلمة نعبدهم هنا كذب، بدليل أنكم إذا نزل بكم الضر لا تلجئون إلى الشمس ولا إلى القمر، إنما تلجئون إلى الله:
{  وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ.. }
[الإسراء: 67].

وقال:
{  وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ.. }
[الروم: 33].

وقوله تعالى: { فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ } [فصلت: 38].

المعنى: أن الحق سبحانه مُستغنٍ عن طاعة هؤلاء المستكبرين وعن عبادهم، فله سبحانه ملائكة مُكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، يُسبِّحون الليل والنهار لا يفترون، ولا عملَ لهم سِوَى التسبيح، وهم لا يسأمون ولا يملّون ولا يتعبون.

قالوا في العندية هنا { فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ.. } [فصلت: 38] أنها عندية مكانة، لا عندية مكان، عندية تكريم وشرف، كما قال سبحانه عن الشهداء:
{  وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }
[آل عمران: 169].

وقال سبحانه:
{  إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ }
[القمر: 54-55].

فهؤلاء الملائكة ليسوا عند الله في مكان واحد، ولا هم قاعدون معه سبحانه، إنما هي مثلنا تماماً لا يروْنَ الله سبحانه، ويؤمنون به مثلنا بالغيب، والله بالنسبة لهم غَيْبٌ، وبعض التفسيرات وأنا أشجعها تميل إلى أن الله تعالى ليس له مكان لأنه في كل مكان، فكل مكان عند الله.

ولذلك اقرأ الحق تبارك وتعالى:
{  فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ }
[الواقعة: 83-85] فما دام قال
{  وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ }
[الواقعة: 85] فهي عِنْدية حقيقية شائعة في كل مكان.


www.alro7.net