سورة
اية:

وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مسلياً لنبيه صلى اللّه عليه وسلم، وآمراً له بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبراً له بأنه ما بعث نبيا في قرية إلا كذبه مترفوها واتبعه ضعفاؤهم، كما قال قوم نوح: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} ، وقال الكبراء من قوم صالح: { للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه؟ قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون . قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون} ، وقال تعالى: { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} ، وقال جلَّ وعلا: { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً} ، وقال جلَّ وعلا ههنا: { وما أرسلنا في قرية من نذير} أي نبي أو ورسول { إلا قال مترفوها} وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة، قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر { إنا بما أرسلتم به كافرون} أي لا نؤمن به ولا نتبعه، عن أبي رزين قال: كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل، فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فترك تجارته ثم أتى صاحبه، فقال: دلني عليه، وكان يقرأ الكتب أو بعض الكتب، قال: فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: إلامَ تدعو؟ قال: (أدعو إلى كذا وكذا) قال: أشهد أنك رسول اللّه، قال صلى اللّه عليه وسلم: (وما علمك بذلك؟) قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فنزلت هذه الآية، { وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون} ""أخرجه ابن أبي حاتم""، وهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل قال فيها: وسألتك أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم، فزعمت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل ""هذا جزء من حديث طويل رواه الشيخان"". وقال تبارك وتعالى إخباراً عن المترفين الكاذبين: { وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين} أي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة اللّه تعالى لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة، وهيهات لهم ذلك، قال اللّه تعالى: { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات؟ بل لا يشعرون} ، وقال تبارك وتعالى: { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد اللّه ليعذبهم في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} ، ولهذا قال عزَّ وجلَّ ههنا: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، فيفقر من يشاء ويغني من يشاء، وله الحكمة التامة البالغة، والحجة القاطعة الدامغة { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ، ثم قال تعالى: { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} أي ليست هذه دليلاً على محبتنا لكم ولا اعتنائنا بكم، ولهذا قال اللّه تعالى: { إلا من آمن وعمل صالحاً} أي إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمانُ والعمل الصالح { فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} أي تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف { وهم في الغرفات آمنون} أي في منازل الجنة العالية { آمنون} من كل بأس وخوف وأذى، ومن كل شر يحذر منه. عن علي رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن في الجنة لغرفاً ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها) فقال أعرابي: لمن هي؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (لمن طيّب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام) ""أخرجه ابن أبي حاتم"". { والذين يسعون في آياتنا معاجزين} أي يسعون في الصد عن سبيل اللّه واتباع رسله والتصديق بآياته، { أولئك في العذاب محضرون} أي جميعهم مجزيون بأعمالهم فيها بحسبهم، وقوله تعالى: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له} أي بحسب ما له في ذلك من الحكمة، يبسط على هذا من المال كثيراً، ويضيّق على هذا ويقتر عليه رزقه جدا، وله في ذلك من الحكمة ما لا يدركها غيره، كما قال تعالى: { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً} أي كما هم متفاوتون في الدنيا هذا فقير مدقع وهذا غني موسع عليه، فكذلك هم في الآخرة، هذا في الغرفات في أعلى الدرجات، وهذا في الغمرات في أسفل الدركات، وأطيب الناس في الدنيا، كما قال صلى اللّه عليه وسلم: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه اللّه بما آتاه) ""أخرجه مسلم من حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما""، وقوله تعالى: { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} أي مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في الحديث: (يقول اللّه تعالى أَنفقْ أُنفقْ عليك)، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أنفقْ بلالاً، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً)، وعن حذيفة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده حذار الإنفاق)، ثم تلا هذه الآية { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} ""أخرجه ابن أبي حاتم""، وفي الحديث: (شرار الناس يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطرين حرام، ألا إن بيع المضطرين حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، إن كان عندك معروف فعد به على أخيك، وإلا فلا تزده هلاكاً إلى هلاكه) ""أخرجه الحافظ الموصلي وفي إسناده ضعف""، وقال مجاهد: لا يتأولن أحدكم هذه الآية { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} إذا كان عند أحدكم ما يقيمه فليقصد فيه، فإن الرزق مقسوم.

تفسير الجلالين

{ والذين يسعوْن في آياتنا } القرآن بالإبطال { معجِّزين } لنا مقدّرين عجزنا وأنهم يفوتوننا { أولئك في العذاب محضرون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَاب مُحْضَرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَالَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي آيَاتنَا , يَعْنِي : فِي حُجَجنَا وَآي كِتَابنَا , يَبْتَغُونَ إِبْطَالَهُ , وَيُرِيدُونَ إِطْفَاءَ نُوره مُعَاوِنِينَ , يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يَفُوتُونَنَا بِأَنْفُسِهِمْ , وَيُعْجِزُونَنَا { أُولَئِكَ فِي الْعَذَاب مُحْضَرُونَ } يَعْنِي فِي عَذَاب جَهَنَّم مُحْضَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَة الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَاب مُحْضَرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَالَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي آيَاتنَا , يَعْنِي : فِي حُجَجنَا وَآي كِتَابنَا , يَبْتَغُونَ إِبْطَالَهُ , وَيُرِيدُونَ إِطْفَاءَ نُوره مُعَاوِنِينَ , يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يَفُوتُونَنَا بِأَنْفُسِهِمْ , وَيُعْجِزُونَنَا { أُولَئِكَ فِي الْعَذَاب مُحْضَرُونَ } يَعْنِي فِي عَذَاب جَهَنَّم مُحْضَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَة'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها} قال قتادة : أي أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها وقادة الشر للرسل: { إنا بما أرسلتم به كافرون. وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا} أي فضلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم يكن ربكم راضيا بما نحن عليه من الدين والفضل لم يخولنا ذلك. { وما نحن بمعذبين} لأن من أحسن إليه فلا يعذبه، فرد الله عليهم قولهم وما احتجوا به من الغنى فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل إن ربي يبسط الرزق} أي يوسعه { لمن يشاء ويقدر} أي إن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق امتحانا لهم، فلا يدل شيء من ذلك على ما في العواقب، فسعة الرزق في الدنيا لا تدل على سعادة الآخرة فلا تظنوا أموالكم وأولادكم تغنى عنكم غدا شيئا. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} لا يعلمون هذا لأنهم لا يتأملون. ثم قال تأكيدا: { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} قال مجاهد : أي قربى. والزلفة القربة. وقال الأخفش : أي إزلافا، وهو اسم المصدر، فيكون موضع { قربى} نصبا كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا. وزعم الفراء أن "التي" تكون للأموال والأولاد جميعا. وله قول آخر وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج، يكون المعنى : وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه. وأنشد الفراء : نحن بما عندنا وأنت بما ** عندك راض والرأي مختلف ويجوز في غير القرآن : باللتين وباللاتي وباللواتي وباللذين وبالذين؛ للأولاد خاصة أي لا تزيدكم الأموال عندنا رفعة ودرجة، ولا تقربكم تقريبا. { إلا من آمن وعمل صالحا} قال سعيد بن جبير : المعنى إلا من أمن وعمل صالحا فلن يضره ماله وولده في الدنيا. وروى ليث عن طاوس أنه كان يقول : اللهم ارزقني الإيمان والعمل، وجنبني المال والولد، فإني سمعت فيما أوحيت { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا} . قلت : قول طاوس فيه نظر، والمعنى والله أعلم : جنبني المال والولد المطغيين أو اللذين لا خير فيهما؛ فأما المال الصالح والولد الصالح للرجل الصالح فنعم هذا وقد مضى هذ! في "آل عمران ومريم والفرقان". و"من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، أي لكن من آمن وعمل صالحا فإيمانه وعمله يقربانه مني. وزعم الزجاج أنه في موضع نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم التي في "تقربكم". النحاس : وهذا القول غلط؛ لأن الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل، ولو جاز هذا لجاز : رأيتك زيدا. وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء. إلا أن الفراء لا يقول بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين، ولكن قول يؤول إلى ذلك، وزعم أن مثله { إلا من أتى الله بقلب سليم} يكون منصوبا عنده بـ "ينفع". وأجاز الفراء أن يكون "من" في موضع رفع بمعنى : ما هو إلا من أمن، كذا قال، ولست أحصل معناه. { فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} يعني قوله: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} الأنعام : 160] فالضعف الزيادة، أي لهم جزاء التضعيف، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول. وقيل : لهم جزاء الأضعاف، فالضعف في معنى الجمع، وإضافة الضعف إلى الجزاء كإضافة الشيء إلى نفسه، نحو : حق اليقين، وصلاة الأولى. أي لهم الجزاء المضعف، للواحد عشرة إلى ما يريد الله من الزيادة. وبهذه الآية استدل من فضل الغنى على الفقر. وقال محمد بن كعب : إن المؤمن إذا كان غنيا تقيا أتاه الله أجره مرتين بهذه الآية. قراءة العامة: "جزاء الضعف" بالإضافة. وقرأ الزهري ويعقوب ونصر بن عاصم: "جزاء" منونا منصوبا "الضعف" رفعا؛ أي فأولئك لهم الضعف جزاء، على التقديم والتأخير. "وجزاء الضعف" على أن يجازوا الضعف. و"جزاء الضعف" مرفوعان، الضعف بدل من جزاء. وقرأ الجمهور: "في الغرفات" على الجمع، وهو اختيار أبى عبيد؛ لقوله: { لنبوئنهم من الجنة غرفا} العنكبوت : 58]. الزمخشري : وقرئ: "في الغرفات" بضم الراء وفتحها وسكونها. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة وخلف: "في الغرفة" على التوحيد؛ لقوله تعالى: { أولئك يجزون الغرفة} الفرقان : 75]. والغرفة قد يراد بها اسم الجمع واسم الجنس. قال ابن عباس : هي غرف من ياقوت وزبرجد ودر وقد مضى بيان ذلك. "آمنون" أي من العذاب والموت والأسقام والأحزان. { والذين يسعون في آياتنا} في إبطال أدلتنا وحجتنا وكتابنا. { معاجزين} معاندين، يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم. { أولئك في العذاب محضرون} أي في جهنم تحضرهم الزبانية فيها.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نقول: سعى فلان بفلان عند السلطان، يعني: بوشاية وبإفساد، وهؤلاء سَعَوْا في آيات الله ليصرفوا الناس عنها، ويشغلوهم عن سماعها.

ومعنى: { مُعَاجِزِينَ } [سبأ: 38] مفردها مُعاجز، والمعاجزة مفاعلة يعني: واحد يعاجز الآخر أي: يريد أن يُعجزه، إذن: المعاجزة معركة، لكن إياكم أنْ تظنوا أنها بين مؤمنين وكافرين، أو بين الرسل والمكذِّبين لهم، لا إنما هي معركة عالية، فالذين يُعاجزون يُعاجزون الله في آياته ليبطلوها، وليضعوا العقبات في طريقها، ومهما كان كيدهم فلن يعجزوا الله، ولن يُفْلتوا منه سبحانه، كما قال تعالى:
{  وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ }
[سبأ: 51].

وهنا يقول: { أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ } [سبأ: 38] ومعنى محضرون أنهم يحضرون رغماً عنهم، فهي اسم مفعول من حضر، فهم يُجَرُّون ويُشدُّون كالمقبوض عليهم، ومنها كلمة (مُحضر) وهو الذي يُحضِر المتهم رغماً عنه.

ثم يقول الحق سبحانه:

{ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ... }.


www.alro7.net