سورة
اية:

فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى آمراً بإعطاء { ذا القربى حقه} أي من البر والصلة، { والمسكين} وهو الذي لا شيء له ينفق عليه أو له شيء لا يقوم بكفايته، { وابن السبيل} وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما يحتاج إليه في سفره، { ذلك خير للذين يريدون وجه اللّه} أي النظر إليه يوم القيامة وهو الغاية القصوى، { وأولئك هم المفلحون} أي في الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى: { وما آتيتم من رباً ليربو في أموال الناس فلا يربو عند اللّه} أي من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم فهذا لا ثواب له عند اللّه، بهذا فسره ابن عباس ومجاهد والضحاك، وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد نهي عنه بقوله تعالى: { ولا تمنن تستكثر} أي لا تعط العطاء تريد أكثر منه، قال تعالى: { وما آتيتم من زكاة تريدون وجه اللّه فأولئك هم المضعفون} أي الذين يضاعف اللّه لهم الثواب والجزاء كما جاء في الصحيح: (وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تصير التمرة أعظم من أُُحُدٍ). وقوله عزَّ وجلَّ: { اللّه الذي خلقكم ثم رزقكم} أي هو الخالق الرازق يخرج الإنسان من بطن أمه عرياناً لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا قوى، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك، والرياش واللباس والمال والأملاك والمكاسب. وقوله تعالى: { ثم يميتكم} أي بعد هذه الحياة { ثم يحييكم} أي يوم القيامة، وقوله تعالى: { هل من شركائهم} أي الذين تعبدونهم من دون اللّه { من يفعل من ذلكم من شيء} ؟ أي لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل اللّه سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة، ولهذا قال بعد هذا كله { سبحانه وتعالى عما يشركون} أي تعالى وتقدس، وتنزّه وتعاظم عن أن يكون له شريك أو نظير، أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد.

تفسير الجلالين

{ فآت ذا القربى } القرابة { حقه } من البر والصلة { والمسكين وابن السبيل } المسافر من الصدقة، وأمة النبي تبع له في ذلك { ذلك خير للذين يريدون وجه الله } أي ثوابه بما يعملون { وأولئك هم المفلحون } الفائزون.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه وَالْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطِ يَا مُحَمَّد ذَا الْقَرَابَة مِنْك حَقّه عَلَيْك مِنْ الصِّلَة وَالْبِرّ وَالْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل , مَا فَرَضَ اللَّه لَهُمَا فِي ذَلِكَ , كَمَا : 21306 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا غُنْدَر , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه وَالْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل } قَالَ : هُوَ أَنْ تُوفِيَهُمْ حَقّهمْ إِنْ كَانَ عِنْد يُسْر , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدك فَقُلْ لَهُمْ قُولًا مَيْسُورًا , قُلْ لَهُمْ الْخَيْر . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه وَالْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطِ يَا مُحَمَّد ذَا الْقَرَابَة مِنْك حَقّه عَلَيْك مِنْ الصِّلَة وَالْبِرّ وَالْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل , مَا فَرَضَ اللَّه لَهُمَا فِي ذَلِكَ , كَمَا : 21306 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا غُنْدَر , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه وَالْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل } قَالَ : هُوَ أَنْ تُوفِيَهُمْ حَقّهمْ إِنْ كَانَ عِنْد يُسْر , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدك فَقُلْ لَهُمْ قُولًا مَيْسُورًا , قُلْ لَهُمْ الْخَيْر . ' وَقَوْله : { ذَلِكَ خَيْر لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْه اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِيتَاء هَؤُلَاءِ حُقُوقهمْ الَّتِي أَلْزَمهَا اللَّه عِبَاده , خَيْر لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ اللَّه بِإِتْيَانِهِمْ ذَلِكَوَقَوْله : { ذَلِكَ خَيْر لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْه اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِيتَاء هَؤُلَاءِ حُقُوقهمْ الَّتِي أَلْزَمهَا اللَّه عِبَاده , خَيْر لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ اللَّه بِإِتْيَانِهِمْ ذَلِكَ' { وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } يَقُول : وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ مُبْتَغِيًا وَجْه اللَّه بِهِ , فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُنَجَّحُونَ , الْمُدْرِكُونَ طُلُبَاتهمْ عِنْد اللَّه , الْفَائِزُونَ بِمَا اِبْتَغَوْا وَالْتَمَسُوا بِإِيتَائِهِمْ إِيَّاهُمْ مَا آتَوْا . { وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } يَقُول : وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ مُبْتَغِيًا وَجْه اللَّه بِهِ , فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُنَجَّحُونَ , الْمُدْرِكُونَ طُلُبَاتهمْ عِنْد اللَّه , الْفَائِزُونَ بِمَا اِبْتَغَوْا وَالْتَمَسُوا بِإِيتَائِهِمْ إِيَّاهُمْ مَا آتَوْا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى : { فآت ذا القربى حقه} فيه ثلاث مسائل: الأولى: لما تقدم أنه سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أمر من وسع عليه الرزق أن يوصل إلى الفقير كفايته ليمتحن شكر الغني. والخطاب للنبي عليه السلام والمراد هو وأمته؛ لأنه قال: { ذلك خير للذين يريدون وجه الله} . وأمر بإيتاء ذي القربى لقرب رحمه؛ وخير الصدقة ما كان على القريب، وفيها صلة الرحم. وقد فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب، فقال لميمونة وقد أعتقت وليدة : (أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك). الثانية: واختلف في هذه الآية؛ فقيل : إنها منسوخة بآية المواريث. وقيل : لا نسخ، بل للقريب حق لازم في البر على كل حال؛ وهو الصحيح. قال مجاهد وقتادة : صلة الرحم فرض من الله عز وجل، حتى قال مجاهد : لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة. وقيل : المراد بالقربى أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم. والأول أصح؛ فإن حقهم مبين في كتاب الله عز وجل في قوله: { فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} الأنفال : 41]. وقيل : إن الأمر بالإيتاء لذي القربى على جهة الندب. قال الحسن { حقه} المواساة في اليسر، وقول ميسور في العسر. { والمسكين} قال ابن عباس : أي أطعم السائل الطواف؛ { وابن السبيل} الضيف؛ فجعل الضيافة فرضا، وقد مضى جميع هذا مبسوطا مبينا في مواضعه والحمد لله. الثالثة: قوله تعالى: { ذلك خير للذين يريدون وجه الله} أي إعطاء الحق أفضل من الإمساك إذا أريد بذلك وجه الله والتقرب إليه. { وأولئك هم المفلحون} أي الفائزون بمطلوبهم من الثواب في الآخرة. وقد تقدم في "البقرة" القول فيه.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

حينما نتأمل النسق القرآني هنا نجد أن الله تعالى ذكر أولاً البسْطَ في الرزق، ثم التقتير فيه، ثم أكَّد بعده مباشرة على حَقِّ ذي القُرْبى والمسكين وابن السبيل، وكأنه يلفت أنظارنا أن هذه الحقوق لا تقتصر على مَنْ بسط له الرزق، إنما هي على الجميع حتى مَنْ كان في خصاصه، وضُيِّق عليه رزقه، فلا ينسي هؤلاء.

لذلك يذيل الحق سبحانه الآية بقوله: { ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } [الروم: 38] والجميع: مَنْ بُسِط له، ومَنْ قُتِر عليه يريدون وجه الله.

وبمقارنة هذه الآية بآية الزكاة:
{  إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }
[التوبة: 60].

فلم تذكر ذا القربى الذي ذكر هنا، وكأن الآية تشير لنا إلى أمر ينبغي أن نلتفت إليه، وهو أن القريب عيب أن نعطيه من مال الزكاة، وهذه آفة وقع فيها كثير من الأغنياء وحتى المتدينين منهم، فكثيراً ما يسألون: لي ابن عم، أو لي قريب أأعطيه شيئاً من زكاة مالي؟

وكنتُ أقول للسائل: والله، لو علم ابن عمك أنك تعطيه من مال الزكاة ما قبله منك؛ لأن للقريب حقاً، سواء أكنتَ غنياً تملك نصاب الزكاة، أو لم تصل إلى حد النِّصَاب.

إذن: لا تربط هؤلاء الثلاثة - القريب والمسكين وابن السبيل - بمسألة الزكاة، فلهم حَقٌّ حتى على الفقير الذي لا يملك نصاباً، وعلى مَنْ ضُيِّقْ عليه رزقه.

ومع هذا الحق الذي قرره الشرع للقريب نجد كثيرين يأكلون حقوق الأقارب، ويحتالون لحرمانهم منها، فمثلاً بعض الناس لا ينجب ذكوراً، فيكتب أملاكه للبنات ليحرم عمهم أو أبناء عمومتهم من الميراث، مع أن البنت لها نصف التركة، وإنْ كُنَّ أكثر من واحدة فلهُنَّ الثلثان، ويُوزَّع الثلث على العم أو ابن العم؛ ذلك لأن البنات في هذه الحالة ليس لهن ذَكَر عصبة، فيجعلها الشرع في العم أو ابن العم.

والشارع الحكيم يوازن بين الأطراف، فيأخذ منك ويعطيك، فلماذا في حالة موت الوالد عن هؤلاء البنات، وليس لهُنَّ ميراث يَعُدْن على العم أو ابن العم بالنفقة ويقاضونه في المحاكم، فلماذا نحرمهم حقوقهم ونطالب نحن بحقوقنا، فهذا نوع من التغفيل.

لماذا لا نعطي العم أو ابن العم وهو الذي سيحمي البنات ويسهر على راحتهن، ويقف بجوارهن حال شدتهن؟

إيَّاك - إذن - أنْ تُدخِل الأقارب في الزكاة، أو تربط مساعدتهم بالقدرة؛ لأن لهم عليك حقاً حال رخائك وحال شدتك.

ويكفي أن الحق سبحانه خصَّهم بقوله { ذَا ٱلْقُرْبَىٰ... } [الروم: 38] ولم يقُلْ: ذا المسكنة، أو ذا السبيل، وكلمة (ذو) بمعنى صاحب، تدل على المصاحبة الدائمة والملازمة، فلا نقول: فلان ذو علم لمن علم قضية أو قضيتين، إنما لمن اتصف بالعلم الوسع وتمكَّن منه، كذلك لا نقول فلان ذو خلق إلا إذا كان الخُلُق صفة ملازمة له لا تنفك عنه.ومن ذلك نقول: ذو القربى يعني ملاصقاً لك لا ينفك عنك، فيجب أنْ تراعي حقَّه عليك، فتجعل له نصيباً، حتى إنْ لم تكُنْ تملك نصاباً، وكذلك للمسكين وابن السبيل؛ لأن الله ذكرهم معاً في غير بند الزكاة، فدلَّ ذلك على أن لهم حقاً غير الزكاة الواجبة.

ونلحظ أن القرآن رتَّبهم حسب الأهمية والحاجة، فأولهم القريب لقرابته الثابتة منك، ثم المسكين وهو متوطن معروف لك، ثم ابن السبيل العابر الذي تراه يوماً ولا تراه بعد ذلك، فهو حسب موضعه من الحال.

والمسكين قد يتغير حاله، ويتيسر له الرزق فيُوسِّع الله عليه، وابن السبيل يعود إلى بلده، فالوصف الثابت لذي القربى؛ لذلك وصفه الله تعالى بما يدل على الثبات.

ثم قال { حَقَّهُ... } [الروم: 38] فالحق ملازم له وهو أَوْلَى به، لذلك لم يَقُل مثلاً: وآت ذا القربى حقه، والمسكين، وابن السبيل حقوقهم.

وقد مثَّلوا لذلك بقولهم: قال الأمير: يدخل عليَّ فلان، وفلان، وفلان، فالإذن بالدخول للأول يتبعه في ذلك االباقون.

إذن: لهؤلاء الثلاثة خصوصية، فقد أمرك الله أنْ تعطيهم من لحمك، وألاّ تربطهم بالزكاة ولا ببسط الرزق، أما باقي السبعة المستحقون للزكاة فلم يُلزمك نحوهم بشيء غير الزكاة المفروضة.

ولما حدث نقاش بين العلماء حول المراد بالمسكين والفقير، أيهما أحوج من الآخر؟ قالوا: المسكين مَنْ له مال، ولكن لا يكفيه، واستشهد أبو حنيفة على هذا المعنى بقوله تعالى:
{  أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ... }
[الكهف: 79] فأثبت لهم ملكية وسماهم مساكين. أما الفقير فهو الذي لا شيء له، وعلى هذا فالفقير أحوج من المسكين، فيدخل في هذه الآية من باب أَوْلَى.

وقوله تعالى: { ذَلِكَ... } [الروم: 38] أي: الإيفاء لهؤلاء { خَيْرٌ... } [الروم: 38] كلمة خير تُطلَق في اللغة، ويُراد بها أحد معنيين: مرة نقول خير ويقابلها شر كما في قوله تعالى:
{  فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }
[الزلزلة: 7-8]، ومرة نقول: خير ونقصد الأخْير كالأحسن أي: أفعل تفضيل، كما جاء في قول الشاعر:
زَيْدٌ خِيَارُ النَّاسِ وابْنُ الأَخْير   
لكن الشائع أن تُستعمل خير في أفعل التفضيل كقول النبي صلى الله عليه وسلم: " المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير " فخَيْر الأولى بمعنى أخير. لكن لمن؟

{ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } [الروم: 38] أي: في الوفاء بحقِّ ذي القربى والمسكين وابن السبيل، يريد بذلك وجه الله، لا يريد رياءً ولا سمعة؛ لأن الذي يفعل خيراً يأخذ أجره مِمَّن فعل من أجله، فمَنْ عمل لله مخلصاً فأجره على الله، ومَنْ عمل للناس رياءً وسمعةَ فليأخذ أجره منهم.وهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بقوله:
{  وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }
[النور: 39] أي: فوجيء بوجود إله لم يكُنْ في باله ولم يعمل من أجله.

فمعنى { يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ... } [الروم: 38] أي: يقصدون بعملهم وجه الله، سواء رآه الناس، أو أخفى عمله، حتى لا تعلم شماله ما صنعتْ يمينه؛ لأن الأمر قائم على النية، فقد تعطي أمام الناس ونيتك أنْ يتأسَّوْا بك، أو لتكُفَّ عنك ألسنتهم وقدحهم في حقك.

وحين تعطي علانية بنية خالصة لله فإنها صدقة مخصِّبة للعطاء، مخصِّبة للأجر؛ لأنك ستكون أُسْوة لغيرك فيعطي، ويكون لك من الأجر مثله؛ لأن مَنْ سَنَّ حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة.

والقرآن عرض علينا هذه القضية في قوله تعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ... }
[البقرة: 264].

ثم يعطينا مثلاً توضيحياً:
{  فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ }
[البقرة: 264].

فمثَل المرائي كهذا الحجر الناعم الأملس حين يصيبه المطر، وعليه طبقة من التراب يزيحها المطر، ويبقى هو صَلْداً ناعماً لا يحتفظ بشيء، ولا ينبت عليه شيء.

وهذا المثَل يُجسِّد لنا خيبة سَعْي المرائي، وأنه مغفل، سعى واجتهد فانتفع الناس بسَعْيه، وتعدّى خيره إلى غيره، وخرج هو خالي الوفاض من الخير ومن الثواب.

ثم يذكر الحق سبحانه المقابل:
{  وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }
[البقرة: 265].

فالصدقة ابتغاء وجه الله كالأرض الخِصْبة حين ينزل عليها المطر، فيأتي نباتها مضاعفاً مباركاً فيه، فإنْ لم يكُمْ مطر كفاها الطَّل لتنبت وتُؤتي ثمارها، ولو قال: كمثل جنة لكانت كافية لكنها
{  جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ... }
[البقرة: 265] يعني: على مكان مرتفع ليدلَّ على خصوبتها، فكلما كانت الأرض مرتفعة زادتْ خصوبتها، وخلَتْ من المياه الجوفية التي تؤثر على النبات.

وهذه الجنة تُرْوى بالمطر يأتيها من أعلى، فيغسل الأوراق والغصون، فتزيد نضارتها وجودتها، والأوراق هي رئة النبات.

والله تعالى يترك لآثار الذات في الناس تذكرةً وعبرة، فواحد يفعل الخير بآخر ليشتريه به، أو ليُخضع عنقه بهذا الجميل، فتكون النتيجة الطبيعية أنْ ينكر الآخر جميله، بل ويكرهه ويحقد عليه، وهذا جزاء وفاقٌ لمن عمل العمل لغير وجه الله.

وهو معنى قولهم: اتَّقِ شر مَنْ أحسنتَ إليه، لماذا؟ لأنه حين يراك يتذكر ما لك من يَد عليه، وما لك من فضل، فيخزي ويشعر بالذلة؛ لأن وجودك يدكُّ كبرياءه؛ لذلك يكره وجودك، ويكره أنْ يراك.فالحق سبحانه يقول: احذروا أنْ تُبطلوا المعروف بالرياء، أو بالأغراض الدنية؛ لأن معروفك هذا سيُنَكر، وسينقلب ما قدمتَ، من خير شراً عليك. إذن: عليكم بالنظر في أعمالكم إلى وجه الله لا إلى غيره، فإنْ حدث وأنكر جميلك فجزاؤك محفوظ عند الله، وكأن ربك - عز وجل - يغار عليك، ويريد أنْ يحفظ لك الجميل ويدخره عنده.

وهذا المعنى عبَّر عنه الشاعر بقوله:
أقُولُ لأصْحاب المرٌوءَاتِ قَوْلةً   تُريحهُمُ إنْ أحسَنُوا وتفضَّلُوا
يَسيرُ ذوو الحَاجَاتِ خَلْفَكَ خُضَّعاً   فَإِنْ أدْركُوها خلَّفُوكَ وهَرْوَلُوا
فَلا تَدعِ المعْروفَ مهما تنكَّروا   فَإِنَّ ثوابَ الله أربى وأجْزَلُ
وسبق أنْ ذكرتُ قصة الرجل الذي قابلنا في الطريق ونحن في الجزائر، فأشار لنا لنوصله في طريقنا، فتوقف صاحب السيارة وفتح له الباب، لكنه قبل أنْ يركب قال (على كام)؟ يعني: ثمن توصيله. فقال صاحب السيارة: لله. فقال الرجل (غَلِّتها يا شيخ).

لذلك يقول بعض العارفين: إن الذين يريدون بأعمالهم وجه الله هم الذين يُغْلون أعمالهم، أي: يرفعون قيمتها، ويضاعفون ثوابها.

وقوله تعالى: { فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ... } [الروم: 38] بعد قوله:
{  وَيَقْدِرُ... }
[الروم: 37] يدل في ظاهره على أنه يأخذ منك مع أنك مُقِلٌّ، وهذا يدخل في إطار قوله تعالى:
{  وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ... }
[الحشر: 9].

وقلنا: إن الشارع حكيم، فإذا ألزمك وأخذ منك فإنما ذلك ليعطيك إنْ احتجت، وكأنه يقول لك: اطمئن فقد أمَّنْتُ لك حياتك، إن أصابك الفقر، أو كنت في يوم من الأيام مسكناً أو ابن سبيل، فكما فعلتَ سيُفعل بك.

وهذه المسألة واضحة في كفالة اليتيم، فلو أن المجتمع الإيماني عوَّضه عن أبيه عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة " لاطمأنَّ كلُّ أب على أولاده إنْ مات وتركهم؛ لأنهم في مجتمع يُعوضهم عن أبيهم بآباء كثيرين.

والإنسان إنْ كان آمناً مُنعَّماً، فإنما يُنغِّص هذه النعمة أنها عُرْضة لأنْ تزول، فيريد الله أنْ يُؤمِّن لعبده الحياة الكريمة في امتداده من بعده، وهذا هو التأمين الحق الذي أرسله الله قضية تأمينية في الكون، ليست في شركات التأمين، إنما في يده سبحانه حيث قال:
{  وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً }
[النساء: 9] فإذا اتقوا الله وقالوا القول السديد، فإن يتيمهم يصادف أناساً يكفلونه، ويخافون عليه، ويتولَّوْن أمره.

وسبق أنْ تعرَّضْنا في سورة الكهف لقصة الجدار الذي تبرع الخضر - عليه السلام - ببنائه مع أنه في قرية أهلها لئام منعوهم حتى الطعام. وقلنا: إن سؤال الطعام هو أصدق سؤال، ولا يُرَدُّ سائله، ومع ذلك بناه الخضر، وقال في بيان أمر الجدار:
{  وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً... }
[الكهف: 82].

فصلاح الأبويْن ينفع الغلامين، فيُسخِّر الله لهما مَنْ يبني لهما الجدار، ويحافظ لهما على كنزهما حتى يكبرا، ويستطيعا حمايته من هؤلاء اللئام الذين إذا علموا بأمره نهبوه من هذْين الصغيريْن.

ثم يحدثنا الحق سبحانه عن الفارق بين الهدية والصدقة، فيقول: { وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ... }.


www.alro7.net