سورة
اية:

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَىٰ مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه، وعرضه ما آتاهما اللّه من المعجزات الباهرة والدلالة القاهرة، على صدقهما فيما أخبرا به عن اللّه عزّ وجلّ، من توحيده واتباع أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من عند اللّه، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق، فقالوا: { ما هذا إلا سحر مفترى} أي مفتعل مصنوع، وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه، وقوله: { وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} يعنون عبادة اللّه وحده لا شريك له، ويقولون ما رأينا أحداً من آبائنا على هذا الدين، ولم نر الناس إلا يشركون مع اللّه آلهة أخرى، فقال موسى عليه السلام مجيباً لهم: { ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده} يعني مني ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم، ولهذا قال: { ومن تكون له عاقبة الدار} أي من النصرة والظفر والتأييد، { إنه لا يفلح الظالمون} أي المشركون باللّه عزّ وجلّ.

تفسير الجلالين

{ وقال } بواو وبدونها { موسى ربي أعلم } عالم { بمن جاء بالهدى من عنده } الضمير للرب { ومن } عطف على من قبلها { تكون } بالفوقانية والتحتانية { له عاقبة الدار } أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة أي هو أنا في الشقين فأنا محق فيما جئت به { إنه لا يفلح الظالمون } الكافرون.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَم بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْده وَمَنْ تَكُون لَهُ عَاقِبَة الدَّار إِنَّهُ لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَقَالَ مُوسَى } مُجِيبًا لِفِرْعَوْن : { رَبِّي أَعْلَم } بِالْمُحِقِّ مِنَّا يَا فِرْعَوْن مِنْ الْمُبْطِل , وَمَنْ الَّذِي جَاءَ بِالرَّشَادِ إِلَى سَبِيل الصَّوَاب وَالْبَيَان عَنْ وَاضِح الْحُجَّة مِنْ عِنْده , وَمَنْ الَّذِي لَهُ الْعُقْبَى الْمَحْمُودَة فِي الدَّار الْآخِرَة مِنَّا . وَهَذِهِ مُعَارَضَة مِنْ نَبِيّ اللَّه مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِفِرْعَوْن , وَجَمِيل مُخَاطَبَة , إِذْ تُرِكَ أَنْ يَقُول لَهُ : بَلْ الَّذِي غَرَّ قَوْمه وَأَهْلك جُنُوده , وَأَضَلَّ أَتْبَاعه أَنْتَ لَا أَنَا , وَلَكِنَّهُ قَالَ : { رَبِّي أَعْلَم بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْده , وَمَنْ تَكُون لَهُ عَاقِبَة الدَّار } ثُمَّ بَالَغَ فِي ذَمّ عَدُوّ اللَّه بِأَجْمَل مِنْ الْخِطَاب فَقَالَ : { إِنَّهُ لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ } يَقُول : إِنَّهُ لَا يَنْجَح وَلَا يُدْرِك طُلْبَتهمْ الْكَافِرُونَ بِاَللَّهِ تَعَالَى , يَعْنِي بِذَلِكَ فِرْعَوْن إِنَّهُ لَا يُفْلِح وَلَا يَنْجَح لِكُفْرِهِ بِهِ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَم بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْده وَمَنْ تَكُون لَهُ عَاقِبَة الدَّار إِنَّهُ لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَقَالَ مُوسَى } مُجِيبًا لِفِرْعَوْن : { رَبِّي أَعْلَم } بِالْمُحِقِّ مِنَّا يَا فِرْعَوْن مِنْ الْمُبْطِل , وَمَنْ الَّذِي جَاءَ بِالرَّشَادِ إِلَى سَبِيل الصَّوَاب وَالْبَيَان عَنْ وَاضِح الْحُجَّة مِنْ عِنْده , وَمَنْ الَّذِي لَهُ الْعُقْبَى الْمَحْمُودَة فِي الدَّار الْآخِرَة مِنَّا . وَهَذِهِ مُعَارَضَة مِنْ نَبِيّ اللَّه مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِفِرْعَوْن , وَجَمِيل مُخَاطَبَة , إِذْ تُرِكَ أَنْ يَقُول لَهُ : بَلْ الَّذِي غَرَّ قَوْمه وَأَهْلك جُنُوده , وَأَضَلَّ أَتْبَاعه أَنْتَ لَا أَنَا , وَلَكِنَّهُ قَالَ : { رَبِّي أَعْلَم بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْده , وَمَنْ تَكُون لَهُ عَاقِبَة الدَّار } ثُمَّ بَالَغَ فِي ذَمّ عَدُوّ اللَّه بِأَجْمَل مِنْ الْخِطَاب فَقَالَ : { إِنَّهُ لَا يُفْلِح الظَّالِمُونَ } يَقُول : إِنَّهُ لَا يَنْجَح وَلَا يُدْرِك طُلْبَتهمْ الْكَافِرُونَ بِاَللَّهِ تَعَالَى , يَعْنِي بِذَلِكَ فِرْعَوْن إِنَّهُ لَا يُفْلِح وَلَا يَنْجَح لِكُفْرِهِ بِهِ.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات} أي ظاهرات واضحات { قالوا ما هذا إلا سحر مفترى} مكذوب مختلق { وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} أي في الأمم الماضية؛ قال ابن عباس. والباء في { بهذا} زائدة؛ أي ما سمعنا هذا كائنا في أبائنا الأولين، وقيل : إن هذه الآيات وما احتج به موسى في إثبات التوحيد من الحجج العقلية وقيل : هي معجزاته. قوله تعالى: { وقال موسى} قراءة العامة بالواو وقرأ مجاهد وابن كثير وابن محيصن { قال} بلا واو؛ وكذلك هو في مصحف أهل مكة { ربي أعلم بمن جاء بالهدى} أي بالرشاد. { من عنده} { ومن تكون له} قرأ الكوفيون إلا عاصما { يكون} بالياء والباقون بالتاء وقد تقدم هذا { عاقبة الدار} أي دار الجزاء { إنه} الهاء ضمير الأمر والشأن { لا يفلح الظالمون} . قوله تعالى: { وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} قال ابن عباس : كان بينها وبين قوله { أنا ربكم الأعلى} النازعات 24] أربعون سنة، وكذب عدو الله بل علم أن له ثم ربا هو خالقه وخالق قومه { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } الزخرف 87 . { فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى} أي أطبخ لي الآجر؛ عن ابن عباس رضي الله عنه وقال قتادة : هو أول من صنع الآجر وبنى به ولما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع هامان العمال - قيل خمسين ألف بناء سوى الأتباع والأجراء - وأمر بطبخ الآجر والجص، ونشر الخشب وضرب المسامير، فبنوا ورفعوا البناء وشيدوه بحيث لم يبلغه بنيان منذ خلق الله السموات والأرض، فكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه، حتى أراد الله أن يفتنهم فيه فحكى السدي : أن فرعون صعد السطح ورمى بنشابة نحو السماء، فرجعت متلطخة بدماء، فقال قد قتلت إله موسى فروي أن جبريل عليه السلام بعثه الله تعالى عند مقالته، فضرب الصرح بجناحه فقطعه ثلاث قطع؛ قطعة على عسكر فرعون قتلت منهم ألف ألف، وقطعة في البحر، وقطعة في الغرب، وهلك كل من عمل فيه شيئا والله أعلم بصحة ذلك. { وإني لأظنه من الكاذبين} الظن هنا شك، فكفر على الشك؛ لأنه قد رأى من البراهين ما لا يخيل على ذي فطرة. قوله تعالى: { واستكبر} أي تعظم { هو وجنوده} أي تعظموا عن الإيمان بموسى { بغير الحق} أي بالعدوان، أي لم تكن له حجة تدفع ما جاء به موسى { وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} أي توهموا أنه لا معاد ولا بعث. وقرأ نافع وابن محيصن وشيبة وحميد ويعقوب وحمزة والكسائي { لا يرجعون} بفتح الياء وكسر الجيم على أنه مسمى الفاعل الباقون { يرجعون} على الفعل المجهول وهو اختيار أبي عبيد، والأول اختيار أبي حاتم. { فأخذناه وجنوده} وكانوا ألفي ألف وستمائة ألف { فنبذناهم في اليم} أي طرحناهم في البحر المالح. قال قتادة : بحر من وراء مصر يقال له إساف أغرقهم الله فيه وقال وهب والسدي : المكان الذي أغرقهم الله فيه بناحية القلزم يقال له بطن مريرة، وهو إلى اليوم غضبان وقال مقاتل، يعني نهر النيل وهذا ضعيف والمشهور الأول. { فانظر} يا محمد { كيف كان عاقبة الظالمين} أي آخر أمرهم. قوله تعالى: { وجعلناهم أئمة} أي جعلناهم زعماء يتبعون على الكفر، فيكون عليهم وزرهم ووزر من اتبعهم حتى يكون عقابهم أكثر وقيل : جعل الله الملأ من قومه رؤساء السفلة منهم، فهم يدعون إلى جهنم وقيل : أئمة يأتم بهم ذوو العبر ويتعظ بهم أهل البصائر { يدعون إلى النار} أي إلى عمل أهل النار { ويوم القيامة لا ينصرون} . { وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} أي أمرنا العباد بلعنهم فمن ذكرهم لعنهم وقيل : أي ألزمناهم اللعن أي البعد عن الخير { ويوم القيامة هم من المقبوحين} أي من المهلكين الممقوتين قاله ابن كيسان وأبو عبيدة وقال ابن عباس : المشوهين الخلقة بسواد الوجوه وزرقة العيون وقيل : من المبعدين يقال : قبحه الله أي نحاه من كل خير، وقبَحَه وقبّحه إذا جعله قبيحا وقال أبو عمرو : قبحت وجهه بالتخفيف معناه قبحت قال الشاعر : ألا قبح الله البراجم كلها ** وقبح يربوعا وقبح دارما وانتصب يوما على الحمل على موضع { في هذه الدنيا} واستغنى عن حرف العطف في قوله { من المقبوحين} كما استغنى عنه في قوله { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} الكهف 22 ويجوز أن يكون العامل في { يوم} مضمرا يدل عليه قوله { هم من المقبوحين} فيكون كقوله { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين} الفرقان 22 ويجوز أن يكون العامل في { يوم} قوله { هم من المقبوحين} وإن كان الظرف متقدما ويجوز أن يكون مفعولا على السعة، كأنه قال : وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 31 - 38

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وتأمل هنا اللين وأدب الجدل عند موسى - عليه السلام - فلم يرد عليهم بالقسوة التي سمعها منهم ولم يتهمهم كما اتهموه، إنما ردّ بهذا الأسلوب اللَّبِق، وبهذا الإيحاء: { رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ... } [القصص: 37] ولم يقُلْ: إني جئت بالهدى.

ثم قال: { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ } [القصص: 37] سواء كنا نحن أم أنتم، ولم يقُلْ: أنتم الظالمون، لقد أطلق القضية، وترك للعقول أنْ تميز.

ومعنى { عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ.. } [القصص: 37] الدار يعني: الدنيا وعاقبتها تعني: الآخرة.

وهذا الأدب النبوي في الجدل والحوار رأيناه في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كفار مكة والمعاندين له، وقد خاطبه ربه:
{  وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ... }
[العنكبوت: 46].

والعلَّة أنك ستُخرجهم من الباطل الذي أحبوه وأَلفوه إلى الحق الذي يكرهون، فلا تجمع عليهم شدتين، لذلك في أشد ما كان إيذاء الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ".

ورحم الله شوقي الذي صاغ هذه المسألة في عبارة موجزة فقال: (النُّصْح ثقيل فلا ترسله جبلاً، ولا تجعله جدلاً) فنُصْحك معناه أنك تقول لمن أمامك: أنت على خطأ وأنا على صواب. فلكي يسمع لك لا بُدَّ أنْ تستميله أولاً إليك ليقبل منك، ولا تجرح مشاعره فيزداد عناداً ومكابرة، وما أشبه صاحب الخطأ بالمريض الذي يحتاج لمن يأخذ بيده، ويأسو مرضه.

وقد مثَّلوا لذلك بشخص يغرق، وصاحبه على الشاطيء يلومه على نزوله البحر، وهو لا يجيد السباحة، فقال له: (آسِ ثم انصح) انقذني أولاً وأدركني، ثم قُلْ ما شئتَ.

وقال آخر: الحقائق مُرَّة، فاستعيروا لها خِفَّة البيان.

أما إنْ يئس الناصح من استجابة المنصوح كما في قصة نبي الله نوح عليه السلام، والذي ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فالأمر يختلف. فالنبي صبر على قومه علَّهم يثوبون إلى رشدهم، أو لعلهم ينجبون الذرية الصالحة التي تقبل ما رفضه الآباء.

فما أطولَ صبر نوح على قومه، وما أعظمَ أدبه في الحوار معهم وهو يقول لهم وقد اتهموه بالكذب والافتراء:
{  قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ }
[هود: 35].

فنسب الإجرام إلى نفسه ليُسوِّي نفسه بهم لعلَّه يستميل قلوبهم، لكن، لما كان في علم الله تعالى أنهم لن يؤمنوا، ولا فائدة منهم، ولا من أجيالهم المتعاقبة، وبعد أنْ قضى نوح في دعوتهم هذا العمر المديد أمره الله أن يدعو عليهم، حيث لا أملَ في هدايتهم، فقال:


{  رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً }
[نوح: 26-27].

ومحمد صلى الله عليه وسلم يقول في محاورته مع كفار مكة:
{  قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ }
[سبأ: 25].

سبحان الله ما هذا التواضع، وهذا الأدب الجم في استمالة القوم، ينسب الإجرام إلى نفسه وهو رسول الله، وحينما يتكلم عنهم يقول
{  تَعْمَلُونَ }
[سبأ: 25] فيُسمِّي إجرامهم وإيذاءهم وكفرهم عملاً، ولو قال كما قال أخوه لكان تواضعاً منه صلى الله عليه وسلم.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ... }.


www.alro7.net