سورة
اية:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ.....} الآية [36].
قال مقاتل والكلبي: نزلت في المُطْعِمِينَ يوم "بدر" وكانوا اثنى عشر رجلاً: أبو جهل بن هشام، وعُتْبة وشَيْبة ابنا ربيعة، ونُبَيْه ومُنَبِّه ابنا حجَّاج، وأبو البَخْتَرِي بن هشام، والنَّضْر بن الحارث، وحَكِيم بن حِزَام، وأُبيّ بن خلَف، وزمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نَوْفَل، والعباس بن عبد المطلب، وكلهم من قريش، وكان يطعم كلّ واحد منهم كل يوم عشر جرائر.
وقال سعيد بن جُبَيْر وابن أبْزَى: نزلت في أبي سفيان بن حرب، استأجر يوم أحد ألفين من الأحَابِيش يقاتل بهم النبي صلى الله عليه وسلم سوى من استحباب له من العرب، وفيهم يقول كَعْبُ بن مالك:
فجئنا إِلى مَوْجٍ من البحر وَسْطَهُ * أحابِيشُ منهم حاسِرٌ وَمُقَنَّعُ
ثلاثةُ آلافٍ ونَحْنُ نَصِيَّــةٌ * ثَلاَثُ مِئينَ إِنْ كَثُرْنَا فأرْبَعُ
وقال الحكم بن عُتَيبة: أنفق أبو سفيان على المشركين يوم أحد أربعين أوقية [من الذهب]، فنزلت فيه [هذه] الآية.
وقال محمد بن إسحاق عن رجاله: لما أصيبت قريش يوم بدر فرجع فَلُّهُم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيرهم- مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعِكْرِمة بن أبي جهل، وصَفْوان بن أمَيّة، في رجال من قريش أُصِيبَ آباؤُهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلّموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمداً قد وَتَرَكُم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال الذي أَفْلَتَ على حربه، لعلنا ندرك منه ثأراً بمن أُصيب منا. ففعلوا، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.

تفسير بن كثير

قال محمد بن إسحاق: لما أصيب قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد اللّه بن أبي ربيعة و عكرمة بن أبي جهل و صفوان بن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا، ففعلوا، قال: ففيهم أنزل اللّه عزَّ وجلَّ: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم - إلى قوله - هم الخاسرون} في اللباب: أخرج ابن جرير أنها نزلت في أبي سفيان استأجر يوم أُحُد ألفين من الأحابيش ليقاتل بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقال الضحاك: نزلت في أهل بدر، وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصاً، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدون عن اتباع الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم، ثم تكون عليهم حسرة أي ندامة، حيث لم تجد شيئاً لأنهم أرادوا إطفاء نور اللّه وظهور كلمتهم على كلمة الحق، واللّه متم نوره ولو كره الكافرون، فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم رأى بعينه وسمه بأذنه ما يسوؤه، ومن قتل منهم أو مات فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي، ولهذا قال: { فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} ، وقوله تعالى: { ليميز اللّه الخبيث من الطيب} قال ابن عباس: يميز أهل السعادة من أهل الشقاء، وقال السدي: يميز المؤمن من الكافر؛ وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة، كقوله: { ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم} الآية، وقوله: { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} ، وقال في الآية الأخرى: { يومئذ يصدعون} ، وقال تعالى: { وامتازوا اليوم أيها المجرمون} ، ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، أي: إنما أقدرناهم على ذلك { ليميز اللّه الخبيث من الطيب} أي من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك، كقوله: { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن اللّه وليعلم المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا} الآية، وقال تعالى: { ما كان اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} الآية، فمعنى الآية على هذا إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك { ليميز اللّه الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه} أي يجعله كله، وهو جمع الشيء بعضه على بعض كما قال تعالى في السحاب { ثم يجعله ركاما} أي متراكماً متراكباً، { فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} أي هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.

تفسير الجلالين

{ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم } في حرب النبي صلى الله عليه وسلم { ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون } في عاقبة الأمر { عليهم حسرة } ندامة لفواتها وفوات ما قصدوه { ثم يغلبون } في الدنيا { والذين كفروا } منهم { إلى جهنم } في الآخرة { يحشرون } يساقون .

تفسير القرطبي

ومعنى { ليميز الله الخبيث من الطيب} أي المؤمن من الكافر. وقيل : هو عام في كل شيء، من الأعمال والنفقات وغير ذلك.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانفال الايات 30 - 36

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ويبين المولى في هذه الآية أن هؤلاء المشركين قد كفروا بالله وصرفوا المال ليصدوا عن سبيل الله فلم يتحقق لهم ما أرادوا ولم يأت ذلك الأمر بأدنى نتيجة، وكأن الحق يغري الكافر بأن يتمادى في الإنفاق ضد الإيمان، فيخسر الكافر ماله ويتجرع آلام الحسرة؛ لأن الله يغلبه من بعد ذلك.

وحين سمعوا قول الله سبحانه وتعالى:

{ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } [الأنفال: 36].

لم ينتبهوا إلى أن الحق سبحانه يتحدث عن المستقبل، وأنه مهما أنفق الكفار ضد دين الله فلن يصلوا إلى أية نتيجة، ومصداق الأحداث يؤكد أن كلَّ ما يجيء به القرآن الكريم حق.

ولماذا لم ينتبهوا إلى ذلك؟ ولم يدخروا أموالهم؛ وقد نصر الله دينه؟.

إذن هذا هو فعل من فقد البصيرة والذكاء. وحين يأتي القرآن الكريم بقول الله تعالى: " فسينفقونها " أي أن الإنفاق سيكون في المستقبل، والاستقبال له مرحلتان؛ استقبال قريب، واستقبال بعيد. فإن كان الاستقبال قريباً فهو يقول: " فسينفقونها " ، وأما إن كان بعيداً فيقول: فسوف ينفقونها مثلما قال القرآن أيضاً:
{  سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا }
[البقرة: 142].

وقد أعلمنا القرآن صلاة من رسول الله، وجهرا من الصحابة بالخبر، وأعلمهم القرآن الكريم أيضا، ولكنهم لم يلتفتوا إلى التحذير الذي صار من بعد ذلك خبراً يروي دليل افتقادهم لصفاء الفطرة.؛ لذلك تجيء لهم الحسرة بعد أن أنفقوا المال، وخسروه فلم يستفيدوا شيئاً ولم يحققوا مرادهم ولا آمالهم. ويتابع سبحانه وتعالى تذييل هذه الآية فيقول:

{ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } [الأنفال: 36].

وحينما يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن الأمور التي تحدث للكفار من عذاب عظيم في جهنم، فسبحانه لا يريد بهذا الحديث أن يجعل مأواهم النار، لكنه يخوفهم ويرهبهم من الكفر ويدعوهم إلى الإيمان، ويحضهم على ألا يكونوا كافرين حتى لا يحشروا في جهنم.

ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ...]


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net