سورة
اية:

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

تفسير بن كثير

يقول عزَّ وجلَّ: { ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى اللّه} أي دعا عباد اللّه إليه { وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} أي وهو في نفسه مهتد فنفعه لنفسه ولغيره، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، بل يأتمر بالخير ويترك الشر، وهذه عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد، وقيل: المراد بها المؤذنون الصلحاء، كما ثبت في صحيح مسلم: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)، وقال عمر رضي اللّه عنه: لو كنت مؤذناً لكمل أمري، وما باليت ألا أنتصب لقيام الليل ولا لصيام النهار، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (اللهم اغفر للمؤذنين) ثلاثاً، قال: فقلت: يا رسول اللّه تركتنا ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف، قال صلى اللّه عليه وسلم: (كلا يا عمر، إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم، وتلك لحوم حرمها اللّه عزَّ وجلَّ على النار لحوم المؤذنين) ""أخرجه ابن أبي حاتم"". وقالت عائشة رضي اللّه عنها في قوله تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى اللّه وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} قالت: فهو المؤذن إذا قال: حي على الصلاة فقد دعا إلى اللّه، وهكذا قال ابن عمر رضي اللّه عنهما وعكرمة: إنها نزلت في المؤذنين، والصَّحيح أن الآية عامة في المؤذنين وغيرهم، فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعاً بالكلية، لأنها مكية، والأذان إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة، وقوله تعالى: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} أي فرق عظيم بين هذه وبين هذه، { ادفع بالتي هي أحسن} أي من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه، كما قال عمر رضي اللّه عنه: ما عاقبت من عصى اللّه فيك بمثل أن تطيع اللّه فيه. وقوله عزَّ وجلَّ: { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} وهو الصديق أي إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك حتى يصير { كأنه ولي حميم} أي قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك، ثم قال عزَّ وجلَّ: { وما يلقاها إلا الذين صبروا} أي وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك، فإنه يشق على النفوس، { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} أي ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة، قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر اللّه المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم اللّه من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم، وقوله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ باللّه} أي أن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس، إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك، فإذا استعذت باللّه والتجأت إليه كفه عنك ورد كيده، وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يقول:(أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه) ""رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن"".

تفسير الجلالين

{ وإما } فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة { ينزغنك من الشيطان نزغ } أي يصرفك عن الخصلة وغيرها من الخير صارف { فاستعذ بالله } جواب الشرط وجواب الأمر محذوف، أي يدفعه عنك { إنه هو السميع } للقول { العليم } بالفعل .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَان نَزْع فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ } . .. الْآيَة , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِمَّا يُلْقِيَنَّ الشَّيْطَان يَا مُحَمَّد فِي نَفْسك وَسْوَسَة مِنْ حَدِيث النَّفْس إِرَادَة حَمْلك عَلَى مُجَازَاة الْمُسِيء بِالْإِسَاءَةِ , وَدُعَائِك إِلَى مَسَاءَته , فَاسْتَجِرْ بِاللَّهِ وَاعْتَصِمْ مِنْ خُطُوَاته , إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع لِاسْتِعَاذَتِك مِنْهُ وَاسْتِجَارَتك بِهِ مِنْ نَزَغَاته , وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامك وَكَلَام غَيْرك , الْعَلِيم بِمَا أَلْقَى فِي نَفْسك مِنْ نَزَغَاته , وَحَدَّثَتْك بِهِ نَفْسك وَبِمَا يُذْهِب ذَلِكَ مِنْ قِبَلِكَ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُورك وَأُمُور خَلْقه , كَمَا : 23581 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَان نَزْغ } قَالَ : وَسْوَسَة وَحَدِيث النَّفْس { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَان الرَّجِيم } . 23582 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَان نَزْغ } هَذَا الْغَضَب . وَقَوْله : { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَان نَزْع فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ } . .. الْآيَة , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِمَّا يُلْقِيَنَّ الشَّيْطَان يَا مُحَمَّد فِي نَفْسك وَسْوَسَة مِنْ حَدِيث النَّفْس إِرَادَة حَمْلك عَلَى مُجَازَاة الْمُسِيء بِالْإِسَاءَةِ , وَدُعَائِك إِلَى مَسَاءَته , فَاسْتَجِرْ بِاللَّهِ وَاعْتَصِمْ مِنْ خُطُوَاته , إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع لِاسْتِعَاذَتِك مِنْهُ وَاسْتِجَارَتك بِهِ مِنْ نَزَغَاته , وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامك وَكَلَام غَيْرك , الْعَلِيم بِمَا أَلْقَى فِي نَفْسك مِنْ نَزَغَاته , وَحَدَّثَتْك بِهِ نَفْسك وَبِمَا يُذْهِب ذَلِكَ مِنْ قِبَلِكَ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُورك وَأُمُور خَلْقه , كَمَا : 23581 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَان نَزْغ } قَالَ : وَسْوَسَة وَحَدِيث النَّفْس { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَان الرَّجِيم } . 23582 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَان نَزْغ } هَذَا الْغَضَب . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا} هذا توبيخ للذين تواصوا باللغو في القرآن. والمعنى : أي كلام أحسن من القرآن، ومن أحسن قولا من الداعي إلى الله وطاعته وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن سيرين والسدي وابن زيد والحسن : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول : هذا رسول الله، هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا والله أحب أهل الأرض إلى الله؛ أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه. وقالت عائشة رضي الله عنها وعكرمة وقيس بن أبي حازم ومجاهد : نزلت في المؤذنين. قال فضيل بن رفيدة : كنت مؤذنا لأصحاب عبدالله بن مسعود، فقال لي عاصم بن هبيرة : إذا أذنت فقلت : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فقل وأنا من المسلمين؛ ثم قرأ هذه الآية؛ قال ابن العربي : الأول أصح؛ لأن الآية مكية والأذان مدني؛ وإنما يدخل فيها بالمعنى؛ لا أنه كان المقصود وقت القول، ويدخل فيها أبو بكر الصديق حين قال في النبي صلى الله عليه وسلم وقد خنقه الملعون { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} [غافر : 28] وتتضمن كل كلام حسن فيه ذكر التوحيد والإيمان. قلت : وقول ثالث وهو أحسنها؛ قال الحسن : هذه الآية عامة في كل من دعا إلى الله. وكذا قال قيس بن أبي حازم قال : نزلت في كل مؤمن. قال : ومعنى { وعمل صالحا} الصلاة بين الأذان والإقامة. وقاله أبو أمامة؛ قال : صلي ركعتين بين الأذان والإقامة. وقال عكرمة: { وعمل صالحا} صلى وصام. وقال الكلبي : أدى الفرائض. قلت : وهذا أحسنها مع اجتناب المحارم وكثرة المندوب. والله أعلم. قوله تعالى: { وقال إنني من المسلمين} قال ابن العربي : وما تقدم يدل على الإسلام، لكن لما كان الدعاء بالقول والسيف يكون للاعتقاد ويكون للحجة، وكان العمل يكون للرياء والإخلاص، دل على أنه لا بد من التصريح بالاعتقاد لله في ذلك كله، وأن العمل لوجهه. مسألة : لما قال الله تعالى: { وقال إنني من المسلمين} ولم يقل له اشترط إن شاء الله، كان في ذلك رد على من يقول أنا مسلم إن شاء الله. قوله تعالى: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} قال الفراء { لا} صلة أي { ولا تستوي الحسنة والسيئة} وأنشد : ما كان يرضى رسول الله فعلهم ** والطيبان أبو بكر ولا عمر أراد أبو بكر وعمر؛ أي لا يستوي ما أنت عليه من التوحيد، وما المشركون عليه من الشرك. قال ابن عباس : الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الشرك. وقيل : الحسنة الطاعة، والسيئة الشرك. وهو الأول بعينه. وقيل : الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة. وقيل : الحسنة العفو، والسيئة الانتصار. وقال الضحاك : الحسنة العلم، والسيئة الفحش. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الحسنة حب آل الرسول، والسيئة بغضهم. { ادفع بالتي هي أحسن} نسخت بآية السيف، وبقي المستحب من ذلك : حسن العشرة والاحتمال والإغضاء. قال ابن عباس : أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك. وعنه أيضا : هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك. وكذلك يروى في الأثر : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ذلك لرجل نال منه. وقال مجاهد: { بالتي هي أحسن} يعني السلام إذا لقي من يعاديه؛ وقال عطاء. وقول ثالث ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في الأحكام وهو المصافحة. وفي الأثر : (تصافحوا يذهب الغل). ولم ير مالك المصافحة، وقد اجتمع مع سفيان فتكلما فيها فقال سفيان : قد صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفرا حين قدم من أرض الحبشة؛ فقال له مالك : ذلك خاص. فقال له سفيان : ما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصنا، وما عمه يعمنا، والمصافحة ثابتة فلا وجه لإنكارها. وقد روى قتادة قال قلت لأنس : هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : نعم. وهو حديث صحيح. وفي الأثر : (من تمام المحبة الأخذ باليد). ومن حديث محمد بن إسحاق وهو إمام مقدم، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانا يجر ثوبه - والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده - فاعتنقه وقبله. قلت : قد روي عن مالك جواز المصافحة وعليها جماعة من العلماء. وقد مضى ذلك في { يوسف} وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما). قوله تعالى: { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} أي قريب صديق. قال مقاتل : نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم، فصار له وليا بعد أن كان عدوا بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار وليا في الإسلام حميما بالقرابة. وقيل : هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره الله تعالى بالصبر عليه والصفح عنه؛ ذكره الماوردي. والأول ذكره الثعلبي والقشيري وهو أظهر؛ لقوله تعالى: { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} . وقيل : كان هذا قبل الأمر بالقتال. قال ابن عباس : أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم. وروي أن رجلا شتم قنبرا مولى علي بن أبي طالب فناداه علي يا قنبر دع شاتمك، واله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه. وأنشدوا : وللكف عن شتم اللئيم تكرما ** أضر له من شتمه حين يشتم وقال آخر : وما شيء أحب إلى سفيه ** إذا سب الكريم مـن الجواب متاركة السفيه بلا جواب ** أشد على السفيه من السباب وقال محمود الوراق : سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ** وإن كثرت منه لدي الجرائـم فما الناس إلا واحد من ثـــلاثة ** شريف ومشرف ومثل مقاوم فأما الذي فوقي فأعرف قـــدره ** واتبع فيه الحق والحق لازم وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ** إجابته عرضي وإن لام لائم وأما الذي مثلي فإن زل أو هــفا ** تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم { وما يلقاها} يعني هذه الفعلة الكريمة والخصلة الشريفة { إلا الذين صبروا} بكظم الغيظ واحتمال الأذى. وقيل : الكناية في { يلقاها} عن الجنة؛ أي ما يلقاها إلا الصابرون؛ والمعنى متقارب. { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} أي نصيب وافر من الخير؛ قال ابن عباس. وقال قتادة ومجاهد : الحظ العظيم الجنة. قال الحسن : والله ما عظم حظ قط دون الجنة. { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} تقدم في آخر { الأعراف} . { فاستعذ بالله} من كيده وشره { إنه هو السميع} لاستعاذتك { العليم} بأفعالك وأقوالك.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فُصّلت الايات 33 - 37

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ومن رحمة الله بنا أنه سبحانه لم يتركنا نهباً لهذا العدو الذي يتربص بنا، إنما أعطانا الحصانة التي نتحصَّن بها منه، فقال تعالى: { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ.. } [فصلت: 36] ذكَّره بالله القوي، فإنْ كنتَ أنتَ ضعيفاً أمامه فاستعِنْ عليه بالإله القوي، وساعةَ يراك في جنب الله لا يجرؤ أبداً عليك، لأنك داخل في هؤلاء الذين استثناهم
{  إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ }
[ص: 83].

وانتبه أنه لن يأتيك إلا على الصراط المستقيم ليفسده عليك، يأتيك في صلاتك ويُذكِّرك بما لم يكًُنْ لك على بال، وبأهم الأمور عندك في الدنيا، المهم عنده أنْ يفسد عليك الآخرة بأي ثمن.

فإذا وجدتَ في نفسك شيئاً من نَزْغه ووسوسته فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُلْها في كل حال يأتيك فيه إبليس وأنت تصلي، وأنت تقرأ القرآن، وأنت في أيّ عبادة من العبادات.

لك أنْ تقول هذه الكلمة وهي لا تُخرجك من عبادتك على أيِّ حال، وعندما تداوم على هذه الكلمة سييأس منك ويبتعد عنك، ويعرف أنك صَلْبٌ قويٌّ تستمد قوتك من الله، عندها سينصرف عنك، ولم لا وأنت تعرف ألاعيبه وتكشف حيله؟

لكن الخيبة أن كثيرين منا ينساقون وراء الشيطان، ويُسلمون له قيادهم، وما يفعله الشيطان مع هؤلاء أنه يعطيهم أول الخيط ويتركهم هم (يكرُّون) الباقي دون جهد منه ودون عناء، وهؤلاء الذين استزلَّهم الشيطان وأخضع رقابهم، فهم يسيرون في ركْبه دون تفكير أو تأمُّل.

هَبْ أن لصاً جاء يحوم حول بيتك، فقلت: إحم، تريد أن تُسمع ويعرف أنك يقظ، لا بدَّ أنه ينصرف، وقد يعتبر أنها مصادفة فيعاود مرة أخرى فتقول: إحم، إذن: ليست مصادفة بل أنت له بالمرصاد فأنت متيقظ، لذلك ينصرف عنك بلا رجعة، كذلك الشيطان.

قلنا: من غباء إبليس وغفلته أنْ يعلن لنا عن خططه في غواية بني آدم ويعلن عن أساليبه، والغباء يكون أعظم لمن عرف هذه الخطط وهذه الأساليب، وانساقَ وراءها ولم يأخذ الحيْطة.

وحين نتأمل قول إبليس:
{  ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ.. }
[الأعراف: 17] تلحظ أنه ترك جهتين لم يذكر أنه يأتي منهما: جهة أعلى وجهة أسفل، لماذا؟ قالوا: لأن العلُو جهة التوجه إلى الله، جهة عِزِّ الربوبية، وجهة الأسفل تمثل ذُلَّ العبودية ساعة تسجد لله ذلاً وخضوعاً له سبحانه، فهاتان الجهتان لا يأتي منهما الشيطان.

وقوله: { إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } [فصلت: 36] الذي لا يغيب عن سَمْعه شيء، فإنْ وسوس لك الشيطان بكلام سمعه وعلمه.

بعد أن بيَّن لنا القرآن هذا البيان، يعود ليلفتنا ثانياً إلى بعض آيات الله في الكون، فبهذه الآيات نستدل على وجود الخالق سبحانه وعلى قدرته تعالى، حيث لو جاءت هذه الآياتُ على أيدي علماء كافرين بالله إلا أننا ننتفع بها، والله مساكين هؤلاء العلماء ينفعون البشرية كلها ولا ينفعون أنفسهم، لأنهم - كما قلنا - لا ينطلقون في اختراعاتهم وابتكاراتهم من منطلق الإيمان بالإله تبارك وتعالى، فهم كالمطايا ينتفع الناس بخيرهم، ولا ينالهم من ذلك شيء، اللهم إلا متاع الدنيا الزائل.وأقرب آيات للإنسان نفسه لو تأملها، مثلاً درجة الحرارة الطبيعية للجسم 37 ْ تجدها ثابتة فيمَنْ يعيش عند خط الاستواء، وفيمن يعيش عن القطب الشمالي، وأنتم تعرفون نظرية الاستطراق الحراري، لكن قدرة الله تحتفظ للجسم بهذه الدرجة بصرف النظر عن الجو المحيط به.

ثم في داخل الجسم ذاته تجد حرارة الأعضاء مختلفة، فالعين لا تزيد درجة حرارتها عن 9 ْ، والكبد لا يؤدي مهمته إلا عند 40 ْ، وهما في جسم واحد وغلاف واحد، ومع ذلك لا يحدث استطراق للحرارة، وهذه آية ومعجزة لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه.

تأمل الدم سائل الحياة الذي يجري بداخلك لا بدَّ له من درجة سيولة معينة داخل الجسم، فإنْ قلَّتْ هذه السيولة تجلط وحدث شلل للجزء الذي تحدث به الجلطة والعياذ بالله، وإنْ زادتْ سيولته أدَّى إلى نزيف، فمَنْ يحفظ له هذه الدرجة من السيولة؟ الله!!

ثم يقول الحق سبحانه:

{ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ.. }


www.alro7.net