سورة
اية:

وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ

تفسير بن كثير

يذكر تعالى: أن الكفار يتلامون في عرصات القيامة، كما يتخاصمون في دركات النار، { فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار} ؟ كما قال تعالى: { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول، يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين} وهكذا قالوا لهم ههنا: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} ، قال ابن عباس، يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا، لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء، وقال مجاهد: يعني عن الحق، تقوله الكفار للشياطين، وقال قتادة: قالت الإنس للجن: { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} ، قال: من قبل الخير فتنهونا عنه وتبطئونا عنه، وقال السدي: تأنوننا من قبل الحق وتزينوا لنا الباطل، وتصدونا عن الحق، قال الحسن: أي واللّه يأيته عند كل خير يريده فيصده عنه، وقال ابن زيد: معناه تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به.وقوله تعالى: { قالوا بل لم تكونوا مؤمنين} تقول القادة من الجن والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان، { وما كان لنا عليكم من سلطان} أي من حجة على صحة ما دعوناكم إليه، { بل كنتم قوماً طاغين} أي بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق، فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، { فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين} ، يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة اللّه أنا من الأشقياء الذائقين للعذاب يوم القيامة، { فأغويناكم} أي دعوناكم إلى الضلالة { إنا كنا غاوين} ، أي فدعوناكم إلى ما نحن فيه فاستجبتم لنا، قال تعالى: { فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون} أي الجميع في النار كل بحسبه، { إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا} أي في الدار الدنيا { إذا قيل لهم لا إله إلا اللّه يستكبرون} أي يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون. وفي الحديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه، فمن قال لا إله إلا اللّه فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللّه عزَّ وجلَّ) "أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعاً". وروى ابن أبي حاتم عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون نعبد اللّه وعزيراً، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال؛ ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد اللّه والمسيح، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال؛ ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم: لا إله إلا اللّه، فيستكبرون، ثم يقال لهم لا إله إلا اللّه، فيستكبرون، ثم يقال لهم: لا إله إلا اللّه، فيستكبرون، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من الطير، قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد اللّه تعالى، فيقال لهم: هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال لهم: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعلم أنه لا عدل له، قال: فيتعرف لهم تبارك وتعالى وتقدس وينجي اللّه المؤمنين" "أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي العلاء موقوفاً" { ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} أي أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول هذا الشاعر المجنون؟ يعنون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قال اللّه تعالى تكذيباً لهم ورداً عليهم: { بل جاء بالحق} يعني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جاء بالحق، { وصدّق المرسلين} أي صدّقهم فيما أخبروه عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن اللّه تعالى في شرعه وأمره، كما أخبروا { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} الآية.

تفسير الجلالين

{ ويقولون أئنا } في همزتيه ما تقدم { لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } أي لأجل محمد .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُون } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَقُول هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْش : أَنَتْرُكُ عِبَادَة آلِهَتنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُون ؟ ! يَقُول : لِاتِّبَاعِ شَاعِر مَجْنُون , يَعْنُونَ بِذَلِكَ نَبِيّ اللَّه , وَنَقُول : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , كَمَا : 22483 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَيَقُولُونَ آإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُون } يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَّبَهُ وَسَلَّمَ .وَقَوْله : { وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُون } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَقُول هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْش : أَنَتْرُكُ عِبَادَة آلِهَتنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُون ؟ ! يَقُول : لِاتِّبَاعِ شَاعِر مَجْنُون , يَعْنُونَ بِذَلِكَ نَبِيّ اللَّه , وَنَقُول : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , كَمَا : 22483 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَيَقُولُونَ آإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُون } يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَّبَهُ وَسَلَّمَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} أي لقول شاعر مجنون؛ فرد الله جل وعز عليهم فقال: { بل جاء بالحق} يعني القرآن والتوحيد { وصدق المرسلين} فيما جاءوا به من التوحيد. { إنكم لذائقوا العذاب الأليم} الأصل لذائقون فحذفت النون استخفافا وخفضت للإضافة. ويجوز النصب كما أنشد سيبويه : فألفيته غير مستعتب ** ولا ذاكر الله إلا قليلا وأجاز سيبويه { والمقيمي الصلاة} على هذا. { وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} أي إلا بما عملتم من الشرك { إلا عباد الله المخلصين} استثناء ممن يذوق العذاب. وقراءة أهل المدينة والكوفة { المخلصين} بفتح اللام؛ يعني الذين أخلصهم الله لطاعته ودينه وولايته. الباقون بكسر اللام؛ أي الذين أخلصوا لله العبادة. وقيل : هو استثناء منقطع، أي إنكم أيها المجرمون ذائقو العذاب لكن عباد الله المخلصين لا يذوقون العذاب.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الصّافات الايات 19 - 47

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله سبحانه: { إِنَّهُمْ } [الصافات: 35] أى: الكفار الذين وُصِفُوا بالإجرام { كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } [الصافات: 35] أي: يستكبرون عن قبولها والتصديق بها { وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوۤاْ آلِهَتِنَا } [الصافات: 36] يعني: منصرفون عن عبادتها { لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ } [الصافات: 36] أي: من أجله، ومن أجل دعوته.

وعجيب من العرب وهم أمة كلام يُقدِّرون الكلمة ويتذوَّقونها، ويجعلون لها أسواقاً ومعارض، ويُكرِّمون الشعر والشعراء، لدرجة أنهم علَّقوا أجود قصائدهم على أستار الكعبة، عجيب من قوم هذا حالهم أنْ يقولوا { آلِهَتِنَا } [الصافات: 36] وهم يعلمون تماماً معنى الآلهة ومعنى العبادة، فالإله يعني المعبود فبأى حَقٍّ عُبِدَتْ الأصنام؟ بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتْكم؟ ما المنهج الذي جاءتكم به؟

نعم هم يعلمون أنها جمادات، لا تضر ولا تنفع، لكن عبدوها بفطرة التديُّن في الإنسان، فالإنسان بطبعه مُتدين يحب أن يستند إلى قوة أعلى منه يلجأ إليها عند الشدة، قوة تعينه على التجلُّد والتصبُّر للأحداث، وقد وجدوا في هذه الآلهة أنها آلهة بلا تكاليف وبلا متطلبات، فعبدوها من دون الله.

ثم عجيبٌ منهم وهم أمة كلام ألاَّ يفرقوا بين كلام الله في القرآن وبين الشعر، وهم أعلم الناس به وبأوزانه وقوافيه، فأين الشعر من كلام الله في القرآن؟ ثم عجيب منهم أنْ يتهموا رسولَ الله بالجنون، وهم أعلمُ الناس به وبأخلاقه وصفاته وسيرته فيهم قبل بعثته، وما أبعدَ الجنون عن الذي جمع محاسن الصفات وكريم الأخلاق!!

الجنون أنْ يتصرّف المجنون بجوارحه تصرُّفاً لا يمرُّ على العقل، المجنون لا يفاضل بين الأشياء، ولا يعرف الضَّارَّ من النافع، المجنون ليس له خُلُق، لذلك يردُّ الحق عليهم ويدفع عن رسوله اتهاماتهم، فيقول:
{  نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ }
[القلم: 1-4].

لذلك يقول تعالى هنا: (بل) وهي للإضراب عن الكلام السابق، يعني: دَعْكَ من هذا الهُرَاء { بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ } [الصافات: 37] بالشيء الثابت الذي لا يتغير { وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ } [الصافات: 37] صدق مَنْ سبقوه من الرسل في منهج الله.


www.alro7.net