سورة
اية:

وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى لنبيّه صلوات اللّه وسلامه عليه: { وإذا رآك الذين كفروا} يعني كفار قريش كأبي جهل وأشباهه { إن يتخذونك إلا هزواً} أي يستهزئون بك، وينتقصونك ""أخرج ابن أبي حاتم: عن السدي قال: مرَّ النبي صلى اللّه عليه وسلم على أبي جهل وأبي سفيان وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك، وقال: ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب من غيَّر عهده، فنزلت: { وإذا رآك الذين كفروا} الآية""، يقولون { أهذا الذي يذكر آلهتكم} ؟ يعنون أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم، قال تعالى: { وهم بذكر الرحمن هم كافرون} أي وهم كافرون باللّه ومع هذا يستهزئون برسول اللّه كما قال في الآية الأخرى: { وإذا رأوك إن يتخذوك إلا هزوا أهذا الذي بعث اللّه رسولا} ؟ وقوله: { خلق الإنسان من عجل} كقوله: { وكان الإنسان عجولا} أي في الأمور، والحكمة في ذكر عجلة الإنسان ههنا، انه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات اللّه وسلامه عليه، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك، فقال اللّه تعالى: { خلق الإنسان من عجل} لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر، ولهذا قال: { سأريكم آياتي} أي نقمي وحكمي واقتداري على من عصاني { فلا تستعجلون} .

تفسير الجلالين

{ وإذا رآك الذين كفروا إن } ما { يتخذونك إلا هزواً } أي مهزوءاً به يقولون { أهذا الذي يذكر آلهتكم } أي يعيبها { وهم بذكر الرحمن } لهم { هم } تأكيد { كافرون } به إذا قالوا ما نعرفه.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا رَآك الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَك إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُر آلِهَتكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَن هُمْ كَافِرُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِذَا رَآك } يَا مُحَمَّد { الَّذِينَ كَفَرُوا } بِاَللَّهِ , { إِنْ يَتَّخِذُونَك إِلَّا هُزُوًا } يَقُول : مَا يَتَّخِذُونَك إِلَّا سِخْرِيًّا يَقُول بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { أَهَذَا الَّذِي يَذْكُر آلِهَتكُمْ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : يَذْكُر آلِهَتكُمْ بِسُوءٍ وَيَعِيبهَا , تَعَجُّبًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ . يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : فَيَعْجَبُونَ مِنْ ذِكْرك يَا مُحَمَّد آلِهَتهمْ الَّتِي لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع بِسُوءٍ . { وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَن } الَّذِي خَلَقَهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ , وَمِنْهُ نَفْعهمْ , وَبِيَدِهِ ضُرّهمْ , وَإِلَيْهِ مَرْجِعهمْ بِمَا هُوَ أَهْله مِنْهُمْ ; أَنْ يَذْكُرُوهُ بِهِ { كَافِرُونَ } وَالْعَرَب تَضَع الذِّكْر مَوْضِع الْمَدْح وَالذَّمّ , فَيَقُولُونَ : سَمِعْنَا فُلَانًا يَذْكُر فُلَانًا , وَهُمْ يُرِيدُونَ سَمِعْنَاهُ يَذْكُرهُ بِقَبِيحٍ وَيَعِيبهُ ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل عَنْتَرَة : لَا تَذْكُرِي مُهْرِي وَمَا أَطْعَمْته فَيَكُون جِلْدك مِثْل جِلْد الْأَجْرَب يَعْنِي بِذَلِكَ : لَا تَعِيبِي مُهْرِي . وَسَمِعْنَاهُ يُذْكَر بِخَيْرٍ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا رَآك الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَك إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُر آلِهَتكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَن هُمْ كَافِرُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِذَا رَآك } يَا مُحَمَّد { الَّذِينَ كَفَرُوا } بِاَللَّهِ , { إِنْ يَتَّخِذُونَك إِلَّا هُزُوًا } يَقُول : مَا يَتَّخِذُونَك إِلَّا سِخْرِيًّا يَقُول بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { أَهَذَا الَّذِي يَذْكُر آلِهَتكُمْ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : يَذْكُر آلِهَتكُمْ بِسُوءٍ وَيَعِيبهَا , تَعَجُّبًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ . يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : فَيَعْجَبُونَ مِنْ ذِكْرك يَا مُحَمَّد آلِهَتهمْ الَّتِي لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع بِسُوءٍ . { وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَن } الَّذِي خَلَقَهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ , وَمِنْهُ نَفْعهمْ , وَبِيَدِهِ ضُرّهمْ , وَإِلَيْهِ مَرْجِعهمْ بِمَا هُوَ أَهْله مِنْهُمْ ; أَنْ يَذْكُرُوهُ بِهِ { كَافِرُونَ } وَالْعَرَب تَضَع الذِّكْر مَوْضِع الْمَدْح وَالذَّمّ , فَيَقُولُونَ : سَمِعْنَا فُلَانًا يَذْكُر فُلَانًا , وَهُمْ يُرِيدُونَ سَمِعْنَاهُ يَذْكُرهُ بِقَبِيحٍ وَيَعِيبهُ ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل عَنْتَرَة : لَا تَذْكُرِي مُهْرِي وَمَا أَطْعَمْته فَيَكُون جِلْدك مِثْل جِلْد الْأَجْرَب يَعْنِي بِذَلِكَ : لَا تَعِيبِي مُهْرِي . وَسَمِعْنَاهُ يُذْكَر بِخَيْرٍ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا} أي ما يتخذونك. والهزاء السخرية؛ وقد تقدم وهم المستهزئون المتقدمو الذكر في آخر سورة [الحجر] في قوله { إنا كفيناك المستهزئين} [الحجر : 95]. كانوا يعيبون من جاحد إلهية أصنامهم وهم جاحدون لإلهية الرحمن؛ وهذا غاية الجهل. { أهذا الذي} أي يقولون : أهذا الذي؟ فأضمر القول وهو جواب { إذا} وقوله { إن يتخذونك إلا هزوا} كلام معترض بين { إذا} وجوابه. { يذكر آلهتكم} أي بالسوء والعيب. ومنه قول عنترة : لا تذكري مهري وما أطعمته ** فيكون جلدك مثل جلد الأجرب أي لا تعيبي مهري. { وهم بذكر الرحمن} أي بالقرآن. { هم كافرون} { هم} الثانية توكيد كفرهم، أي هم الكافرون مبالغة في وصفهم بالكفر.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 32 - 43

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن واقعٍ حدثَ له مع الكفار: { وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً... } [الأنبياء: 36] و (إنْ) هنا ليست شرطية، إنما للنفي كما في قوله تعالى:
{  ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ... }
[المجادلة: 2] أي: ما أمهاتهم إلا اللائي ولَدْنهم.

فالمعنى: إذا رآك الذين كفروا لا يتخذونك إلا هُزُواً، أي: يهزأون بك، لكن ما وَجْه الهُزْو هنا؟

قولهم: { أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ... } [الأنبياء: 36] أي: يعيبها ويسبُّها، ويقول عنها: إنها باطلة ومعنى { أَهَـٰذَا... } [الأنبياء: 36] كأنهم يستقلّونه، ويستقلّون أنْ يقول هذا عن آلهتهم.

والذكر قد يكون بالخير، وقد يكون بالشر، فإنْ ذكرك صديق تتوقع أنْ يذكرك بخير، وإنْ ذكرك عدو تتوقع أنْ يذكرك بشرٍّ، وطالما أن محمداً سيذكر آلهتهم، فلا بُدَّ أنه سيذكرها بشرٍّ، والشر الذي ذكره محمد عن آلهتكم أنها أصنام وحجارة لا تضرُّ ولا تنفع.
{  إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ... }
[فاطر: 14].

ثم يقول تعالى: { وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ } [الأنبياء: 36] فكيف تتعجبون وتغضبون أنْ يسُبّ محمد آلهتكم الباطلة، وأنتم تسبُّون الإله الحق، وتكفرون به، ونلحظ أن السياق ذكر الضمير العائد عليهم مرتين: { وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ } [الأنبياء: 36] ليؤكد أن ذلك حدث منهم.

ثم يقول الحق سبحانه: { خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ... }.


www.alro7.net