سورة
اية:

فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل اللّه، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى، أنه لن يضر اللّه شيئاً، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط اللّه عمله، فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات، وقد قال أبو العالية: كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا اللّه ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت: { أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} فخافوا أن يبطل الذنب العمل ""أخرجه الإمام أحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة""، وعن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: كنا معشر أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت: { أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات الفواحش، حتى نزل قوله تعالى: { إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ، فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش، ونرجو لمن لم يصبها، ثم أمر تبارك وتعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال، ولهذا قال تعالى: { ولا تبطلوا أعمالكم} أي بالردة، ولهذا قال بعدها: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر اللّه لهم} ، كقوله سبحانه وتعالى: { إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} الآية، ثم قال جلَّ وعلا لعباده المؤمنين: { فلا تهنوا} أي لا تضعفوا عن الأعداء، { وتدعوا إلى السلم} أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم، ولهذا قال: { وأنتم الأعلون} أي في حال علوكم على عدوكم، فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين صده كفار قريش عن مكة ودعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم صلى اللّه عليه وسلم إلى ذلك، وقوله جلت عظمته: { واللّه معكم} فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء، { ولن يتركم أعمالكم} أي لن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئاً، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ فلا تهنوا } تضعفوا { وتدعوا إلى السَِّلم } بفتح السين وكسرها، أي الصلح مع الكفار إذا لقيتموهم { وأنتم الأعلوْن } حذف منه واو لام الفعل الأغلبون القاهرون { والله معكم } بالعون والنصر { ولن يَتِركُم } ينقصكم { أعمالكم } أي ثوابها .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ وَاَللَّه مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَا تَضْعُفُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ عَنْ جِهَاد الْمُشْرِكِينَ وَتَجْبُنُوا عَنْ قِتَالهمْ . كَمَا : 24322 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فَلَا تَهِنُوا } قَالَ : لَا تَضْعُفُوا . 24323 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَلَا تَهِنُوا } لَا تَضْعُف أَنْتَ . وَقَوْله : { وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } يَقُول : لَا تَضْعُفُوا عَنْهُمْ وَتَدْعُوهُمْ إِلَى الصُّلْح وَالْمُسَالَمَة , وَأَنْتُمْ الْقَاهِرُونَ لَهُمْ وَالْعَالُونَ عَلَيْهِمْ { وَاَللَّه مَعَكُمْ } يَقُول : وَاَللَّه مَعَكُمْ بِالنَّصْرِ لَكُمْ عَلَيْهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , غَيْر أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِاَللَّهِ مِنْهُمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : مِثْل الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ , وَقَالَ مَعْنَى قَوْله : { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } أَنْتُمْ أَوْلَى بِاَللَّهِ مِنْهُمْ . 24324 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت أَبِي يُحَدِّث , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم } قَالَ : أَيْ لَا تَكُونُوا أُولَى الطَّائِفَتَيْنِ تُصْرَع . 24325 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم } قَالَ : لَا تَكُونُوا أُولَى الطَّائِفَتَيْنِ صُرِعَتْ لِصَاحِبَتِهَا , وَدَعَتْهَا إِلَى الْمُوَادَعَة , وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِاَللَّهِ مِنْهُمْ وَاَللَّه مَعَكُمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم } قَالَ : لَا تَكُونُوا أُولَى الطَّائِفَتَيْنِ صُرِعَتْ إِلَى صَاحِبَتهَا { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } قَالَ : يَقُول : وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِاَللَّهِ مِنْهُمْ ذِكْر مَنْ قَالَ مَعْنَى قَوْله : { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } : أَنْتُمْ الْغَالِبُونَ الْأَعَزّ مِنْهُمْ . 24326 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَحِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } قَالَ : الْغَالِبُونَ مِثْل يَوْم أُحُد , تَكُون عَلَيْهِمْ الدَّائِرَة . 24327 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } قَالَ : هَذَا مَنْسُوخ , قَالَ : نَسَخَهُ الْقِتَال وَالْجِهَاد , يَقُول : لَا تَضْعُف أَنْتَ وَتَدْعُوهُمْ أَنْتَ إِلَى السَّلْم وَأَنْتَ الْأَعْلَى , قَالَ : وَهَذَا حِين كَانَتْ الْعُهُود وَالْهُدْنَة فِيمَا بَيْنه وَبَيْن الْمُشْرِكِينَ قَبْل أَنْ يَكُون الْقِتَال , يَقُول : لَا تَهِن فَتَضْعُف , فَيُرَى أَنَّك تَدْعُو . إِلَى السَّلْم وَأَنْتَ فَوْقه , وَأَعَزّ مِنْهُ { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } أَنْتُمْ أَعَزّ مِنْهُمْ , ثُمَّ جَاءَ الْقِتَال بَعْد فَنَسَخَ هَذَا أَجْمَع , فَأَمَرَهُ بِجِهَادِهِمْ وَالْغِلْظَة عَلَيْهِمْ . وَقَدْ قِيلَ : عُنِيَ بِقَوْلِهِ : { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } وَأَنْتُمْ الْغَالِبُونَ آخِر الْأَمْر , وَإِنْ غَلَبُوكُمْ فِي بَعْض الْأَوْقَات , وَقَهَرُوكُمْ فِي بَعْض الْحُرُوب . وَقَوْله : { فَلَا تَهِنُوا } جُزِمَ بِالنَّهْيِ , وَفِي قَوْله { وَتَدْعُوا } وَجْهَانِ : أَحَدهمَا الْجَزْم عَلَى الْعَطْف عَلَى تَهِنُوا , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : فَلَا تَهِنُوا وَلَا تَدْعُوا إِلَى السَّلْم , وَالْآخَر النَّصْب عَلَى الصَّرْف . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ وَاَللَّه مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَا تَضْعُفُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ عَنْ جِهَاد الْمُشْرِكِينَ وَتَجْبُنُوا عَنْ قِتَالهمْ . كَمَا : 24322 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فَلَا تَهِنُوا } قَالَ : لَا تَضْعُفُوا . 24323 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَلَا تَهِنُوا } لَا تَضْعُف أَنْتَ . وَقَوْله : { وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } يَقُول : لَا تَضْعُفُوا عَنْهُمْ وَتَدْعُوهُمْ إِلَى الصُّلْح وَالْمُسَالَمَة , وَأَنْتُمْ الْقَاهِرُونَ لَهُمْ وَالْعَالُونَ عَلَيْهِمْ { وَاَللَّه مَعَكُمْ } يَقُول : وَاَللَّه مَعَكُمْ بِالنَّصْرِ لَكُمْ عَلَيْهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , غَيْر أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِاَللَّهِ مِنْهُمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : مِثْل الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ , وَقَالَ مَعْنَى قَوْله : { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } أَنْتُمْ أَوْلَى بِاَللَّهِ مِنْهُمْ . 24324 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت أَبِي يُحَدِّث , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم } قَالَ : أَيْ لَا تَكُونُوا أُولَى الطَّائِفَتَيْنِ تُصْرَع . 24325 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم } قَالَ : لَا تَكُونُوا أُولَى الطَّائِفَتَيْنِ صُرِعَتْ لِصَاحِبَتِهَا , وَدَعَتْهَا إِلَى الْمُوَادَعَة , وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِاَللَّهِ مِنْهُمْ وَاَللَّه مَعَكُمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم } قَالَ : لَا تَكُونُوا أُولَى الطَّائِفَتَيْنِ صُرِعَتْ إِلَى صَاحِبَتهَا { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } قَالَ : يَقُول : وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِاَللَّهِ مِنْهُمْ ذِكْر مَنْ قَالَ مَعْنَى قَوْله : { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } : أَنْتُمْ الْغَالِبُونَ الْأَعَزّ مِنْهُمْ . 24326 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَحِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } قَالَ : الْغَالِبُونَ مِثْل يَوْم أُحُد , تَكُون عَلَيْهِمْ الدَّائِرَة . 24327 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْم وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } قَالَ : هَذَا مَنْسُوخ , قَالَ : نَسَخَهُ الْقِتَال وَالْجِهَاد , يَقُول : لَا تَضْعُف أَنْتَ وَتَدْعُوهُمْ أَنْتَ إِلَى السَّلْم وَأَنْتَ الْأَعْلَى , قَالَ : وَهَذَا حِين كَانَتْ الْعُهُود وَالْهُدْنَة فِيمَا بَيْنه وَبَيْن الْمُشْرِكِينَ قَبْل أَنْ يَكُون الْقِتَال , يَقُول : لَا تَهِن فَتَضْعُف , فَيُرَى أَنَّك تَدْعُو . إِلَى السَّلْم وَأَنْتَ فَوْقه , وَأَعَزّ مِنْهُ { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } أَنْتُمْ أَعَزّ مِنْهُمْ , ثُمَّ جَاءَ الْقِتَال بَعْد فَنَسَخَ هَذَا أَجْمَع , فَأَمَرَهُ بِجِهَادِهِمْ وَالْغِلْظَة عَلَيْهِمْ . وَقَدْ قِيلَ : عُنِيَ بِقَوْلِهِ : { وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } وَأَنْتُمْ الْغَالِبُونَ آخِر الْأَمْر , وَإِنْ غَلَبُوكُمْ فِي بَعْض الْأَوْقَات , وَقَهَرُوكُمْ فِي بَعْض الْحُرُوب . وَقَوْله : { فَلَا تَهِنُوا } جُزِمَ بِالنَّهْيِ , وَفِي قَوْله { وَتَدْعُوا } وَجْهَانِ : أَحَدهمَا الْجَزْم عَلَى الْعَطْف عَلَى تَهِنُوا , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : فَلَا تَهِنُوا وَلَا تَدْعُوا إِلَى السَّلْم , وَالْآخَر النَّصْب عَلَى الصَّرْف .' وَقَوْله : { وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } يَقُول : وَلَنْ يَظْلِمكُمْ أُجُور أَعْمَالكُمْ فَيَنْقُصكُمْ ثَوَابهَا , مِنْ قَوْلهمْ : وَتَرْت الرَّجُل إِذَا قَتَلْت لَهُ قَتِيلًا , فَأَخَذْت لَهُ مَالًا غَصْبًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24328 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله يَقُول : { وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } يَقُول : لَنْ يَظْلِمكُمْ أُجُور أَعْمَالكُمْ. 24329 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } قَالَ : لَنْ يَنْقُصكُمْ . 24330 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } : أَيْ لَنْ يَظْلِمكُمْ أَعْمَالكُمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 24331 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } قَالَ : لَنْ يَظْلِمكُمْ , أَعْمَالكُمْ ذَلِكَ يَتِركُمْ . 24332 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } قَالَ : لَنْ يَظْلِمكُمْ أَعْمَالكُمْ . وَقَوْله : { وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } يَقُول : وَلَنْ يَظْلِمكُمْ أُجُور أَعْمَالكُمْ فَيَنْقُصكُمْ ثَوَابهَا , مِنْ قَوْلهمْ : وَتَرْت الرَّجُل إِذَا قَتَلْت لَهُ قَتِيلًا , فَأَخَذْت لَهُ مَالًا غَصْبًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24328 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله يَقُول : { وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } يَقُول : لَنْ يَظْلِمكُمْ أُجُور أَعْمَالكُمْ. 24329 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } قَالَ : لَنْ يَنْقُصكُمْ . 24330 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } : أَيْ لَنْ يَظْلِمكُمْ أَعْمَالكُمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 24331 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } قَالَ : لَنْ يَظْلِمكُمْ , أَعْمَالكُمْ ذَلِكَ يَتِركُمْ . 24332 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَنْ يَتِركُمْ أَعْمَالكُمْ } قَالَ : لَنْ يَظْلِمكُمْ أَعْمَالكُمْ . '

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { فلا تهنوا} أي تضعفوا عن القتال. والوهن : الضعف وقد وهن الإنسان ووهنه غيره، يتعدى ولا يتعدى. قال : إنني لست بموهون فقر ووهن أيضا بالكسر وهنا أي ضعف، وقرئ { فما وهنوا} بضم الهاء وكسرها. وقد مضى في [آل عمران.] الثانية: قوله تعالى { وتدعوا إلى السلم} أي الصلح. { وأنتم الأعلون} أي وأنتم أعلم بالله منهم. وقيل : وأنتم الأعلون في الحجة. وقيل : المعنى وأنتم الغالبون لأنكم مؤمنون وإن غلبوكم في الظاهر في بعض الأحوال. وقال قتادة : لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها. الثالثة: واختلف العلماء في حكمها، فقيل : إنها ناسخة لقوله تعالى { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} [الأنفال : 61]، لأن الله تعالى منع من الميل إلى الصلح إذا لم يكن بالمسلمين حاجة إلى الصلح. وقيل : منسوخة بقوله تعالى { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} . وقيل : هي محكمة. والآيتان نزلتا في وقتين مختلفي الحال. وقيل : إن قوله { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} مخصوص في قوم بأعيانهم، والأخرى عامة. فلا يجوز مهادنة الكفار إلا عند الضرورة، وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف المسلمين. وقد مضى هذا المعنى مستوفى. { والله معكم} أي بالنصر والمعونة، مثل { وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت : 69] { ولن يتركم أعمالكم} أي لن ينقصكم، عن ابن عباس وغيره. ومنه الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه : وتره يتره وترا وترة. ومنه قوله عليه السلام : (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) أي ذهب بهما. وكذلك وتره حقه أي نقصه. وقوله تعالى { ولن يتركم أعمالكم} أي لن ينتقصكم في أعمالكم، كما تقول : دخلت البيت، وأنت تريد في البيت، قاله الجوهري. الفراء { ولن يتركم} هو مشتق من الوتر وهو الفرد، فكان المعنى : ولن يفردكم بغير ثواب.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة محمد الايات 31 - 38

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى: { فَلاَ تَهِنُواْ... } [محمد: 35] لا تضعفوا في مواجهة الأعداء لأنكم أمامهم في معركة، ولو لمسوا فيكم بوادر الضعف لتجرأوا عليكم وطمعوا فيكم، ومن مظاهر الضعف أن تدعوهم إلى المسالمة والموادعة { وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ... } [محمد: 35] فتصرفوا من هذا المنطلق، ومن هذا الاعتقاد أنكم الأعلوْنَ عليهم.

ولم لا { وَٱللَّهُ مَعَكُمْ... } [محمد: 35] يُقوِّيكم ويحمي ظهوركم، وهو سبحانه الركن الشديد الذي لا يخذل أبداً مَنْ لجأ إليه، وهو صاحب هذا المنهج الذي تقاتلون من أجله، فكيف يتخلى عنكم أو يُسلمكم لأعدائكم؟!

إذن: إذا حمَى الوطيس واشتدَّتْ الحرب فاثبتوا، ولا ترهبكم منهم عدة ولا عدد ولا حيلة ولا مكر، لأن الله معكم.

لذلك في قصة سيدنا موسى عليه السلام لما كاد فرعون أنْ يلحقه هو وجنوده، حتى كان البحر من أمامه وجنود فرعون من خلفه، وقال أحد جنود موسى:
{  إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }
[الشعراء: 61] ماذا قال موسى؟
{  قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }
[الشعراء: 62] قالها بملءِ فيه وهو واثق من نصر الله.

ونفهم من قوله تعالى: { وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ... } [محمد: 35] نهى عن أن نطلب نحن السلام ولا نرفع نحن الراية البيضاء، بل نتركهم يطلبون هم، لذلك يقول سبحانه في الآية الأخرى:
{  وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا... }
[الأنفال: 61] ذلك لأنهم يفهمون أن السلام من طرفكم ضعفٌ واستسلام، وأيضاً لا تطلبون السلام لأنكم الأعلون والأعز والأقوى.

{ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ... } [محمد: 35] ومَنْ كان في معية الله يخلع الله عليه من صفاته، أرأيتم في قصة الغار كيف وقفوا على فتحة الغار، حتى قال الصِّديق: " يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما ظنك بأثنين الله ثالثهما ".

وما دام الله ثالثهما، فهم في معيته تعالى، وما دام اله لا تدركه الأبصار، فكذلك مَنْ كان في معيته لا تدركه الأبصار.

معنى { وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } [محمد: 35] وتر الشيء يعني: فقده، والمعنى: لن نقصكم من أجور أعمالكم شيئاً، بل سيُوفِّيكم إياها وزيادة.


www.alro7.net