سورة
اية:

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { وما جعلنا لبشر من قبلك} أي يا محمد { الخلد} أي في الدنيا ""أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: نعي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم نفسه، فقال: (يا رب، فمن لأمتي)، فنزلت: { وما جعلنا لبشر} الآية""بل { كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} ، وقوله: { أفإن مت} أي يا محمد { فهم الخالدون} ؟ أي يؤملون أن يعيشوا بعدك! لا يكون هذا بل كلٍّ إلى الفناء، ولهذا قال تعالى: { كل نفس ذائقة الموت} وقد روي عن الشافعي رحمه اللّه أنه أنشد واستشهد بهذين البيتين: تمنى رجال أن أموت وإن أَمُتْ * فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى * تهيأْ لأخرى مثلها فكأن قد وقوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة} أي نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم أخرى، فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، قال ابن عباس: { ونبلوكم} يقول: نبتليكم بالشر والخير فتنة، بالشدة والرخاء، والصحة والسَّقَم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، وقوله: { وإلينا ترجعون} أي فنجازيكم بأعمالكم.

تفسير الجلالين

{ كل نفس ذائقة الموت } في الدنيا { ونبلوكم } نختبركم { بالشر والخير } كفقر وغنى وسقم وصحة { فتنة } مفعول له، أي لننظر أتصبرون وتشكرون أم لا { وإلينا ترجعون } فنجازيكم .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { كُلّ نَفْس ذَائِقَة الْمَوْت } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كُلّ نَفْس مَنْفُوسَة مِنْ خَلْقه , مُعَالِجَة غَصَص الْمَوْت وَمُتَجَرِّعَة كَأْسهَا .وَقَوْله : { كُلّ نَفْس ذَائِقَة الْمَوْت } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كُلّ نَفْس مَنْفُوسَة مِنْ خَلْقه , مُعَالِجَة غَصَص الْمَوْت وَمُتَجَرِّعَة كَأْسهَا .' وَقَوْله : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَنَخْتَبِركُمْ أَيّهَا النَّاس بِالشَّرِّ - وَهُوَ الشِّدَّة - نَبْتَلِيكُمْ بِهَا , وَبِالْخَيْرِ - وَهُوَ الرَّخَاء وَالسَّعَة الْعَافِيَة - فَنَفْتِنكُمْ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18559 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن : قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة } قَالَ : بِالرَّخَاءِ وَالشِّدَّة , وَكِلَاهُمَا بَلَاء . 18560 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة } يَقُول : نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ بَلَاء , وَالْخَيْر فِتْنَة ; { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } . 18561 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } قَالَ : نَبْلُوهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ وَبِمَا يَكْرَهُونَ ; نَخْتَبِرهُمْ بِذَلِكَ لِنَنْظُر كَيْف شُكْرهمْ فِيمَا يُحِبُّونَ , وَكَيْف صَبْرهمْ فِيمَا يَكْرَهُونَ . 18562 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر } يَقُول : نَبْتَلِيكُمْ بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاء , وَالصِّحَّة وَالسَّقَم , وَالْغِنَى وَالْفَقْر , وَالْحَلَال وَالْحَرَام , وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة , وَالْهُدَى وَالضَّلَالَة . وَقَوْله : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَنَخْتَبِركُمْ أَيّهَا النَّاس بِالشَّرِّ - وَهُوَ الشِّدَّة - نَبْتَلِيكُمْ بِهَا , وَبِالْخَيْرِ - وَهُوَ الرَّخَاء وَالسَّعَة الْعَافِيَة - فَنَفْتِنكُمْ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18559 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن : قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة } قَالَ : بِالرَّخَاءِ وَالشِّدَّة , وَكِلَاهُمَا بَلَاء . 18560 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة } يَقُول : نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ بَلَاء , وَالْخَيْر فِتْنَة ; { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } . 18561 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } قَالَ : نَبْلُوهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ وَبِمَا يَكْرَهُونَ ; نَخْتَبِرهُمْ بِذَلِكَ لِنَنْظُر كَيْف شُكْرهمْ فِيمَا يُحِبُّونَ , وَكَيْف صَبْرهمْ فِيمَا يَكْرَهُونَ . 18562 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر } يَقُول : نَبْتَلِيكُمْ بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاء , وَالصِّحَّة وَالسَّقَم , وَالْغِنَى وَالْفَقْر , وَالْحَلَال وَالْحَرَام , وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة , وَالْهُدَى وَالضَّلَالَة . ' وَقَوْله : { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } يَقُول : وَإِلَيْنَا يُرَدُّونَ فَيُجَازَوْنَ بِأَعْمَالِهِمْ , حَسَنهَا وَسَيِّئِهَا .وَقَوْله : { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } يَقُول : وَإِلَيْنَا يُرَدُّونَ فَيُجَازَوْنَ بِأَعْمَالِهِمْ , حَسَنهَا وَسَيِّئِهَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} أي دوام البقاء في الدنيا نزلت حين قالوا : نتربص بمحمد ريب المنون. وذلك أن المشركين كانوا يدفعون نبوته ويقولون : شاعر نتربص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان؛ فقال الله تعالى : قد مات الأنبياء من قبلك، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك. { أفإن مت فهم الخالدون} أي أفهم؛ مثل قول الشاعر : رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ** فقلت وأنكرت الوجوه هم هم أي أهم فهو استفهام إنكار. وقال الفراء : جاء بالفاء ليدل على الشرط؛ لأنه جواب قولهم سيموت. ويجوز أن يكون جيء بها؛ لأن التقدير فيها : أفهم الخالدون إن مت! قال الفراء : ويجوز حذف الفاء وإضمارها؛ لأن { هم} لا يتبين فيها الإعراب. أي إن مت فهم يموتون أيضا، فلا شماتة في الإماتة. وقرئ { مت} بكسر الميم وضمها لغتان. { كل نفس ذائقة الموت} تقدم. { ونبلوكم بالشر والخير فتنة} { فتنة} مصدر على غير اللفظ. أي نختبركم بالشدة والرخاء والحلال والحرام، فننظر كيف شكركم وصبركم. { وإلينا ترجعون} أي للجزاء بالأعمال.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 32 - 43

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إذن: فالموت قضية كونية عامة، وهي في حقيقتها خَيْر، فإنْ كانوا أخياراً نُعجِّل لهم جزاءهم عند الله، وإنْ كانوا أشراراً فقد أراحَ اللهُ منهم البلاد والعباد.

لكن، كيف يُذَاق الموت؟ الذَّوْق هنا يعني إحساسَ الإنسان بالألم من الموت، فإنْ مات فعلاً يستحيل أن يذوق، أما قبل أن يموت فيذوق مقدمات الموت، والشاعر يقول:
وَالأَسَى بَعْد فُرْقَةِ الرُّوحِ عَجْزٌ   وَالأسَى لاَ يكُونُ قَبْل الفِرَاقِ
فعلى أيِّ شيء يحزن الإنسان بعد أن يموت؟ ولماذا الحزن قبل أن يموت؟

فالمراد - إذن - ذائقةٌ مقدمات الموت، التي يعرف بها أنه ميت، فالإنسان مهما كان صحيحاً لا بُدّ أنْ يأتي عليه وقت يدرك أنه لا محالةَ ميت، ذلك إذا بلغت الروح الحلقوم، كما قال تعالى:
{  كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ }
[القيامة: 26-28] فالموت في هذه الحالة أمر مقطوع به.

ثم يقول سبحانه: { وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً... } [الأنبياء: 35] أي: نختبركم، والإبتلاء لا يُذَمُّ في ذاته، إنما تذم غية الابتلاء: أينجح فيه أم يفشل؟ كما نختبر الطلاب، فهل الاختبار في آخر العام شَرٌّ؟ لكن هل الحق سبحانه في حاجة لأنْ يختبر عباده ليعلم حالهم؟ الحق يختبر الخَلْق لا ليعلم، ولكن ليقيم عليهم الحجة.

والمخاطب في { وَنَبْلُوكُم... } [الأنبياء: 35] الجميع: الغني والفقير، والصحيح والسقيم، والحاكم والمحكوم.. إلخ.

إذن: كلنا فتنة، بعضنا لبعض: فالغنيّ فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني، كيف؟ الفقير: هل يصبر على فقره ويرضى به؟ هل سيحقد على الغني ويحسده، أم يقول: بسم الله ما شاء الله، اللهم بارك له، وأعطني من خَيْرك؟ والغني: هل يسير في ماله سَيْراً حسناً، فيؤدي حقَّه وينفق منه على المحتاجين؟

وهكذا، يمكنك أنْ تُجري مثل هذه المقابلات لتعلم أن الشر والخير كلاهما فتنة واختبار، ينتهي إما بالنجاح وإما بالفشل؛ لذلك يقول بعدها: { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } [الأنبياء: 35] لنجازي كُلاّ على عمله، فإنْ حالفك التوفيق فَلَكَ الأجر والمكافأة، وإنْ أخفقت فَلَكَ العقوبة، فلا بُدَّ أن تنتهي المسألة بالرجوع إلى الله.

ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ... }.


www.alro7.net