سورة
اية:

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ

تفسير بن كثير

هذا كلام معترض في وسط هذه القصة، مؤكد لها مقرر لها، يقول تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون افترى هذا وافتعله من عنده، { قل إن افتريته فعلي إجرامي} أي قائم ذلك علي، { وأنا بريء مما تجرمون} أي ليس ذلك مفتعلاً ولا مفترى، لأني أعلم ما عند اللّه من العقوبة لمن كذب عليه.

تفسير الجلالين

{ أم } بل أ { يقولون } أي كفار مكة { افتراه } اختلق محمد القرآن { قل إن افتريته فعليَّ إجرامي } إثمي، أي عقوبته { وأنا بريء مما تجرمون } من إجرامكم في نسبة الافتراء إلي .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ قُلْ إِنْ اِفْتَرَيْته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيء مِمَّا تُجْرِمُونَ } عِ يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَيَقُولُ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمك : اِفْتَرَى مُحَمَّد هَذَا الْقُرْآن ؟ وَهَذَا الْخَبَر عَنْ نُوح . قُلْ لَهُمْ : إِنْ اِفْتَرَيْته فَتَخَرَّصْته وَاخْتَلَقْته { فَعَلَيَّ إِجْرَامِي } يَقُول : فَعَلَيَّ إِثْمِي فِي اِفْتِرَائِي مَا اِفْتَرَيْت عَلَى رَبِّي دُونكُمْ , لَا تُؤَاخَذُونَ بِذَنْبِي وَلَا إِثْمِي وَلَا أُؤَاخَذ بِذَنْبِكُمْ . { وَأَنَا بَرِيء مِمَّا تُجْرِمُونَ } يَقُول : وَأَنَا بَرِيء مِمَّا تُذْنِبُونَ وَتَأْثَمُونَ بِرَبِّكُمْ مِنْ اِفْتِرَائِكُمْ عَلَيْهِ , وَيُقَال مِنْهُ : أَجْرَمْت إِجْرَامًا وَجَرَمْت أُجْرِم جُرْمًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : طَرِيد عَشِيرَة وَرَهِين ذَنْب بِمَا جَرَمَتْ يَدِي وَجَنَى لِسَانِي الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ قُلْ إِنْ اِفْتَرَيْته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيء مِمَّا تُجْرِمُونَ } عِ يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَيَقُولُ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمك : اِفْتَرَى مُحَمَّد هَذَا الْقُرْآن ؟ وَهَذَا الْخَبَر عَنْ نُوح . قُلْ لَهُمْ : إِنْ اِفْتَرَيْته فَتَخَرَّصْته وَاخْتَلَقْته { فَعَلَيَّ إِجْرَامِي } يَقُول : فَعَلَيَّ إِثْمِي فِي اِفْتِرَائِي مَا اِفْتَرَيْت عَلَى رَبِّي دُونكُمْ , لَا تُؤَاخَذُونَ بِذَنْبِي وَلَا إِثْمِي وَلَا أُؤَاخَذ بِذَنْبِكُمْ . { وَأَنَا بَرِيء مِمَّا تُجْرِمُونَ } يَقُول : وَأَنَا بَرِيء مِمَّا تُذْنِبُونَ وَتَأْثَمُونَ بِرَبِّكُمْ مِنْ اِفْتِرَائِكُمْ عَلَيْهِ , وَيُقَال مِنْهُ : أَجْرَمْت إِجْرَامًا وَجَرَمْت أُجْرِم جُرْمًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : طَرِيد عَشِيرَة وَرَهِين ذَنْب بِمَا جَرَمَتْ يَدِي وَجَنَى لِسَانِي '

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏: { ‏قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا‏} ‏ أي خاصمتنا فأكثرت خصومتنا وبالغت فيها‏.‏ والجدل في كلام العرب المبالغة في الخصومة؛ مشتق من الجدل وهو شدة الفتل؛ ويقال للصقر أيضا أجدل لشدته في الطير؛ وقد مضى هذا المعنى في { ‏الأنعام‏} ‏ بأشبع من هذا‏.‏ وقرأ ابن عباس { ‏فأكثرت جدلنا‏} ‏ ذكره النحاس‏.‏ والجدل في الدين محمود؛ ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق، فمن قبله أنجح وأفلح، ومن رده خاب وخسر‏.‏ وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم، وصاحبه في الدارين ملوم‏.‏ { ‏فأتنا بما تعدنا‏} ‏ أي من العذاب‏.‏ ‏ { ‏إن كنت من الصادقين‏} ‏ في قولك‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قال إنما يأتيكم به الله إن شاء‏} ‏ أي إن أراد إهلاككم عذبكم‏.‏ ‏ { ‏وما أنتم بمعجزين‏} ‏ أي بفائتين‏.‏ وقيل‏:‏ بغالبين بكثرتكم، لأنهم أعجبوا بذلك؛ كانوا ملؤوا الأرض سهلا وجبلا على ما يأتي‏.‏ قوله تعالى‏: { ‏ولا ينفعكم نصحي‏} ‏ أي إبلاغي واجتهادي في إيمانكم‏.‏ { ‏إن أردت أن أنصح لكم‏} ‏ أي لأنكم لا تقبلون نصحا؛ وقد تقدم في { ‏براءة‏} ‏ معنى النصح لغة‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏إن كان الله يريد أن يغويكم‏} ‏ أي يضلكم‏.‏ وهذا مما يدل على بطلان مذهب المعتزلة والقدرية ومن وافقهما؛ إذ زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يعصي العاصي، ولا يكفر الكافر، ولا يغوي الغاوي؛ وأنه يفعل ذلك، والله لا يريد ذلك؛ فرد الله عليهم بقوله‏ { ‏إن كان الله يريد أن يغويكم‏} ‏‏.‏ وقد مضى هذا المعنى في ‏ { ‏الفاتحة‏} ‏ وغيرها‏.‏ وقد أكذبوا شيخهم اللعين إبليس على ما بيناه في ‏ { ‏الأعراف‏} ‏ في إغواء الله تعالى إياه حيث قال ‏ { ‏فبما أغويتني‏} [‏الأعراف‏:‏ 16‏]‏ ولا محيص لهم عن قول نوح عليه السلام‏ { ‏إن كان الله يريد أن يغويكم‏} ‏ فأضاف إغواءهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ هو الهادي والمضل؛ سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون علوا كبيرا‏.‏ وقيل‏ { ‏أن يغويكم‏} ‏ يهلككم؛ لأن الإضلال يفضي إلى الهلاك‏.‏ الطبري‏ { ‏يغويكم‏} ‏ يهلككم بعذابه؛ حكي عن طيء أصبح فلان غاويا أي مريضا، وأغويته أهلكته؛ ومنه { ‏فسوف يلقون غيا‏} ‏‏.‏ ‏[‏مريم‏:‏ 59‏]‏‏.‏ ‏} ‏هو ربكم‏} ‏ فإليه الإغواء، وإليه الهداية‏.‏ { ‏وإليه ترجعون‏} ‏ تهديد ووعيد‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏أم يقولون افتراه‏} ‏ يعنون النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ افترى افتعل؛ أي اختلق القرآن من قبل نفسه، وما أخبر به عن نوح وقومه؛ قال مقاتل‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ‏(‏هو من محاورة نوح لقومه‏)‏ وهو أظهر؛ لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه؛ فالخطاب منهم ولهم‏.‏ { ‏قل إن افتريته‏} ‏ أي اختلقته وافتعلته، يعني الوحي والرسالة‏.‏ { ‏فعلي إجرامي‏} ‏ أي عقاب إجرامي، وإن كنت محقا فيما أقوله فعليكم عقاب تكذيبي‏.‏ والإجرام مصدر أجرم؛ وهو اقتراف السيئة‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ أي جزاء جرمي وكسبي‏.‏ وجرم وأجرم بمعنى؛ عن النحاس وغيره‏.‏ قال‏:‏ طريد عشيرة ورهين جرم ** بما جرمت يدي وجنى لساني ومن قرأ ‏ { ‏أجرامي‏} ‏ بفتح الهمزة ذهب إلى أنه جمع جرم؛ وذكره النحاس أيضا‏.‏ { ‏وأنا بريء مما تجرمون‏} ‏ أي من الكفر والتكذيب‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 31 - 35


سورة هود الايات 35 - 41

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

جاء هذا القول في صُلْب قصة نوح ـ عليه السلام ـ وقد يكون مما أوحى به الله سبحانه لنوح عليه السلام، أو يكون المراد به أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام.

والافتراء ـ كما نعلم ـ هو الكذب المتعمِّد الذي يناقض واقعاً.

وانظروا إلى كل ما جاء بالمنهج ليلتزم به الفرد، ستجدون أنه مُلْزِمٌ للجميع، وستكون الفائدة التي تعود عليك بالتزام الجميع ـ بما فيهم أنت ـ فائدة كبيرة، فإن قال لك المنهج: لا تسرقْ؛ فهذا أمانٌ لك من أن يسرقك الناس.

ولذلك فساعة تسمع للمنهج، لا تنظرْ إلى المأخوذ منك، بل التفتْ إلى المأخوذ لك.

وعلى ذلك لا يمكن أن يكون المنهج افتراء.

ونحن نعلم أن المنهج يؤسِّس في المجتمعات مقاييس عادلة للاستقامة، وحين يُشَرِّع الحق سبحانه تشريعاً، قد يبدو لك أنه يُحِدُّ من حريتك، ولكنه في الواقع يُحقِّق لك منافع متعدِّدة، ويحميك من أن يعتدي الآخرين عليك.

وكان الردُّ على الاتهام بالافتراء يتمثَّل في أمرين: إما أن يفتروا مثله، أو أن يتحمَّل هو وِزْرُ إجرام الافتراء.

وإن لم يكن قد افتراه، فعليهم يقع وِزْرُ إجرامهم باتِّهامه أنه قد افترى.

وأسلوب الآية الكريمة يحذف عنهم البراءة في الشطر الأول منها، ولو جاء بالقول دون احتباك، لقال سبحانه: قل إن افتريته فعليَّ إجرامي وأنتم براءه منه، وإنْ لم أفْتَرِ فعليكم إجرامكم وأنا برىء.

وجاء الحذف من شِقِّ المقابل من شِقِّ آخر، وهذا ما يسمَّى في اللغة " الاحتباك ".

والحق سبحانه وتعالى يقول:


{  كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ }
[البقرة: 249].

والفئة القليلة تكون قلَّتُها في الأفراد والعَتَاد وكلِّ لوازم الحرب، والفئة الكثيرة، تظهر كثرَتها في العُدَّة والعَدَد وكلِّ لوازم الحرب، والفئة القليلة إنما تَغْلِب بإذن الله تعالى.

وهكذا يوضِّح الحق سبحانه أن الأسباب تقضي بغلبة الفئة الكثيرة، لكن مشيئته سبحانه تغلب الأسباب وتصل إلى ما شاءه الله تعالى.

ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى:


{  قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ }
[آل عمران: 13].

وحذف سبحانه صفة الإيمان عن الفئة الأولى، كما حذف عن الفئة الثانية صفة أنها تقاتل في سبيل الطاغوت والشيطان، وهذا يسمَّى " الاحتباك ".

وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قال الحق سبحانه:

{ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ } [هود: 35].

ولكن الحق سبحانه وتعالى شاء أن يبين لنا قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حين خاطب قومه، فقال سبحانه:


{  قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ }
[سبأ: 25].

فلم يَقُلْ: " عَمَّا تُجرمون ". فلم يقابل إيذاءهم القوليَّ والمادِّيَّ له بإيذاء قوليٍّ.

وكذلك ذكر الحق سبحانه ما جاء على لسان محمد صلى الله عليه وسلم:


{  وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }
[سبأ: 24].

وهذا ارتقاء في الجدل يناسب رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أنزلها الله على العالم كله.

وبعد ألف عام إلا خمسين من جدال نوح عليه السلام لقومه، قال له الحق سبحانه وتعالى: { وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ }


www.alro7.net