سورة
اية:

وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ

تفسير بن كثير

يقول عزَّ وجلَّ: { ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى اللّه} أي دعا عباد اللّه إليه { وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} أي وهو في نفسه مهتد فنفعه لنفسه ولغيره، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، بل يأتمر بالخير ويترك الشر، وهذه عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد، وقيل: المراد بها المؤذنون الصلحاء، كما ثبت في صحيح مسلم: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)، وقال عمر رضي اللّه عنه: لو كنت مؤذناً لكمل أمري، وما باليت ألا أنتصب لقيام الليل ولا لصيام النهار، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (اللهم اغفر للمؤذنين) ثلاثاً، قال: فقلت: يا رسول اللّه تركتنا ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف، قال صلى اللّه عليه وسلم: (كلا يا عمر، إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم، وتلك لحوم حرمها اللّه عزَّ وجلَّ على النار لحوم المؤذنين) ""أخرجه ابن أبي حاتم"". وقالت عائشة رضي اللّه عنها في قوله تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى اللّه وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} قالت: فهو المؤذن إذا قال: حي على الصلاة فقد دعا إلى اللّه، وهكذا قال ابن عمر رضي اللّه عنهما وعكرمة: إنها نزلت في المؤذنين، والصَّحيح أن الآية عامة في المؤذنين وغيرهم، فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعاً بالكلية، لأنها مكية، والأذان إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة، وقوله تعالى: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} أي فرق عظيم بين هذه وبين هذه، { ادفع بالتي هي أحسن} أي من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه، كما قال عمر رضي اللّه عنه: ما عاقبت من عصى اللّه فيك بمثل أن تطيع اللّه فيه. وقوله عزَّ وجلَّ: { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} وهو الصديق أي إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك حتى يصير { كأنه ولي حميم} أي قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك، ثم قال عزَّ وجلَّ: { وما يلقاها إلا الذين صبروا} أي وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك، فإنه يشق على النفوس، { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} أي ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة، قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر اللّه المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم اللّه من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم، وقوله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ باللّه} أي أن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس، إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك، فإذا استعذت باللّه والتجأت إليه كفه عنك ورد كيده، وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يقول:(أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه) ""رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن"".

تفسير الجلالين

{ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } في جزئياتهما بعضهما فوق بعض { ادفع } السيئة { بالتي } أي بالخصلة التي { هي أحسن } كالغضب بالصبر والجهل بالحلم والإساءة بالعفو { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } أي فيصير عدوك كالصديق القريب في محبته إذا فعلت ذلك فالذي مبتدأ وكأنه الخبر وإذا ظرف لمعنى التشبيه .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَسْتَوِي حَسَنَة الَّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللَّه ثُمَّ اسْتَقَامُوا , فَأَحْسَنُوا فِي قَوْلهمْ , وَإِجَابَتهمْ رَبّهمْ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَته , وَدَعَوْا عِبَاد اللَّه إِلَى مِثْل الَّذِي أَجَابُوا رَبّهمْ إِلَيْهِ , وَسَيِّئَة الَّذِينَ قَالُوا : { لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } فَكَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي عِنْد اللَّه أَحْوَالهمْ وَمَنَازِلهمْ , وَلَكِنَّهَا تَخْتَلِف كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ خَالَفَ بَيْنهمَا , وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة } فَكَرَّرَ لَا , وَالْمَعْنَى : لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة ; لِأَنَّ كُلّ مَا كَانَ غَيْر مُسَاوٍ شَيْئًا , فَالشَّيْء الَّذِي هُوَ لَهُ غَيْر مُسَاوٍ غَيْر مُسَاوِيه , كَمَا أَنَّ كُلّ مَا كَانَ مُسَاوِيًا لِشَيْءٍ فَالْآخَر الَّذِي هُوَ لَهُ مُسَاوٍ , مُسَاوٍ لَهُ , فَيُقَال : فُلَان مُسَاوٍ فُلَانًا , وَفُلَان لَهُ مُسَاوٍ , فَكَذَلِكَ فُلَان لَيْسَ مُسَاوِيًا لِفُلَانٍ , لَا فُلَان مُسَاوِيًا لَهُ , فَلِذَلِكَ كُرِّرَتْ لَا مَعَ السَّيِّئَة , وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُكَرَّرَة مَعَهَا كَانَ الْكَلَام صَحِيحًا . وَقَدْ كَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : يَجُوز أَنْ يُقَال : الثَّانِيَة زَائِدَة ; يُرِيد : لَا يَسْتَوِي عَبْد اللَّه وَزَيْد , فَزِيدَتْ لَا تَوْكِيدًا , كَمَا قَالَ { لِئَلَّا يَعْلَم أَهْل الْكِتَاب أَلَّا يَقْدِرُونَ } 57 29 أَيْ لِأَنْ يَعْلَم , وَكَمَا قَالَ : { لَا أُقْسِم بِيَوْمِ الْقِيَامَة وَلَا أَقْسِم بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة } 75 1 : 2 وَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يُنْكِر قَوْله هَذَا فِي : { لِئَلَّا يَعْلَم أَهْل الْكِتَاب } , وَفِي قَوْله : { لَا أُقْسِم } فَيَقُول : لَا الثَّانِيَة فِي قَوْله : { لِئَلَّا يَعْلَم أَهْل الْكِتَاب } أَنْ لَا يَقْدِرُونَ رُدَّتْ إِلَى مَوْضِعهَا ; لِأَنَّ النَّفْي إِنَّمَا لَحِقَ يَقْدِرُونَ لَا الْعِلْم , كَمَا يُقَال : لَا أَظُنّ زَيْدًا لَا يَقُوم , بِمَعْنَى : أَظُنّ زَيْدًا لَا يَقُوم ; قَالَ : وَرُبَّمَا اسْتَوْثَقُوا فَجَاءُوا بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا , وَرُبَّمَا اكْتَفَوْا بِالْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِي , وَحُكِيَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَب : مَا كَأَنِّي أَعْرِفهَا : أَيْ كَأَنِّي لَا أَعْرِفهَا. قَالَ : وَأَمَّا " لَا " فِي قَوْله { لَا أُقْسِم } فَإِنَّمَا هُوَ جَوَاب , وَالْقَسَم بَعْدهَا مُسْتَأْنَف , وَلَا يَكُون حَرْف الْجَحْد مُبْتَدَأ صِلَة . وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ . { وَلَا يَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة } وَلَا يَسْتَوِي الْإِيمَان بِاللَّهِ وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ وَالشِّرْك بِهِ وَالْعَمَل بِمَعْصِيَتِهِ .وَقَوْله : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَسْتَوِي حَسَنَة الَّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللَّه ثُمَّ اسْتَقَامُوا , فَأَحْسَنُوا فِي قَوْلهمْ , وَإِجَابَتهمْ رَبّهمْ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَته , وَدَعَوْا عِبَاد اللَّه إِلَى مِثْل الَّذِي أَجَابُوا رَبّهمْ إِلَيْهِ , وَسَيِّئَة الَّذِينَ قَالُوا : { لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } فَكَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي عِنْد اللَّه أَحْوَالهمْ وَمَنَازِلهمْ , وَلَكِنَّهَا تَخْتَلِف كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ خَالَفَ بَيْنهمَا , وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة } فَكَرَّرَ لَا , وَالْمَعْنَى : لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة ; لِأَنَّ كُلّ مَا كَانَ غَيْر مُسَاوٍ شَيْئًا , فَالشَّيْء الَّذِي هُوَ لَهُ غَيْر مُسَاوٍ غَيْر مُسَاوِيه , كَمَا أَنَّ كُلّ مَا كَانَ مُسَاوِيًا لِشَيْءٍ فَالْآخَر الَّذِي هُوَ لَهُ مُسَاوٍ , مُسَاوٍ لَهُ , فَيُقَال : فُلَان مُسَاوٍ فُلَانًا , وَفُلَان لَهُ مُسَاوٍ , فَكَذَلِكَ فُلَان لَيْسَ مُسَاوِيًا لِفُلَانٍ , لَا فُلَان مُسَاوِيًا لَهُ , فَلِذَلِكَ كُرِّرَتْ لَا مَعَ السَّيِّئَة , وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُكَرَّرَة مَعَهَا كَانَ الْكَلَام صَحِيحًا . وَقَدْ كَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : يَجُوز أَنْ يُقَال : الثَّانِيَة زَائِدَة ; يُرِيد : لَا يَسْتَوِي عَبْد اللَّه وَزَيْد , فَزِيدَتْ لَا تَوْكِيدًا , كَمَا قَالَ { لِئَلَّا يَعْلَم أَهْل الْكِتَاب أَلَّا يَقْدِرُونَ } 57 29 أَيْ لِأَنْ يَعْلَم , وَكَمَا قَالَ : { لَا أُقْسِم بِيَوْمِ الْقِيَامَة وَلَا أَقْسِم بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة } 75 1 : 2 وَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يُنْكِر قَوْله هَذَا فِي : { لِئَلَّا يَعْلَم أَهْل الْكِتَاب } , وَفِي قَوْله : { لَا أُقْسِم } فَيَقُول : لَا الثَّانِيَة فِي قَوْله : { لِئَلَّا يَعْلَم أَهْل الْكِتَاب } أَنْ لَا يَقْدِرُونَ رُدَّتْ إِلَى مَوْضِعهَا ; لِأَنَّ النَّفْي إِنَّمَا لَحِقَ يَقْدِرُونَ لَا الْعِلْم , كَمَا يُقَال : لَا أَظُنّ زَيْدًا لَا يَقُوم , بِمَعْنَى : أَظُنّ زَيْدًا لَا يَقُوم ; قَالَ : وَرُبَّمَا اسْتَوْثَقُوا فَجَاءُوا بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا , وَرُبَّمَا اكْتَفَوْا بِالْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِي , وَحُكِيَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَب : مَا كَأَنِّي أَعْرِفهَا : أَيْ كَأَنِّي لَا أَعْرِفهَا. قَالَ : وَأَمَّا " لَا " فِي قَوْله { لَا أُقْسِم } فَإِنَّمَا هُوَ جَوَاب , وَالْقَسَم بَعْدهَا مُسْتَأْنَف , وَلَا يَكُون حَرْف الْجَحْد مُبْتَدَأ صِلَة . وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ . { وَلَا يَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة } وَلَا يَسْتَوِي الْإِيمَان بِاللَّهِ وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ وَالشِّرْك بِهِ وَالْعَمَل بِمَعْصِيَتِهِ .' وَقَوْله : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادْفَعْ يَا مُحَمَّد بِحِلْمِك جَهْلَ مَنْ جَهِلَ عَلَيْك , وَبِعَفْوِك عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْك إِسَاءَة الْمُسِيء , وَبِصَبْرِك عَلَيْهِمْ مَكْرُوهَ مَا تَجِد مِنْهُمْ , وَيَلْقَاك مِنْ قِبَلهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى اخْتِلَاف مِنْهُمْ فِي تَأْوِيله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ. 23574 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } قَالَ : أَمَرَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عِنْد الْغَضَب , وَالْحِلْم وَالْعَفْو عِنْد الْإِسَاءَة , فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمَهُمْ اللَّه مِنَ الشَّيْطَان , وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوّهُمْ , كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : ادْفَعْ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْك إِسَاءَته. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23575 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ طَلْحَة بْن عَمْرو , عَنْ عَطَاء { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } قَالَ : بِالسَّلَامِ . 23576 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيّ , عَنْ مُجَاهِد { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } قَالَ : السَّلَام عَلَيْك إِذَا لَقِيته . وَقَوْله : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادْفَعْ يَا مُحَمَّد بِحِلْمِك جَهْلَ مَنْ جَهِلَ عَلَيْك , وَبِعَفْوِك عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْك إِسَاءَة الْمُسِيء , وَبِصَبْرِك عَلَيْهِمْ مَكْرُوهَ مَا تَجِد مِنْهُمْ , وَيَلْقَاك مِنْ قِبَلهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى اخْتِلَاف مِنْهُمْ فِي تَأْوِيله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ. 23574 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } قَالَ : أَمَرَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عِنْد الْغَضَب , وَالْحِلْم وَالْعَفْو عِنْد الْإِسَاءَة , فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمَهُمْ اللَّه مِنَ الشَّيْطَان , وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوّهُمْ , كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : ادْفَعْ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْك إِسَاءَته. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23575 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ طَلْحَة بْن عَمْرو , عَنْ عَطَاء { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } قَالَ : بِالسَّلَامِ . 23576 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيّ , عَنْ مُجَاهِد { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } قَالَ : السَّلَام عَلَيْك إِذَا لَقِيته . ' وَقَوْله : { فَإِذَا الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه عَدَاوَة كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : افْعَلْ هَذَا الَّذِي أَمَرْتُك بِهِ يَا مُحَمَّد مِنْ دَفْع سَيِّئَة الْمُسِيء إِلَيْك بِإِحْسَانِك الَّذِي أَمَرْتُك بِهِ إِلَيْهِ , فَيَصِير الْمُسِيء إِلَيْك الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه عَدَاوَة , كَأَنَّهُ مِنْ مُلَاطَفَته إِيَّاكَ , وَبِرّه لَك , وَلِيّ لَك مِنْ بَنِي أَعْمَامك , قَرِيب النَّسَب بِك , وَالْحَمِيم : هُوَ الْقَرِيب , كَمَا : 23577 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد . قَالَ : ثنا سَعِيد , , عَنْ قَتَادَة { كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم } : أَيْ كَأَنَّهُ وَلِيّ قَرِيب . وَقَوْله : { فَإِذَا الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه عَدَاوَة كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : افْعَلْ هَذَا الَّذِي أَمَرْتُك بِهِ يَا مُحَمَّد مِنْ دَفْع سَيِّئَة الْمُسِيء إِلَيْك بِإِحْسَانِك الَّذِي أَمَرْتُك بِهِ إِلَيْهِ , فَيَصِير الْمُسِيء إِلَيْك الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه عَدَاوَة , كَأَنَّهُ مِنْ مُلَاطَفَته إِيَّاكَ , وَبِرّه لَك , وَلِيّ لَك مِنْ بَنِي أَعْمَامك , قَرِيب النَّسَب بِك , وَالْحَمِيم : هُوَ الْقَرِيب , كَمَا : 23577 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد . قَالَ : ثنا سَعِيد , , عَنْ قَتَادَة { كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم } : أَيْ كَأَنَّهُ وَلِيّ قَرِيب . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا} هذا توبيخ للذين تواصوا باللغو في القرآن. والمعنى : أي كلام أحسن من القرآن، ومن أحسن قولا من الداعي إلى الله وطاعته وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن سيرين والسدي وابن زيد والحسن : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول : هذا رسول الله، هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا والله أحب أهل الأرض إلى الله؛ أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه. وقالت عائشة رضي الله عنها وعكرمة وقيس بن أبي حازم ومجاهد : نزلت في المؤذنين. قال فضيل بن رفيدة : كنت مؤذنا لأصحاب عبدالله بن مسعود، فقال لي عاصم بن هبيرة : إذا أذنت فقلت : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فقل وأنا من المسلمين؛ ثم قرأ هذه الآية؛ قال ابن العربي : الأول أصح؛ لأن الآية مكية والأذان مدني؛ وإنما يدخل فيها بالمعنى؛ لا أنه كان المقصود وقت القول، ويدخل فيها أبو بكر الصديق حين قال في النبي صلى الله عليه وسلم وقد خنقه الملعون { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} [غافر : 28] وتتضمن كل كلام حسن فيه ذكر التوحيد والإيمان. قلت : وقول ثالث وهو أحسنها؛ قال الحسن : هذه الآية عامة في كل من دعا إلى الله. وكذا قال قيس بن أبي حازم قال : نزلت في كل مؤمن. قال : ومعنى { وعمل صالحا} الصلاة بين الأذان والإقامة. وقاله أبو أمامة؛ قال : صلي ركعتين بين الأذان والإقامة. وقال عكرمة: { وعمل صالحا} صلى وصام. وقال الكلبي : أدى الفرائض. قلت : وهذا أحسنها مع اجتناب المحارم وكثرة المندوب. والله أعلم. قوله تعالى: { وقال إنني من المسلمين} قال ابن العربي : وما تقدم يدل على الإسلام، لكن لما كان الدعاء بالقول والسيف يكون للاعتقاد ويكون للحجة، وكان العمل يكون للرياء والإخلاص، دل على أنه لا بد من التصريح بالاعتقاد لله في ذلك كله، وأن العمل لوجهه. مسألة : لما قال الله تعالى: { وقال إنني من المسلمين} ولم يقل له اشترط إن شاء الله، كان في ذلك رد على من يقول أنا مسلم إن شاء الله. قوله تعالى: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} قال الفراء { لا} صلة أي { ولا تستوي الحسنة والسيئة} وأنشد : ما كان يرضى رسول الله فعلهم ** والطيبان أبو بكر ولا عمر أراد أبو بكر وعمر؛ أي لا يستوي ما أنت عليه من التوحيد، وما المشركون عليه من الشرك. قال ابن عباس : الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الشرك. وقيل : الحسنة الطاعة، والسيئة الشرك. وهو الأول بعينه. وقيل : الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة. وقيل : الحسنة العفو، والسيئة الانتصار. وقال الضحاك : الحسنة العلم، والسيئة الفحش. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الحسنة حب آل الرسول، والسيئة بغضهم. { ادفع بالتي هي أحسن} نسخت بآية السيف، وبقي المستحب من ذلك : حسن العشرة والاحتمال والإغضاء. قال ابن عباس : أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك. وعنه أيضا : هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك. وكذلك يروى في الأثر : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ذلك لرجل نال منه. وقال مجاهد: { بالتي هي أحسن} يعني السلام إذا لقي من يعاديه؛ وقال عطاء. وقول ثالث ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في الأحكام وهو المصافحة. وفي الأثر : (تصافحوا يذهب الغل). ولم ير مالك المصافحة، وقد اجتمع مع سفيان فتكلما فيها فقال سفيان : قد صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفرا حين قدم من أرض الحبشة؛ فقال له مالك : ذلك خاص. فقال له سفيان : ما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصنا، وما عمه يعمنا، والمصافحة ثابتة فلا وجه لإنكارها. وقد روى قتادة قال قلت لأنس : هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : نعم. وهو حديث صحيح. وفي الأثر : (من تمام المحبة الأخذ باليد). ومن حديث محمد بن إسحاق وهو إمام مقدم، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانا يجر ثوبه - والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده - فاعتنقه وقبله. قلت : قد روي عن مالك جواز المصافحة وعليها جماعة من العلماء. وقد مضى ذلك في { يوسف} وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما). قوله تعالى: { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} أي قريب صديق. قال مقاتل : نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم، فصار له وليا بعد أن كان عدوا بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار وليا في الإسلام حميما بالقرابة. وقيل : هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره الله تعالى بالصبر عليه والصفح عنه؛ ذكره الماوردي. والأول ذكره الثعلبي والقشيري وهو أظهر؛ لقوله تعالى: { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} . وقيل : كان هذا قبل الأمر بالقتال. قال ابن عباس : أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم. وروي أن رجلا شتم قنبرا مولى علي بن أبي طالب فناداه علي يا قنبر دع شاتمك، واله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه. وأنشدوا : وللكف عن شتم اللئيم تكرما ** أضر له من شتمه حين يشتم وقال آخر : وما شيء أحب إلى سفيه ** إذا سب الكريم مـن الجواب متاركة السفيه بلا جواب ** أشد على السفيه من السباب وقال محمود الوراق : سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ** وإن كثرت منه لدي الجرائـم فما الناس إلا واحد من ثـــلاثة ** شريف ومشرف ومثل مقاوم فأما الذي فوقي فأعرف قـــدره ** واتبع فيه الحق والحق لازم وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ** إجابته عرضي وإن لام لائم وأما الذي مثلي فإن زل أو هــفا ** تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم { وما يلقاها} يعني هذه الفعلة الكريمة والخصلة الشريفة { إلا الذين صبروا} بكظم الغيظ واحتمال الأذى. وقيل : الكناية في { يلقاها} عن الجنة؛ أي ما يلقاها إلا الصابرون؛ والمعنى متقارب. { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} أي نصيب وافر من الخير؛ قال ابن عباس. وقال قتادة ومجاهد : الحظ العظيم الجنة. قال الحسن : والله ما عظم حظ قط دون الجنة. { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} تقدم في آخر { الأعراف} . { فاستعذ بالله} من كيده وشره { إنه هو السميع} لاستعاذتك { العليم} بأفعالك وأقوالك.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فُصّلت الايات 33 - 37

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بعد أنْ حدَّثنا الحق سبحانه عن مهمة الدعوة إلى الله، وأنها ميراث الأنبياء وتركة رسول الله لنا من بعده، يُعلِّمنا هنا فناً من فنون الدعوة ودرساً من دروسها، ألاَ وهو مقابلة السيئة بالحسنة { وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ.. } [فصلت: 34].

نعم لا أحدَ يُسوِّي بين الحسنة والسيئة والعقل يؤيد ذلك، تعالَ إلى اللص الذي يسرق أموال الناس، ويسرق ثمرة عرقهم وقُلْ له: أتحب أنْ يسرق الناسُ منك؟ يقول: لا، نقول: إذن لا تحب لهم ما لا تحبه لنفسك، يقول لك: أنت تقيد حريتي وأنا حُرٌّ.

نقول له: لا تنسَ أن الله قيَّد حريتك في سرقة الآخرين وأنت فرد واحد، وقيِّد حركة الدنيا كلها في أنْ تسرق منك، فمَنِ المستفيد؟ كذلك في أمور الشرع التي حرَّم الله فيها أنْ تعتدي على الآخرين حرَّم عليهم جميعاً الاعتداء عليك، قال لك: لا تنظر إلى ما حرَّم الله عليك بشهوة. وأمر الناس جميعاً أن لا ينظروا إلى محارمك.

والنبي صلى الله عليه وسلم يعطينا نموذجاً في حكمة الدعوة، " حين جاءه شاب صادقُ الإيمان، لكن عنده أمر ومسألة لا يستطيع الإقلاع عنها، وهي شهوة النظر وشهوة الميل إلى النساء، فجاء وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إئذن لي بالزنا.

وتأمل هنا حكمته صلى الله عليه وسلم، قال للشاب دون أنْ ينهره أو يقسو عليه، إنما تبسَّم في وجهه وطمأنه أنه أمام داء له دواء، طالما أنه صادق الإيمان يواجه النبيَّ بدائه، لم يغُشّ رسول الله ولم يغُشّ نفسه.

لذلك وصف له رسول الله صلى الله عليه وسلم الدواء الذي اجتثَّ هذا الداء من جذوره، وقام الشاب من عند رسول الله وأشدَّ ما يكرهه الزنا.

قال له رسول الله: " يا هذا أتحب ذلك لأمك؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أتحبُّ ذلك لأختك؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أتحبُّ ذلك لزوجتك؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أتحبُّ ذلك لابنتك؟ قال: لا يا رسول الله..

وما زال الرسول يذكر له النساء من أهله حتى ذكر العمة والخالة، وحتى قال الشاب: لا يا رسول الله جُعلْتُ فداكَ، فقال رسول الله: كذلك الناسُ يا أخا العرب لا يحبونه لأمهاتهم ولا لأخواتهم.... ".

عندها قال الشاب: والله ما هممتُ بشي أنظر إليه إلا تذكرتُ أمي وأختي وزوجتي وابنتي.

إذن: الدين يحتاج في الدعوة إليه إلى لينٍ وحكمة وموعظة حسنة حتى يُقبل منك ما تقول، لأن الذي تنصحه بأمر من أمور الدين وهو على غير دينك، أو على دينك لكنه ألِفَ المعصية وثقُلَتْ عليه الطاعة، ينبغي عليك أنْ تُخرجه مما ألفَ بأسلوب لا يكرهه، حتى لا تجمع عليه المعاناة حين تخلعه مما يحب، وقسوة الأسلوب وفظاظته، يكفي أن تخرجه مما أحب بما لا يكره، وبذلك تمنع عنه شراسة الجدل وثورة العناد والمكابرة.وكذلك في المعاملة، عليك أنْ تواجه السيئة بالحسنة { ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [فصلت: 34] يعني: رُدّ باللين وبالحسنى { فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } [فصلت: 34] العداوة المدمرة هي التي تكون بين اثنين عدوين، كل منهما عدو للآخر، وفي هذه الحالة يستشري العداء ويستحكم، ولا نصل فيه إلى حَلٍّ، فمتى تنكسر حِدَّة العداوة؟

تنكسر حِدَّتها حينما تكون من جانب واحد، جانب عدو وجانب متسامح لا يرد السيئة بالسيئة، إنما يعفو ويصفح، وفي هذه الحالة تهدأ نفس العدو، ولا يجد مجالاً لعداوته، وهذه أولى خطوات الإصلاح أنْ تأخذ عدوك في جانبك، لذلك يقولون: لا تكافئ مَنْ عصى الله فيك بأكثر من أنْ تطيع الله فيك.

وبهذه الطريقة ينقلب العدو إلى { وَلِيٌّ حَمِيمٌ } [فصلت: 34] يعني: صديق قريب مُحب مخلص كيف؟ لا تقل كيف، بقدرة الله خالق هذه النفوس وهذه القلوب ومُقلِّبها.

جاء رجل يشكو قسوةَ أحد الأقارب، فقلنا له: يا شيخ اصبر عليه وقابله بالتي هي أحسن، وتودًَّد إليه عَلَّ الله يصلح ما بينكما، بعدها جاء وقال: دفعتُ بالتي هي أحسن فلم يزدد إلا قسوةً وصار أشدَّ مما كان، قلت له: إذن راجع نفسك لأن كلام الله قضية مُسلّمة، وابحث عن السبب عندك، فلعلك ظننتَ أنك دفعت بالتي هي أحسن، والحقيقة أنك لم تدفع بالتي هي أحسن، أو أنك أردتَ أنْ تُجرِّب مع الله، والله تعالى لا يُجرِّب التجربة، التجربة مع الله شَكٌّ، فلو صدقتَ مع الله لصدقَ الله معك.

وما أجمل قول الشاعر في هذا المعنى
يا مَنْ تُضايقه الفِعَالُ مِنَ التي ومِنَ الذي   ادفَعْ فَدَيتُكَ بالتي حَتَّى تَرَى فَإذَا الذِي


www.alro7.net