سورة
اية:

وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مسلياً لنبيه صلى اللّه عليه وسلم، وآمراً له بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبراً له بأنه ما بعث نبيا في قرية إلا كذبه مترفوها واتبعه ضعفاؤهم، كما قال قوم نوح: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} ، وقال الكبراء من قوم صالح: { للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه؟ قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون . قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون} ، وقال تعالى: { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} ، وقال جلَّ وعلا: { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً} ، وقال جلَّ وعلا ههنا: { وما أرسلنا في قرية من نذير} أي نبي أو ورسول { إلا قال مترفوها} وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة، قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر { إنا بما أرسلتم به كافرون} أي لا نؤمن به ولا نتبعه، عن أبي رزين قال: كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل، فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فترك تجارته ثم أتى صاحبه، فقال: دلني عليه، وكان يقرأ الكتب أو بعض الكتب، قال: فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: إلامَ تدعو؟ قال: (أدعو إلى كذا وكذا) قال: أشهد أنك رسول اللّه، قال صلى اللّه عليه وسلم: (وما علمك بذلك؟) قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فنزلت هذه الآية، { وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون} ""أخرجه ابن أبي حاتم""، وهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل قال فيها: وسألتك أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم، فزعمت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل ""هذا جزء من حديث طويل رواه الشيخان"". وقال تبارك وتعالى إخباراً عن المترفين الكاذبين: { وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين} أي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة اللّه تعالى لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة، وهيهات لهم ذلك، قال اللّه تعالى: { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات؟ بل لا يشعرون} ، وقال تبارك وتعالى: { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد اللّه ليعذبهم في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} ، ولهذا قال عزَّ وجلَّ ههنا: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، فيفقر من يشاء ويغني من يشاء، وله الحكمة التامة البالغة، والحجة القاطعة الدامغة { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ، ثم قال تعالى: { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} أي ليست هذه دليلاً على محبتنا لكم ولا اعتنائنا بكم، ولهذا قال اللّه تعالى: { إلا من آمن وعمل صالحاً} أي إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمانُ والعمل الصالح { فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} أي تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف { وهم في الغرفات آمنون} أي في منازل الجنة العالية { آمنون} من كل بأس وخوف وأذى، ومن كل شر يحذر منه. عن علي رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن في الجنة لغرفاً ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها) فقال أعرابي: لمن هي؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (لمن طيّب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام) ""أخرجه ابن أبي حاتم"". { والذين يسعون في آياتنا معاجزين} أي يسعون في الصد عن سبيل اللّه واتباع رسله والتصديق بآياته، { أولئك في العذاب محضرون} أي جميعهم مجزيون بأعمالهم فيها بحسبهم، وقوله تعالى: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له} أي بحسب ما له في ذلك من الحكمة، يبسط على هذا من المال كثيراً، ويضيّق على هذا ويقتر عليه رزقه جدا، وله في ذلك من الحكمة ما لا يدركها غيره، كما قال تعالى: { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً} أي كما هم متفاوتون في الدنيا هذا فقير مدقع وهذا غني موسع عليه، فكذلك هم في الآخرة، هذا في الغرفات في أعلى الدرجات، وهذا في الغمرات في أسفل الدركات، وأطيب الناس في الدنيا، كما قال صلى اللّه عليه وسلم: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه اللّه بما آتاه) ""أخرجه مسلم من حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما""، وقوله تعالى: { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} أي مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في الحديث: (يقول اللّه تعالى أَنفقْ أُنفقْ عليك)، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أنفقْ بلالاً، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً)، وعن حذيفة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده حذار الإنفاق)، ثم تلا هذه الآية { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} ""أخرجه ابن أبي حاتم""، وفي الحديث: (شرار الناس يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطرين حرام، ألا إن بيع المضطرين حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، إن كان عندك معروف فعد به على أخيك، وإلا فلا تزده هلاكاً إلى هلاكه) ""أخرجه الحافظ الموصلي وفي إسناده ضعف""، وقال مجاهد: لا يتأولن أحدكم هذه الآية { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} إذا كان عند أحدكم ما يقيمه فليقصد فيه، فإن الرزق مقسوم.

تفسير الجلالين

{ وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها } رؤساؤها المتنعمون { إنا بما أرسلتم به كافرون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا بَعَثْنَا إِلَى أَهْل قَرْيَة نَذِيرًا يُنْذِرهُمْ بَأْسَنَا أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ عَلَى مَعْصِيَتهمْ إِيَّانَا , إِلَّا قَالَ كُبَرَاؤُهَا وَرُؤَسَاؤُهَا فِي الضَّلَالَة كَمَا قَالَ قَوْم فِرْعَوْن مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَهُ : إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ مِنْ النِّذَارَة , وَبُعِثْتُمْ بِهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَالْبَرَاءَة مِنَ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد كَافِرُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22058 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } قَالَ : هُمْ رُءُوسهمْ وَقَادَتهمْ فِي الشَّرّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا بَعَثْنَا إِلَى أَهْل قَرْيَة نَذِيرًا يُنْذِرهُمْ بَأْسَنَا أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ عَلَى مَعْصِيَتهمْ إِيَّانَا , إِلَّا قَالَ كُبَرَاؤُهَا وَرُؤَسَاؤُهَا فِي الضَّلَالَة كَمَا قَالَ قَوْم فِرْعَوْن مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَهُ : إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ مِنْ النِّذَارَة , وَبُعِثْتُمْ بِهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَالْبَرَاءَة مِنَ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد كَافِرُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22058 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } قَالَ : هُمْ رُءُوسهمْ وَقَادَتهمْ فِي الشَّرّ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها} قال قتادة : أي أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها وقادة الشر للرسل: { إنا بما أرسلتم به كافرون. وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا} أي فضلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم يكن ربكم راضيا بما نحن عليه من الدين والفضل لم يخولنا ذلك. { وما نحن بمعذبين} لأن من أحسن إليه فلا يعذبه، فرد الله عليهم قولهم وما احتجوا به من الغنى فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل إن ربي يبسط الرزق} أي يوسعه { لمن يشاء ويقدر} أي إن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق امتحانا لهم، فلا يدل شيء من ذلك على ما في العواقب، فسعة الرزق في الدنيا لا تدل على سعادة الآخرة فلا تظنوا أموالكم وأولادكم تغنى عنكم غدا شيئا. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} لا يعلمون هذا لأنهم لا يتأملون. ثم قال تأكيدا: { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} قال مجاهد : أي قربى. والزلفة القربة. وقال الأخفش : أي إزلافا، وهو اسم المصدر، فيكون موضع { قربى} نصبا كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا. وزعم الفراء أن "التي" تكون للأموال والأولاد جميعا. وله قول آخر وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج، يكون المعنى : وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه. وأنشد الفراء : نحن بما عندنا وأنت بما ** عندك راض والرأي مختلف ويجوز في غير القرآن : باللتين وباللاتي وباللواتي وباللذين وبالذين؛ للأولاد خاصة أي لا تزيدكم الأموال عندنا رفعة ودرجة، ولا تقربكم تقريبا. { إلا من آمن وعمل صالحا} قال سعيد بن جبير : المعنى إلا من أمن وعمل صالحا فلن يضره ماله وولده في الدنيا. وروى ليث عن طاوس أنه كان يقول : اللهم ارزقني الإيمان والعمل، وجنبني المال والولد، فإني سمعت فيما أوحيت { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا} . قلت : قول طاوس فيه نظر، والمعنى والله أعلم : جنبني المال والولد المطغيين أو اللذين لا خير فيهما؛ فأما المال الصالح والولد الصالح للرجل الصالح فنعم هذا وقد مضى هذ! في "آل عمران ومريم والفرقان". و"من" في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، أي لكن من آمن وعمل صالحا فإيمانه وعمله يقربانه مني. وزعم الزجاج أنه في موضع نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم التي في "تقربكم". النحاس : وهذا القول غلط؛ لأن الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل، ولو جاز هذا لجاز : رأيتك زيدا. وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء. إلا أن الفراء لا يقول بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين، ولكن قول يؤول إلى ذلك، وزعم أن مثله { إلا من أتى الله بقلب سليم} يكون منصوبا عنده بـ "ينفع". وأجاز الفراء أن يكون "من" في موضع رفع بمعنى : ما هو إلا من أمن، كذا قال، ولست أحصل معناه. { فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} يعني قوله: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} الأنعام : 160] فالضعف الزيادة، أي لهم جزاء التضعيف، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول. وقيل : لهم جزاء الأضعاف، فالضعف في معنى الجمع، وإضافة الضعف إلى الجزاء كإضافة الشيء إلى نفسه، نحو : حق اليقين، وصلاة الأولى. أي لهم الجزاء المضعف، للواحد عشرة إلى ما يريد الله من الزيادة. وبهذه الآية استدل من فضل الغنى على الفقر. وقال محمد بن كعب : إن المؤمن إذا كان غنيا تقيا أتاه الله أجره مرتين بهذه الآية. قراءة العامة: "جزاء الضعف" بالإضافة. وقرأ الزهري ويعقوب ونصر بن عاصم: "جزاء" منونا منصوبا "الضعف" رفعا؛ أي فأولئك لهم الضعف جزاء، على التقديم والتأخير. "وجزاء الضعف" على أن يجازوا الضعف. و"جزاء الضعف" مرفوعان، الضعف بدل من جزاء. وقرأ الجمهور: "في الغرفات" على الجمع، وهو اختيار أبى عبيد؛ لقوله: { لنبوئنهم من الجنة غرفا} العنكبوت : 58]. الزمخشري : وقرئ: "في الغرفات" بضم الراء وفتحها وسكونها. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة وخلف: "في الغرفة" على التوحيد؛ لقوله تعالى: { أولئك يجزون الغرفة} الفرقان : 75]. والغرفة قد يراد بها اسم الجمع واسم الجنس. قال ابن عباس : هي غرف من ياقوت وزبرجد ودر وقد مضى بيان ذلك. "آمنون" أي من العذاب والموت والأسقام والأحزان. { والذين يسعون في آياتنا} في إبطال أدلتنا وحجتنا وكتابنا. { معاجزين} معاندين، يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم. { أولئك في العذاب محضرون} أي في جهنم تحضرهم الزبانية فيها.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نلحظ في هذه الآية أنها ذكرتْ النذارة، ولم تذكر البشارة، لماذا؟ قالوا: لأن الحديث عن قرية استشرى فيها الفساد بحيث لم يَعُدْ لها إلا النذارة، فهؤلاء قوم كذَّبوا الرسل، ووقفوا من الدعوة موقفَ العداء والمكابرة. أما البشارة فتكون في عموم الدعوة، والحديث هنا عن دعوة خاصة بهؤلاء المكذبين.

ومعنى { فِي قَرْيَةٍ } [سبأ: 34] أي: في أهل قرية، والقرية اسم للمكان، أو أن الله سبحانه جاء بالمكان وإنْ كان يريد المكين؛ لأن المكان كجماد مُسبِّح لله، فيفرح بالمؤمن المسبِّح فيه، ويحزن ويضيق بالكافر الذي يقيم فيه؛ لذلك يقول العربي القديم؛ فلان نبا به المكان يعني: المكان كرهه، ولما قالوا لرجل حكيم: أدريتَ أن فلاناً باع أرضه؟ قال: بل باعَتْه أرضه.

وقوله { إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ } [سبأ: 34] جمع مُتْرف وترف يترف أي: تنعَّم. أما أترف فتعني أن النعمة أطغَتْه وفتنته، فالحق سبحانه لم يمنع عبده أنْ يتمتع بنعمه، المهم ألاَّ تُطغيه النعمة.

وقد يكون الترف والتنعُّم استدراجاً من الله للعبد، وإملاءً له، ومَدًّا له في النعمة حتى يَطْغى بها، وتأمل مثلاً قول الله تعالى:
{  فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ }
[الأنعام: 44] ولم يقُلْ لهم يعني ليس هذا الفتح في صالحهم مع أنه في ظاهرة نعمة
{  أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ }
[الأنعام: 44] وتعوَّدوا النعمة وأَلِفوها
{  أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً.. }
[الأنعام: 44].

لذلك، ليس من الصواب قولُكَ لأخيك: فتح الله عليم والصواب: فتح الله لك. واقرأ:
{  إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً }
[الفتح: 1]
{  مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا.. }
[فاطر: 2]

وحكوْا لنا عن سياسي كبير كان له خصم، ففوجئوا بأنه أصدر قراراً بترقية هذا الخَصْم إلى منصب كبير، فتعجبوا: كيف يُرقى خصمه؟ فقال: أرفعه إلى منزلة عالية، حتى إذا سقط منها كان السقوط مؤلماً، وسبق أنْ قُلْنا: إذا أردتَ أنْ تُوقِع عدوك لا توقعه من فوق الحصيرة مثلاً.

ومن الاستدراج بالنعمة والترف قوله تعالى:
{  وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً }
[الإسراء: 16].

البعض يخطىء فَهْم هذه الآية، فيقول:
{  أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا }
[الإسراء: 16] أن الفسق مترتب على الأمر. والله سبحانه لا يأمر بالفسق، ولا يأمر بالفحشاء، وإنما يأمر بالطاعة والعبادة، كما قال سبحانه:
{  وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ.. }
[البينة: 5] وقال:
{  إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ.. }
[النحل: 90] فالمعنى: أمرنا مترفيها بما يأمر الله به، فما كان منهم إلا أنْ فسقوا فيها أي: فسقوا في الأمر، إذن: الفسق ليس مترتباً على الأمر، وإنما على مخالفة الأمر.

الحق - سبحانه وتعالى - حين يعرض قضية الترف والإتراف يقول: أنا أنعمتُ على عبادي نعماً يتنعَّمون بها، إنما كنتُ أريد أنْ يستقبلوا هذه النعم بالشكر، وأنْ يُعدوا النعمة إلى غير المنعِّمين ليحصل في المجتمع المسلم التكافل الاجتماعي المطلوب، ولينزع هذا التكافل الغِلَّ والحقد من قلوب الفقراء على الأغنياء.فالفقير إذا رأى الغنى ينتفع بآثار النعمة، ويتمتع بها دونه، يحقد عليه، ويتمنى زوال نعمته، فإنْ نال منها شيء أحبَّ الغنى، وسأل الله له المزيد، هذا من ناحية الفقير.

أما من ناحية الغنيِّ، فالحق سبحانه يعلم أن الإنسان عامة مطبوعٌ على النفعية لذاته وحب الخير لها؛ لذلك عامله الحق سبحانه بهذا المنطق، منطق النفعية حين يعطيه جزاءَ ما أنفق، ويثيبه على ما يفعل من الخير، قال له: الحسنة بعشر أمثالها، غُض طرفك عن المحارم في الدنيا أمتعك بالحور العين يوم القيامة.. الخ.

لذلك يقولون: إن التدين نفعية عالية، فأنت مثلاً ما آثرتَ الفقير على نفسك، وما أعطيتَهُ ما في جيبك إلا لأنك تريد من الله تعالى أضعاف ما أعطيت. إذن: أنت حتى في تجارتك مع الله تحب النفع لنفسك.

والحق سبحانه يعطي الغني وصاحب الهمة العالية الذي يكدح ويتعب ويُكوِّن الثروة، يعطيه حقه، ويحترم جهده وعرقه، ويحترم مشاعره النفعية، فحين يسـأله يسأله جزءاً من ماله، لا ماله كله، واقرأ قوله تعالى:
{  إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ }
[محمد: 36-37].

ويُحبِّبهم في الإنفاق بنفس هذا المنطق:
{  هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ.. }
[محمد: 38].

إذن: مسألة الإنفاق هذه تُخرِج ضِغْن الغني، كما أخرجتْ ضِغِن الفقير، فهي تُحدِث استطراقاً إيمانياً، واستطراقاً اقتصادياً في المجتمع، فصاحب المال يحمد الله على النعمة، ولا يبخل بها على الفقير، والفقير يحمد الله أنْ جعل النعمة في يد مَنْ يجود بها عليه، وهكذا يحدث التوازن في المجتمع.

نعود إلى ما كُنَّا بصدده من قوله تعالى: { وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } [سبأ: 34] لماذا أنتم كافرون بما جاء به الرسل؟

الحق - تبارك وتعالى - يريد من العباد ألاَّ يستعلي قوي على ضعيف، وألاَّ يستعلي غني على فقير، وألاَّ يستعلي عالم على جاهل، إنما يريد أن يعمَّ الخير، فمَنْ كانت عنده خَصْلة من خصال الخير عَدَّاها إلى غيره.

أما هؤلاء فقد اختاروا الكفر، واطمأنوا إليه؛ لأن النعمة أطغتهم وأترفتهم، فمالوا إلى البذخ وإلى المظالم حتى عَشِقوا هذا كله، فلما جاء الدين ليُعدِّل من سلوكهم صادموه، وحاولوا طمسه والقضاء على دعوته؛ لأنهم ألفوا السيادة، وألِفُوا الطغيان، ولا يريدون أنْ تُسلب منهم هذه السيادة. وإلا لو أن العالم كان مستقيماً متوازناً ما كانت هناك حاجة للرسل، إذن: ما جاء رسول إلا بعد أنْ عَمَّ الفساد وطَمّ.وسبق أنْ قُلْنا: إن الحق سبحانه خلق في النفس الإنسانية مناعة إيمانية نتيجة الفطرة الأولية، لكن الشهوات وتقاليد الظالمين تطمس هذه الفطرة، فتحتاج إلى مُذكِّر يعيدها إلى الطبيعة والفطرة التي خلقها الله، لذلك قال سبحانه:
{  إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ }
[الغاشية: 21] يعني: ليس بادئاً.

والحق سبحانه يُبين أن الناس أمام الخير والشر أنواع ثلاثة، فقال الحق سبحانه وتعالى:
{  ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ }
[فاطر: 32].

فالظالم لنفسه هو الذي يفعل السيئة، ولا يلوم نفسه، ولا يندم على سيئته، ولا يتوب منها، فهو يظلم نفسه؛ لأنه يحرمها الجزاء والنعيم الأبدي. والمقتصد هو الذي يتردد بين الحسنة والسيئة، فإنْ فعل سيئة تذكَّر ولام نفسه وتاب، ثم يفعل الحسنة لتُكفِّر السيئة، وهؤلاء قال الله فيهم:
{  خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
[التوبة: 102].

وقوله سبحانه:
{  ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا }
[فاطر: 32] يُراد به أمة محمد صلى الله عليه وسلم: لأن الميراث يعني أن الموروث ينتقل من السابق إلى اللاحق، فأمة محمد ورثتْ الرسل جميعاً في كل أمورهم الخيرية، وتكفَّلَتْ بأن تردع الشر في كل نواحيه، وبذلك ورثوا الرسالات كلها؛ لأنهم يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر، كما قال سبحانه:
{  كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ }
[آل عمران: 110].

وقال تعالى أيضاً:
{  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }
[البقرة: 143].

فالرسول يشهد أنه بلَّغكم، وأنتم تشهدون أنكم بلَّغتم مَنْ بعدكم، رسولكم فوَّضه الله في أنْ يُشرِّع لكم، وفوَّضكم أنتم في أنْ تحملوا منهجه من بعده؛ لذلك انقطعتْ الرسالات بعده صلى الله عليه وسلم؛ لأن أمته ستقوم بمهمة الرسالة، وهذا دليل على أنها أمة، الخيرية فيها باقية إلى قيام الساعة.

وقولهم: { إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } [سبأ: 34] بم أُرسِل الرسلُ؟ أُرسِلوا أولاً بقضية التوحيد، وأنه لا إله إلا الله، أرسلوا بالبلاغ عن الله، أرسلوا بمعجزات، أُرسلوا بأحكام ومناهج تحكم حركة الحياة. فهؤلاء كفروا بهذا كله لأنهم يريدون أنْ يعيشوا في ترفهم وظلمهم، وأنْ يستبدوا كما يشاؤون.

لكن قولهم { بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ } [سبأ: 34] دلَّ على غبائهم؛ لأنهم لم يقولوا مثلاً بما جئتم به، أو بما ادعيتموه، إنما بما أُرسِلتم به، فهم يعترفون بأنهم مُرسَلُون، فهذه كلمة الحق ساقها الله على ألسنتهم، كما ساقه على ألسنتهم في قولهم:
{  لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ }
[المنافقون: 7] وقولهم لما فتر الوحي عن رسول الله: إن رب محمد قلاه.

إذن: هم يعترفون لرسول الله بالرسالة، والمرسل لا يُرسَل من مثله، إنما من جهة أعلى، فالرسالة ليست من عند محمد؛
{  قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }
[يونس: 16] لكن، ما علة هذا الكفر؟


www.alro7.net