سورة
اية:

وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ

تفسير بن كثير

لما أمره اللّه تعالى بالذهاب إلى فرعون { قال رب إني قتلت منهم نفسا} يعني ذلك القبطي، { فأخاف أن يقتلون} أي إذا رأوني، { وأخي هارون هو أفصح مني لسانا} وذلك أن موسى عليه السلام كان في لسانه لثغة بسبب ما كان تناول تلك الجمرة، فحصل فيه شدة في التعبير، ولهذا قال: { واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي} { فأرسله معي ردءا} أي وزيراً ومعيناً ومقويا لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن اللّه عزّ وجلّ، لأن خبر الاثنين أنجع في النفوس من خبر الواحد، ولهذا قال: { إني أخاف أن يكذبون} ، وقال محمد بن إسحاق: { ردءا يصدقني} أي يبين لهم ما أكملهم به فإنه يفهم عني ما لا يعلمون، فلما سأل ذلك موسى، قال اللّه تعالى: { سنشد عضدك بأخيك} أي سنقوي أمرك ونعز جانبك بأخيك، الذي سألت له أن يكون نبيا معك، كما قال في الآية الأخرى: { قد أوتيت سؤلك يا موسى} . ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم منة على أخيه من موسى على هارون عليهما السلام، فإنه شفع فيه حتى جعله اللّه نبيا ورسولاً، ولهذا قال تعالى في حق موسى { وكان عند اللّه وجيها} ، وقوله تعالى: { ونجعل لكما سلطانا} أي حجة قاهرة { فلا يصلون إليكما بآياتنا} أي لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات اللّه، كما قال تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} - إلى قوله - { واللّه يعصمك من الناس} ، ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولمن اتبعهما في الدنيا والآخرة فقال تعالى: { أنتما ومن اتبعكما الغالبون} ، كما قال تعالى: { كتب اللّه لأغلبن أنا ورسلي إن اللّه قوي عزيز} ، وقال تعالى: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} إلى آخر الآية.

تفسير الجلالين

{ وأخي هارون هو أفصح مني لسانا } أبين { فأرسله معي ردْءا } معينا وفي قراءة بفتح الدال بلا همزة { يصدقْني } بالجزم جواب الدعاء وفي قراءة بالرفع وجملته صفة ردءاً { إني أخاف أن يكذبون} .

تفسير الطبري

{ وَأَخِي هَارُون هُوَ أَفْصَح مِنِّي لِسَانًا } , يَقُول : أَحْسَن بَيَانًا عَمَّا يُرِيد أَنْ يُبَيِّنهُ . { وَأَخِي هَارُون هُوَ أَفْصَح مِنِّي لِسَانًا } , يَقُول : أَحْسَن بَيَانًا عَمَّا يُرِيد أَنْ يُبَيِّنهُ .' { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا } يَقُول : عَوْنًا . يُصَدِّقنِي : أَيْ يُبَيِّن لَهُمْ عَنِّي مَا أُخَاطِبهُمْ بِهِ . كَمَا : 20903 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَأَخِي هَارُون هُوَ أَفْصَح مِنِّي لِسَانًا , فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي } : أَيْ يُبَيِّن لَهُمْ عَنِّي مَا أُكَلِّمهُمْ بِهِ , فَإِنَّهُ يَفْهَم مَا لَا يَفْهَمُونَ . وَقِيلَ : إِنَّمَا سَأَلَ مُوسَى رَبّه يُؤَيِّدهُ بِأَخِيهِ , لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ إِذَا اِجْتَمَعَا عَلَى الْخَيْر , كَانَتْ النَّفْس إِلَى تَصْدِيقهمَا , أَسْكَن مِنْهَا إِلَى تَصْدِيق خَبَر الْوَاحِد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20904 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي } لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَحْرَى أَنْ يُصَدَّقَا مِنْ وَاحِد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20905 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي } قَالَ عَوْنًا. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 20906 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { رِدْءًا يُصَدِّقنِي } : أَيْ عَوْنًا. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : كَيْمَا يُصَدِّقنِي . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20907 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { رِدْءًا يُصَدِّقنِي } يَقُول : كَيْ يُصَدِّقنِي . 20908 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي } يَقُول : كَيْمَا يُصَدِّقنِي . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { رِدْءًا يُصَدِّقنِي } يَقُول : كَيْمَا يُصَدِّقنِي. وَالرِّدْء فِي كَلَام الْعَرَب : هُوَ الْعَوْن , يُقَال مِنْهُ : قَدْ أَرْدَأْت فُلَانًا عَلَى أَمْره : أَيْ أَكَفَيْته وَأَعَنْته . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { يُصَدِّقنِي } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْبَصْرَة : " رِدْءًا يُصَدِّقنِي " بِجَزْمِ يُصَدِّقنِي . وَقَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة : " يُصَدِّقنِي " بِرَفْعِهِ , فَمَنْ رَفَعَهُ جَعَلَهُ صِلَة لِلرِّدْءِ , بِمَعْنَى : فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا مِنْ صِفَته يُصَدِّقنِي ; وَمَنْ جَزَمَهُ جَعَلَهُ جَوَابًا لِقَوْلِهِ فَأَرْسِلْهُ , فَإِنَّك إِذَا أَرْسَلْته صَدَّقَنِي , عَلَى وَجْه الْخَبَر . وَالرَّفْع فِي ذَلِكَ أَحَبّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ , لِأَنَّهُ مَسْأَلَة مِنْ مُوسَى رَبَّهُ أَنْ يُرْسِل أَخَاهُ عَوْنًا لَهُ بِهَذِهِ الصِّفَة . { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا } يَقُول : عَوْنًا . يُصَدِّقنِي : أَيْ يُبَيِّن لَهُمْ عَنِّي مَا أُخَاطِبهُمْ بِهِ . كَمَا : 20903 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَأَخِي هَارُون هُوَ أَفْصَح مِنِّي لِسَانًا , فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي } : أَيْ يُبَيِّن لَهُمْ عَنِّي مَا أُكَلِّمهُمْ بِهِ , فَإِنَّهُ يَفْهَم مَا لَا يَفْهَمُونَ . وَقِيلَ : إِنَّمَا سَأَلَ مُوسَى رَبّه يُؤَيِّدهُ بِأَخِيهِ , لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ إِذَا اِجْتَمَعَا عَلَى الْخَيْر , كَانَتْ النَّفْس إِلَى تَصْدِيقهمَا , أَسْكَن مِنْهَا إِلَى تَصْدِيق خَبَر الْوَاحِد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20904 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي } لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَحْرَى أَنْ يُصَدَّقَا مِنْ وَاحِد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20905 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي } قَالَ عَوْنًا. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 20906 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { رِدْءًا يُصَدِّقنِي } : أَيْ عَوْنًا. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : كَيْمَا يُصَدِّقنِي . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20907 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { رِدْءًا يُصَدِّقنِي } يَقُول : كَيْ يُصَدِّقنِي . 20908 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقنِي } يَقُول : كَيْمَا يُصَدِّقنِي . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { رِدْءًا يُصَدِّقنِي } يَقُول : كَيْمَا يُصَدِّقنِي. وَالرِّدْء فِي كَلَام الْعَرَب : هُوَ الْعَوْن , يُقَال مِنْهُ : قَدْ أَرْدَأْت فُلَانًا عَلَى أَمْره : أَيْ أَكَفَيْته وَأَعَنْته . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { يُصَدِّقنِي } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْبَصْرَة : " رِدْءًا يُصَدِّقنِي " بِجَزْمِ يُصَدِّقنِي . وَقَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة : " يُصَدِّقنِي " بِرَفْعِهِ , فَمَنْ رَفَعَهُ جَعَلَهُ صِلَة لِلرِّدْءِ , بِمَعْنَى : فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا مِنْ صِفَته يُصَدِّقنِي ; وَمَنْ جَزَمَهُ جَعَلَهُ جَوَابًا لِقَوْلِهِ فَأَرْسِلْهُ , فَإِنَّك إِذَا أَرْسَلْته صَدَّقَنِي , عَلَى وَجْه الْخَبَر . وَالرَّفْع فِي ذَلِكَ أَحَبّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ , لِأَنَّهُ مَسْأَلَة مِنْ مُوسَى رَبَّهُ أَنْ يُرْسِل أَخَاهُ عَوْنًا لَهُ بِهَذِهِ الصِّفَة .' وَقَوْله : { إِنِّي أَخَاف أَنْ يُكَذِّبُونِ } يَقُول : إِنِّي أَخَاف أَنْ لَا يُصَدِّقُونِ عَلَى قَوْلِي لَهُمْ إِنِّي أَرْسَلْت إِلَيْكُمْ.وَقَوْله : { إِنِّي أَخَاف أَنْ يُكَذِّبُونِ } يَقُول : إِنِّي أَخَاف أَنْ لَا يُصَدِّقُونِ عَلَى قَوْلِي لَهُمْ إِنِّي أَرْسَلْت إِلَيْكُمْ.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { اسلك يدك في جيبك} الآية. تقدمت. { واضمم إليك جناحك من الرهب} { من} متعلقة بـ { ولى} أي ولى مدبرا من الرهب وقرأ حفص والسلمي وعيسى بن عمرو وابن أبي إسحاق { من الرهب} بفتح الراء وإسكان الهاء وقرأ ابن عامر والكوفيون إلا حفص بضم الراء وجزم الهاء الباقون بفتح الراء والهاء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لقوله تعالي { ويدعوننا رغبا ورهبا} الأنبياء 90 وكلها لغات وهو بمعنى الخوف والمعنى إذا هالك أمر يدك وشعاعها فأدخلها في جيبك وارددها إليه تعد كما كانت وقيل : أمره الله أن يضم يده إلي صدره فيذهب عنه خوف الحية عن مجاهد وغيره ورواه الضحاك عن ابن عباس؛ قال فقال ابن عباس : ليس من أحد يدخله رعب بعد موسى عليه السلام، ثم يدخل يده فيضعها على صدره إلا ذهب عنه الرعب ويحكي عن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله : أن كاتبا كان يكتب بين يديه فانفلتت منه فلتة ريح فخجل وانكسر، فقام وضرب بقلمه الأرض فقال له عمر : خذ قلمك وأضمم إليك جناحك، وليفرخ روعك فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي، وقيل : المعنى أضمم يدك إلي صدرك ليذهب الله ما في صدرك من الخوف وكان موسى يرتعد خوفا إما من آل فرعون وإما من الثعبان وضم الجناح هو السكون؛ كقوله { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} الإسراء 24 يريد الرفق وكذلك قوله { وأخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} الشعراء 215 أي أرفق بهم وقال الفراء : أراد بالجناح عصاه وقال بعض أهل المعاني : الرهب الكم بلغة حمير وبني حنيفة قال مقاتل : سألتني أعرابية شيئا وأنا آكل فملأت الكف وأومأت إليها فقالت : ها هنا في رهبي تريد في كمي وقال الأصمعي : سمعت أعرابيا يقول لأخر أعطني رهبك فسألته عن الرهب فقال : الكم؛ فعلى هذا يكون معناه اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم؛ لأنه تناول العصا ويده في كمه وقوله { أسلك يدك في جيبك} يدل على أنها اليد اليمني، لأن الجيب على اليسار. ذكره القشيري. قلت : وما فسروه من ضم اليد إلى الصدر يدل على أن الجيب موضعه الصدر وقد مضى في سورة [النور] بيانه. الزمخشري : ومن بدع التفاسير أن الرهب الكم بلغة حمير وأنهم يقولون أعطني مما في رهبك، وليت شعري كيف صحته في اللغة ! وهل سمع من الأثبات الثقات الذين ترتضي عربيتهم، ثم ليت شعري كيف موقعه في الآية، وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل، على أن موسى صلوات عليه ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زُرْمَانِقَة من صوف لا كمين لها قال القشيري : وقوله { واضمم إليك جناحك} يريد اليدين إن قلنا أراد الأمن من فزع الثعبان وقيل { واضمم إليك جناحك} أي شمر واستعد لتحمل أعباء الرسالة. قلت : فعلى هذا قيل { إنك من الآمنين} أي من المرسلين؛ لقوله تعالى { إني لا يخاف لدي المرسلون} النمل 10 قال ابن بحر : فصار على هذا التأويل رسولا بهذا القول وقيل : إنما صار رسولا بقول { فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه} قوله تعالى: { فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين} والبرهانان اليد والعصا وقرأ ابن كثير : بتشديد النون وخففها الباقون وروى أبو عمارة عن أبي الفضل عن أبي بكر عن ابن كثير، { فذانيك} بالتشديد والياء وعن أبي عمرو أيضا قال لغة هذيل { فذانيك} بالتخفيف والياء ولغة قريش { فذانك} كما قرأ أبو عمرو وابن كثير وفي تعليله خمسة أقوال : قيل شدد النون عوضا من الألف الساقطة في ذانك الذي هو تثنية ذا المرفوع، وهو رفع بالابتداء، وألف ذا محذوفة لدخول ألف التثنية عليها، ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين؛ لأن أصله فذانك فحذف الألف الأولى عوضا من النون الشديدة وقيل : التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. مكي : وقيل إن من شدد إنما بناه على لغة من قال في الواحد ذلك؛ فلما بنى أثبت اللام بعد نون التثنية، ثم أدغم اللام في النون على حكم إدغام الثاني في الأول، والأصل أن يدغم الأول أبدا في الثاني، إلا أن يمنع من ذلك علة فيدغم الثاني في الأول، والعلة التي منعت في هذا أن يدغم الأول في الثاني أنه لو فعل ذلك لصار في موضع النون التي تدل على التثنية لام مشددة فيتغير لفظ التثنية فأدغم الثاني في الأول لذلك؛ فصار نونا مشددة وقد قيل : إنه لما تنافي ذلك أثبت اللام قبل النون ثم أدغم الأول في الثاني على أصول الإدغام فصار نونا مشددة وقيل : شددت فرقا بينها وبين الظاهر التي تسقط الإضافة نونه، لأن ذان لا يضاف وقيل : للفرق بين الاسم المتمكن وبينها وكذلك العلة في تشديد النون في { اللذان} و { هذان} قال أبو عمرو : إنما اختص أبو عمرو هذا الحرف بالتشديد دون كل تثنية من جنسه لقلة حروفه فقرأ بالتثقيل ومن قرأ { فذانيك} بياء مع تخفيف النون فالأصل عنده { فذانك} بالتشديد فأبدل من النون الثانية ياء كراهية التضعيف، كما قالوا : لا أملاه في لا أمله فأبدلوا اللام الثانية ألفا. ومن قرأ بياء بعد النون الشديدة فوجهه أنه أشبع كسرة النون فتولدت عنها الياء. قوله تعالى: { فأرسله معي ردءا} يعني معينا مشتق من أردأته أي أعنته والردء العون قال الشاعر : ألم تر أن أصرم كان ردئي ** وخير الناس في قٌلٍّ ومال النحاس : وقد أردأه ورداه أي أعانه؛ وترك همزه تخفيفا وبه قرأ نافع : وهو بمعنى المهموز قال المهدوي : ويجوز أن يكون ترك الهمز من قولهم أردى على المائة أي زاد عليها، وكأن المعنى أرسله معي زيادة في تصديقي قاله مسلم بن جندب وأنشد قول الشاعر : وأسمر خطيا كأن كعوبه ** نوى القسب قد أردى ذراعا على العشر كذا أنشد الماوردي هذا البيت : قد أردى وأنشده الغزنوي والجوهري في الصحاح قد أرمى؛ قال : والقسب الصلب، والقسب تمر يابس يتفتت في الفم صلب النواة قال يصف رمحا : وأسمر البيت قال الجوهري : ردؤ الشيء يردؤ رداءة فهو رديء أي فاسد، وأردأته أفسدته، وأردأته أيضا يعني أعنته؛ تقول : أردأته بنفسي أي كنت له ردءا وهو العون قال الله { فأرسله معي رداء يصدقني} . قال النحاس : وقد حكى ردأته : ردءا وجمع ردء أرداة وقرأ عاصم وحمزة { يصدقني} بالرفع وجزم الباقون؛ وهو اختيار أبي حاتم على جواب الدعاء واختار الرفع أبو عبيد على الحال من الهاء في { أرسله} أي أرسله ردءا مصدقا حالة التصديق؛ كقوله { أنزل علينا مائدة من السماء تكون} المائدة 114 أي كائنة؛ حال صرف إلى الاستقبال ويجوز أن يكون صفة لقوله { ردءا} { إني أخاف أن يكذبون} إذا لم يكن لي وزير ولا معين؛ لأنهم لا يكادون يفقهون عني، فـ { قال} الله جل وعز له { سنشد عضدك بأخيك} أي نقويك به؛ وهذا تمثيل؛ لأن قوة اليد بالعضد قال طرفة : بني لبيني لستم بيد ** إلا يدا ليست لها عضد ويقال في دعاء الخير : شد الله عضدك وفي ضده : فت الله في عضدك { ونجعل لكما سلطانا} أي حجه وبرهانا { فلا يصلون إليكما} بالأذى { بآياتنا} أي تمتنعان منهم { بآياتنا} فيجوز أن يوقف على { إليكما} ويكون في الكلام تقديم وتأخير وقيل : التقدير { أنتما ومن اتبعكما الغالبون} بآياتنا قال الأخفش والطبري قال المهدوي : وفي هذا تقديم الصلة على الموصول، إلا أن يقدر أنتما غالبان بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون وعنى بالآيات سائر معجزاته.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القصص الايات 31 - 38

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى الرِّدْء: المعين، وعرفنا من قصة موسى - عليه السلام - وهو صغير في بيت فرعون أنه أصابته لَثْغة في لسانه، فكان ثقيل النطق لا ينطلق لسانه؛ لذلك أراد أنْ يستعين بفصاحة أخيه هارون ليؤيده، ويُظهر حجته، ويُزيل عنه الشبهات.

وكان بإمكان موسى أن يطلب من ربه أن يستعين بأخيه هارون، فيكون هارون من باطن موسى، لكنه أحب لأخيه أن يشاركه في رسالته، وأن ينال هذا الفضل وهذه الرِّفْعة، فقال: { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي... } [القصص: 34] يعني: معيناً لي حتى لا يُكذِّبني الناس، فيكون رسولاً مِثْلِي بتكليف من الله.

لذلك نرى الآيات تتحدث عن هارون على أنه رسول شريك لموسى في رسالته، يقول تعالى في شأنهما:
{  ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ }
[طه: 43-44].

فإذا نظرنا إلى وحدة الرسالة فَهُما رسول واحد، وهذا واضح في قوله تعالى:


{  فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }
[الشعراء: 16].

وجاء في قول فرعون:
{  إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ }
[الشعراء: 27] بصيغة المفرد. كما لو بعث رئيس الجمهورية رسالة مع اثنين أو ثلاثة إلى نظيره في دولة أخرى، نُسمِّي هؤلاء جميعاً (رسول)؛ لأن رسالتهم واحدة، فإذا نظرتَ إلى وحدة الرسالة من المرسل إلى المرسَل إليه فهما واحد، وإذا نظرتَ إلى كلٍّ على حِدَة فهما رسولان.

وقد ورد أيضاً:
{  إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ... }
[طه: 47] فخاطبهم مرة بالمفرد، ومرة بالمثنى.

لذلك لما دعا موسى - عليه السلام - على قوم فرعون لما غرَّتهم الأموال، وفتنتهم زينة الحياة الدنيا قال
{  رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ }
[يونس: 88].

المتكلِّم هنا موسى وحده، ومع ذلك قال تعالى:
{  قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا... }
[يونس: 89] فنظر إلى أنهما رسول واحد، فموسى يدعو وهارون يُؤمِّن على دعائه، والمؤمِّن أحد الدَّاعِيَيْن.


www.alro7.net